"ليالي مسقط".. كان بالإمكان أفضل مما كان
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
د. أحمد بن علي العمري
(مهرجان "ليالي مسقط" صوبها صوبها صوبها مسقط خلا)
هذا المهرجان العريق الذي رسم تواجده على ساحة المهرجانات العُمانية؛ بل والإقليمية والعربية بكل جدارة وفخر واعتزاز، هذا المهرجان الذي يشد إليه الرحال من داخل عُمان وخارجها… هذا المهرجان الذي يحسب له كل عُماني وكل أسرة ألف حساب لحضوره والتوجه إليه خاصة وأنه يتزامن دائما مع إجازة نصف العام الدراسي، ولكن هذا العام بدأ للأسف باهتًا مبتعدًا عن توجهاته المعهودة ونمطه المُتميز.
إن كل المهرجانات في السلطنة ناجحة ولله الحمد ومهرجان مسقط ينجح كل عام وهذا العام ناجح بكل تأكيد ولكننا أضحينا الآن لا نسأل عن النجاح والفشل والعياذ بالله، ولكن ننظر كم درجة من النجاح حقق كل مهرجان وعليه وبعد نجاح جميع المهرجانات في كل المحافظات فإننا نطلب الآتي:
1) التنسيق بين المحافظات حتى لا تقام عدة مهرجانات في وقت واحد؛ حيث إننا لا نريد التزامن أو التنافس وإنما نبحث عن التكامل والتتابع والربط بسلسلة واحدة متواصلة ومستمرة.
2) المحافظة على الموروث الشعبي واعتباره العمود الرئيسي للفعاليات وإبرازه وإفساح المجال للأسر المنتجة لتقدم ما لديها وما إنتاجها إلا جزء مهم وفعال من الموروث الشعبي الذي تتميز به السلطنة دون غيرها.
المهم نرجع لمهرجاننا العزيز مهرجان العاصمة مهرجان مسقط أو كما أطلق عليه هذا العام ليالي مسقط الذي نفتخر به جميعاً في سلطنة عُمان مهرجان مسقط.
لقد لاحظت كما ربما لاحظ الكثيرون غيري أنه في هذا العام توجه للحداثة أكثر من اللازم؛ بل وأبحر فيها وغاص فيها لدرجة أنه لم يقدر على الخروج أو الطلوع منها وابتعد عن التراث ففي الحداثة يوجد لدى الغير ما لديك ويُمكن أن يستورده إن تطلب الأمر ولكن في الموروث ليس لدى الغير ما لديك وهذه قيمة وطنية لا يمكن تصديرها أو استيرادها؛ فالزائر سواء كان من داخل السلطنة أو من خارجها لا يريد أن يرى الأكروبات والرسم على الوجوه واستخدام الأضواء والأصوات والتأثيرات الصوتية وغيرها من أدوات الإبهار والإظهار، فهذه يراها في كل المهرجانات الأخرى ولكن يريد أن يرى ما تتميز به عُمان وحدها دون غيرها.
يريد أن يرى الرزحة والعازي والهبوت والبرعة واليولة والشحشح وأبوزلف والندبة، ويريد أن يسمع ويستمتع بالهمبل والتغرود والميدان وكثير والكثير غيرها من الموروث والتراث الذي تتميز به عُمان، فلو قلبنا كل حجر في عُمان من مسندم إلى ظفار لوجدنا تحته موروثاً وفناً وهوية عُمانية متميزة، وهذا لا ينطبق على الرقصات والفنون فحسب وحتى في صنوف الأكل والملبس والعادات والتقاليد والأعراف والسلوكيات والصناعات والمشغولات التقليدية؛ فعُمان غنية وزاخرة ومعطاءة بكل هذا.
نعم نجح مهرجان مسقط، ولكنه كان بالإمكان أن يحقق درجة نجاح أعلى لو أظهر الموروث الوطني… فأي مهرجان لم يبرز الفنون الشعبية بكل أنواعها حتمًا سيكون نجاحه بدرجة أقل.
لربما استشعر المقام السامي- حفظه الله ورعاه وأدام عزه- فتم تعيين صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد الموقر وزيرًا للدولة ومحافظًا لمسقط وهو رجل لديه إحساس فني مُرهف وقد تبنى جائزة بلعرب للتصميم المعماري، وكما نعرف أنَّ المعمار فن أرقى من الهندسة وأفضل، فنتأمل أن نرى إبراز الموروث بكل أضلعه وتفرعاته وأبعاده وأهدافه من قادم مهرجان مسقط (القدوة) وغيره من جميع المحافظات؛ ففي الموروث فخرنا وعزنا وانتماؤنا وهو ما يسعدنا ويفرحنا ويعجب غيرنا من كل المتذوقين ومن جميع أنحاء العالم.
حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.