عقل الدولة.. أو فهم آليات تفكيرها
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
الدولة.. ظاهرة أزلية؛ بمعنى أنَّه لم يُرصد بدء نشوئها تأريخيًا ـ رصدًا ناجزًا- بكونها إطارًا سلطويًا مهيمنًا على جماعة ما. بيد أنَّه قدمت الكثير مِن النظريات والأبحاث في هذا الشأن، أفادت في فهم الدولة.
مِن بين التعريفات الكثيرة.. أعرِّف الدولة بأنَّها كيان مادي ومعنوي ناظم للشعب بسلطة مهيمنة، كيان مادي متمثلًا في المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، بما فيها القوانين والأنظمة، وكيان معنوي؛ هو العلاقات الظاهرة والخفية التي تدير شبكة الحياة الناظمة للمؤسسات والشعب.
لم أؤطر الدولة بالمكان أو الزمان، فآليات تفكيرها كلية، تتجاوز الأطر التقليدية لِمَا تطرحه تعريفات الدولة المعتادة.. بل قد تتجاوز ما يُصنَف بأنَّه مبادئ، ليس لعدم الاعتراف بها، وإنَّما لأنَّ حركة الحياة -لكي تثبّت وجودها- ليست بالضرورة خاضعة للمبادئ المتواضع عليها، وإنْ كان لا يمكن أنْ تتجاوز المبادئ التكوينية الطبيعية، وهي مبادئ عليا في الحياة.
المقال.. يحاول أنْ يفهم «عقل الدولة»؛ بوصفها كيانًا كليًا فوق تفكير مَن يديرها بصفته الفردية. إنَّ مَن يفكر هو الفرد، والجماعة ليست فردًا حتى يكون لديها عقل، غير أنَّ الإنسان مفطور على التعاون والتنازع؛ مما يجعله يفكر بما يفكر فيه أخوه الإنسان، هذه الصلة مِن التفكير أنشأت «العقل الجمعي»، (انظر: في سبيل تفريق القطيع، عمان، 2023م) . بهذا المعنى.. فإنَّ العقل الجمعي انبثقت مِنه عقول عديدة بحسب التجمعات التي تفرضها حاجة البشر، مثل: عقل المؤسسة وعقل القبيلة وعقل الشعب. ومِنها عقل الدولة؛ وهو ما أسميه «آليات تفكير الدولة».
كيف تفكر الدولة؟
بدايةً -عندي- «عقل الدولة» أسبق مِن «عقل الشعب»، لأنَّ تشكّل السلطة الناظمة للدولة أسبق مِن تشكّل الشعب ذاته؛ في وحدة جامعة لها مصالح قومية كبرى، ويمكن أنْ أرتب العقول بحسب التسلسل الوظيفي: عقل الفرد، ثم عقل الجماعة، ثم عقل الدولة، وأخيرًا عقل الشعب. فالدولة.. هي مَن تصنع الشعب، وليس العكس. ولذا؛ لا يمكنك أنْ تدرس عقل الشعب دون أنْ تفهم العقول الثلاثة المتركب عليها.
من آليات تفكير الدولة:
- الهيمنة.. الدولة لا يمكن أنْ تفكر خارج نطاق الهيمنة، لأنَّها هي العصا -والجرزة- التي تجمع عناصرها، سواءً أكانت الشعب وأفراده، أم المؤسسات ومراكز القوى. ولتحقيق ذلك.. تسلك الدولة شتى ضروب الهيمنة، مِن القوة الناعمة إلى القوة الخشنة، تختلف الطرائق والأساليب باختلاف إدارة السلطة والمكونات التي تديرها، لكن يبقى العنصر الأساس هو الهيمنة. إنَّما قد يُلِين مِن خشونة السلطة: الحاكم والمسئول، وهو لِينٌ محدود، بحيث لا يغري المنافس على السلطة.
إنَّ الدولة وأجهزتها لا تهيمن على الشعب وحده؛ في مسار عمله وتفكيره ونفسيته.. بل هي تهيمن كذلك على عناصر نظامها ذاته؛ أي تجعل عناصره منساقة إليه، البعض يسمي هذا «إغراء السلطة»، والأمر أبعد غورًا، فإغراء السلطة هو أحد تجليات قانون الهيمنة. تتنوع عناصر نظام الدولة في ممارسة الهيمنة، وهذا نتيجة التداخل بين الحالة الشخصية للفرد وبُنية المنظومة التي يعمل فيها، فلرُبَّما كون هذه الحالة مستبدة؛ فتظهر بُنية النظام خشنةً، أو أنَّها ديمقراطية؛ فتظهر بُنيته ناعمة. وفي كل الحالات هي هيمنة تفرضها الدولة.
- البرجماتية.. فالدولة ليست كيانًا صلبًا في مؤسساته، ولا جامدًا في تفكيره، فهي منظومة تحركها مفاهيم كثيرة، قادرة على أنَّ تتواءم مع المتغيرات الداخلية والخارجية. إنَّ البرجماتية هي ما يضمن استمرار الدولة، فالدول الأيديولوجية لا تعمر طويلًا.
- التوازن.. وهو يتجاوز القطاعات الحيوية لإدارة الدولة، إلى الاختيارات التي تمكّن الدولة مِن هيمنتها، فإنْ كان التوازن يقتضي الخبرة والإنجاز فستجد الدولة نفسها آخذة بهما وتعمل على تمكينهما، وإنْ اقتضى الأمر الأخذ بمراكز القوى المؤثرة في المجتمع كالقبيلة ورجال المال ورجال الدين فستجد نفسها في هذا الطريق. إنَّها تفعل ذلك دون أنْ تخضع لعواطف مَن يديرها، ففقدان التوازن مؤذن بتداعي الدولة، وليس أضر على مستقبل الدولة مِن العواطف، ومثال ذلك إيران الشاه.
- المسافة الفاصلة بين نظام الدولة وعناصر إدارته.. الدولة لا تتدخل في تصرفات الفرد ومعتقداته؛ إلا في نطاق القانون.. بل تعلن أنَّها مسئولة عن حفظ حقوقه؛ تعبيرًا وتصرفًا. إلا أنَّها بكونها كيانًا مهيمنًا؛ لا تسمح لأحد أنْ يُدخِل رؤيته إليها، إلا بقدر حاجتها هي. فلا يُستغرب إنْ وجد مسئول له رؤية خاصة؛ فإذا انخرط في أجهزة الدولة اختلفت رؤيته. وهذا لا يعتبر انفصامًا أخلاقيًا، وإنَّما طبيعة عمل لمنطقتين مختلفتين، تخضعه كل واحدة لمناط عملها وتفكيرها.
- الرؤية الكلية.. الدولة لا تفكر جزئيًا، وإنَّما تعمل برؤية شاملة، فرؤيتها قد تمتد إلى خمس أو عشر أو أكثر، وفي رؤيتها تنظر لما يحصل غدًا كنظرها لِمَا يحصل بعد أعوام، لكي تضمن بقاءها وهيمنتها. ومع ذلك.. تشعر الدولة أنَّ هذه الطبيعة معوِّقة لها، فتعمل على تجزئتها بالمؤسسات الإجرائية التي تنفذ رؤيتها. التفكير الكلي.. أهم مناطات عقل الدولة، إنَّها تفكر في شعبها ومؤسساتها وكافة عناصرها بكونها حزمة واحدة غير قابلة للتفكك. لا أنفي أنَّه قد يحصل التفكك، وهذا ليس عائدًا إلى طبيعة التفكير لدى الدولة، وإنَّما لأنْ خللًا حاصلًا فيها، ويتضح هذا الخلل مثلًا.. عندما يصبح الحاكم هو عقل الدولة. في هذه الحالة تتقزم الدولة لتكون مجرد مؤسسة، ثم تغدو غير قادرة على مقتضيات إدارة الدولة، ويبدو أنَّ أمريكا تنحدر في هذا السبيل.
- التمدد.. الدولة ترى أنَّ مِن دون تمددها خارج إقليمها يتهاوى نظامها، ولذلك؛ كانت الدول تتوسع باستمرار، حتى أصبحت إمبراطوريات عالمية، لكن هذه التوسع المستمر يورثها الترهل، وكثرة الأزمات وعمق التحديات، ورغبة الأطراف في الانفصال، مما يؤدي إلى استضعاف الدولة، ثم انهيارها.
تقع الدولة في مأزق الموازنة بين تمددها الذي هو طبيعة فيها وبين الانهيار بسبب التوسع، وبمرور الزمن.. طوَّرت الدولة آلية تفكيرها في هذه الموازنة. ولتضبط التنافس في توسعها أنشأت الدول الكبرى عصبة الأمم عام 1919م، وسرعان ما انهارت أمام المتغيرات الدولية وموقف الشعوب مِن الاستعمار، فورثتها الأمم المتحدة عام 1945م؛ لتركز على الحدود الدولية ما بعد المرحلة الاستعمارية.
إنَّ الأمم المتحدة لم تقضِ على توسعات الدول خارج إقليمها، لكن خفضت مِن منسوب التوسع كثيرًا، كما جعلها صامدة في بقائها، ولم تلقَ حتى الآن مصير أمها عصبة الأمم.
لقد وضعت الأمم المتحدة المواثيق التي تحرِّم اعتداء الدول على أراضي بعضها البعض، ولأنَّ التمدد جِبلَّةٌ في عقل الدولة، فقد سلكت الدول طرائق قددًا لتحقيقه. فبعضها رأى تمدده بالهيمنة العسكرية، دون أنْ يحتل دولًا أخرى، مِن خلال الاتفاقيات العسكرية يسيطر على ثرواتها ومقدراتها واتخاذ القرار فيها. وبعضها رأى التمدد عن طريق الهيمنة الاقتصادية، فعقد مع الدول اتفاقيات اقتصادية استغلالية، وجعل أي تعاون خاضعًا لهذه الاتفاقيات المجحفة. وبعضها استخدم الاستثمار في المشاريع التي تدر على الدولة أموالًا ضخمة دون أنْ يقع في ورطة انتهاك القوانين الدولية، وهذا أمر محمود؛ بيد أنَّه لا يخرج عن نطاق التفكير بالتمدد.
- نسبية الخلل.. وأقصد بها أنَّ الدولة لا تنظر إلى الأمراض الاجتماعية بأنَّها تمس كيانها وتدخل خللًا عليها، إلا ببلوغها نسبة معينة، فمثلًا الاختلاسات المالية لا تعتبرها مهددةً لكيانها حتى تبلغ درجة تقدرها الدولة ذاتها؛ وفقًا لوعيها وقدراتها. وحتى وقوع العنف في المجتمع؛ لا تنظر إليه الدولة كنظرة الشعب والفرد؛ بأنَّه خطر متحقق، حتى يصل درجة تخاف الدولة مِن فقدان هيمنتها. إنَّ هذه النسبية لا تخضع لمقياس علمي صارم؛ بمقدار خضوعها لموازنات الدولة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: عقل الدولة الدولة م ن عقل الشعب الدولة لا ل الشعب دون أن
إقرأ أيضاً:
مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
يعود الخلاف بين المؤسسة الدينية ونظام السيسي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يود السيسي إقراره، ورَبْطُ السيسي بالمشروع ليس من قبيل الإقحام، فهو الذي قال خلال فترة ترشحه للرئاسة عام 2014: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين"، وهو الذي يريد فرض مسألة الطلاق الشفهي منذ عقد تقريبا، وهي مسألة دينية بحتة وشديدة الدقة يترتب عليها هدم منزل أو وضع شخصين في علاقة محرَّمة. ومعلوم أن السيسي لا يملك شيئا من المعرفة الدينية التي تؤهله للخوض في مسائل دينية بسيطة، فضلا عن مسألة بهذه الدقة وهذه الخطورة.
لكن الأهم من هذا الخلاف -الذي لن ينتهي ما بقي السيسي في الحكم- هو طريقة التعامل مع الأزهر من أركان النظام السياسي من جانب، والمعارضين للنظام من جانب آخر، إذ الأهم دائما وضع القواعد التي تنبني عليها المواقف الآنِيَّة واللاحقة، لا مجرد التفوق أو التراجع في المواقف الآنية، وللأسف يسعى نظام السيسي إلى تدمير أحد أهم مصادر القوة في مصر بالإصرار على بسط السيطرة على الأزهر، حتى في الجوانب التعبدية لا الإطار السياسي العام، وكذلك تسعى المعارضة إلى تحقيق مكسب بإظهار أن هناك معارضة داخلية للنظام السياسي، الأمر الذي يُضعف من موقف الشيخ الطيب، والمؤسسة في دولة قمعية ستستغل هذه الدعاية قطعا للضغط وتصوير الشيخ والمؤسسة في وضع يُحرج النظام السياسي.
دخل شيخ الأزهر في عدة معارك بعضها معلن والآخر في الأروقة المغلقة، لكن ضجيج الخلاف نَفَذَ إلى الجوار.
من الخلافات العلنية، رفْض شيخ الأزهر عمليات القمع والقتل منذ مذبحة الحرس الجمهوري في تموز/يوليو 2013، وما تبع ذلك من عمليات دموية وإجرامية، وفي الأروقة المغلقة طُولِب شيخ الأزهر بإخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، ومن جملة الذرائع المساقَة لتبرير الموقف، انتقاصه من شيخ الأزهر، لكن الشيخ "الطَّيِّب" رفض ذلك إلى أن استقال الشيخ القرضاوي بنفسه.
ثم وقف شيخ الأزهر موقفا صلبا في عدم وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في بيانات الأزهر الرسمية، كما رفض إصدار فتوى بتكفير المنتسبين إلى تنظيم داعش، وكان الشيخ عباس شومان -وكيل المشيخة حينها- يقول: "إنهم مجرمون ويجب قتالهم"، وهو موقف يفرِّق فيه الأزهر بين الجريمة والمعتَقَد، وأن باب التكفير يجب إغلاقه على الجميع، لا فتْحه للسلطة وإغلاقه أمام غيرها.
كذلك، طولِب الشيخ باستبعاد الراحل د. محمد عمارة من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، ورفَضَ ذلك، إلى أن استقال د. عمارة لرفع الحرج عن الشيخ، وكذلك طولِب الشيخ باستبعاد الشيخ عباس شومان من منصبه، والشيخ حسن الشافعي من منصب كبير مستشاري شيخ الأزهر، والقاضي المستشار محمد عبد السلام الذي كان مستشارا للشيخ، وشارك في كتابة الدستور المصري في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري وتعديله عاميْ 2012 و2013 وشارك في صياغة عدد من وثائق الأزهر الشريف في الفترة ما بين 2011 و2018، وهي الوثائق التي أَعْلَتْ من شأن الحريات وتطلعات الشعوب نحو الحرية، ورغم الضغوط المتوالية رفض الشيخ الطيب هذه الطلبات كلها. ثم جاء الصدام العلني الأقوى والأبرز في مسألتيْ: الطلاق الشفهي، وتعديل مشروع قانون الأوقاف.
في مسألة الطلاق الشفهي، تحدث السيسي، في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في 24 كانون الثاني/ يناير 2016، عن تزايد حالات الطلاق، فاقترح منع الطلاق الشفهي وحصْر الطلاق في الحالات الموثقة فقط، ثم توجَّه، باقتراحه ذلك إلى شيخ الأزهر على الهواء، ثم قال له: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وبعد أكثر من عام من صمت الأزهر العلني عن المسألة، ورَفْضِه لها في الغرف المغلقة، اضطُر الأزهر لإصدار بيان بعنوان "بيان للناس"، وهذا العنوان نادر الصدور عن المشيخة، ولا يصدر إلا في الأمور الكبرى، فـ"هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية، والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي التي تواجه العالم والمجتمع المصري، وكذا البت في المسائل المستجدة في حياة الناس على أساس شرعي"، كما يقول أمينها العام الحالي الشيخ عباس شومان.
أصدر الأزهر بيانه القاسي يوم 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من شباط/ فبراير 2017م، وجاء فيه: "وترى هيئة كبار العلماء أنَّ ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوجَ المستخفَّ بأمر الطلاق لا يُعيِيه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه (..) وأنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف".
وفي إشارة نبيهة، اختتُم البيان بقولهم: "وتتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم". والجملة الأخيرة في غاية الأهمية.
انتهت هذه المرحلة بتربّص نظام السيسي بالمشيخة، فخرجت تسريبات تؤكد تغيير المواد المتعلقة بالأزهر في الدستور، قبيل التعديلات الدستورية عام 2019، وطُرحت المواد المقتَرَح تعديلها في الإعلام المصري، دون إعلان رسمي، لكن معلوم أن الإعلام المصري لا يتحرك إلا وفق تعليمات، وبانضباط شديد لا يتجاوز النصوص المرسَلَة من الجهات الأمنية. وفي النهاية لم تُدرَج مواد الأزهر في مشروع الدستور، ولم تكن هناك معلومة واضحة عن سبب سحب المواد من مشروع التعديل.
لم تتوقف محاولات تقييد الأزهر، فاقترح مجلس النواب عام 2020 تشريعا تصبح وفْقَهُ تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل المصرية لا الأزهر الشريف، ورغم رفض الأزهر للمشروع، قرر المجلس مناقشة التشريع، فأرسل الشيخ الطيب ليلة المناقشة خطابا إلى المجلس يطلب فيه حضور المناقشة، ليضطر المجلس إلى سحب المشروع.
ثم أعاد السيسي قضية الطلاق الشفهي إلى الواجهة في احتفالية الأسرة المصرية آذار/ مارس 2023، فأعلن بنفسه عن إفتاء ديني، ولم يُرضِه قول "هيئة كبار العلماء"، أي أكبر وأنبه علماء الديار المصرية من مختلف المذاهب الفقهية، ثم انبرى في جرأة فاجعة بقوله: "إن كان في المسألة [عدم الاعتداد إلَّا بالطلاق الموثَّق] إثم فأنا من يتحمله". وكتب صاحب هذه السطور -وقتها- أن كلامه "يُشبه في حُمقه قول المشركين للنبي "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". والتشبيه هنا في الحماقة فقط لا في الإيمان والكفر؛ فهم إن كانوا ذوي عقل لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "فاهدنا"، لكنهم طلبوا العذاب فنالوه، ومثلهم هذا الذي يُعارض قول كبار العلماء ثم يقول بجرأة: "أنا أحمل الإثم"، فلْيَنَلْه بجرأته وذهاب عقله".
الآن تتجدد محاولات النظام السياسي تجاهل الأزهر، أو تحجيم دوره القانوني والدستوري والديني أيضا، على خلفية مقترح مشروع الأحوال الشخصية. ومعلوم أن مسألة الأحوال الشخصية تخضع للتشريعات الدينية، وهو ما فعله النظام المصري في مسألة الأحوال الشخصية للمسيحيين، فعَرَضَ المشروع على الكنائس، وهذا حق طبيعي وليس منَّة من أي طرف، أما أحوال المسلمين الشخصية، فلم يعرض النظام على الأزهر مشروع القانون، وفق بيان الأزهر الرسمي 18 أيار/ مايو الجاري!
في مقابل هذا السلوك، نجد المعارضة المصرية منشغلة بنفخ النيران الإعلامية، ووضْعِ الأزهر في موقع المعادي للنظام السياسي، والحقيقة أن الأزهر لا يريد أن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي ولا المؤيِّد له، بل كل ما يريده ويتغيَّاه أن يحفظ على المسلمين دينهم وعبادتهم، لكن للأسف تنشغل المعارضة بتحقيق مكسب "إعلامي" على حساب المكسب الحقيقي المتعلق بمصلحة المجتمع في أن تحفظ المؤسسة عليه دينه. ويجدر التأكيد بأنه مكسب إعلامي، إذ إن تبعات الخلاف لن تُسقط النظام السياسي، بل ربما تُسقط المؤسسة وشيخها أمام ضربات النظام القمعية، وآنَ للمعارضة أن تتوقف عن دور لا يُستبعَد وصفُه بالمشبوه، والرغبةِ في تصفية الحسابات نتيجة حضور الشيخ الطيب بيان الانقلاب في تموز/ يوليو 2013، ورغم ما يمكن قوله في الواقعة وما ارتبط بها وما لحقها من مواقف أخرى، فإن المحصِّلة أن الشيخ جانبَه الصواب في هذا الموقف، لكن ما يعني المهتمِّين بالمسألة الدينية ألا ينهدم دور الأزهر نتيجة الرغبة في تصفية الحسابات، أو تحقيق مكسب لن يكون له أثر في الواقع المصري إلا بالسَّلْب فقط.
من هنا يتجدد النداء لجميع الأطراف بأن ترفع أيديها عن الأزهر، وتتركه مؤسسة جامعة للأمة كلها، لا للمصريين فقط، بل للأمة كلها بجميع طوائفها المذهبية والدينية أيضا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.