القصر الكبير- غادرتُ القصر الكبير ليلا كما دخلتها، قلبي يرفرف بين الخوف والدهشة، وعيناي شاخصتان إلى السماء الملبدة بغيوم تطل على مدينة شبه خالية من سكانها بعد فيضان غير مسبوق وتنتظر ما هو قادم. لم يكن رحيلي عن المدينة مجرد عودة إلى الديار، بل كان اهتزازا داخليا لم أعهده من قبل.

بهذه الكلمات يروي مراسل الجزيرة نت مشاهداته خلال جولته في المدينة المغربية التي ضربتها فيضانات غير مسبوقة خلال الأيام الماضية، ويضيف "وأنا أدير محرك سيارتي للابتعاد، لمحت في المرآة العاكسة وجوها لا تغادر ذاكرتي، عائلات بأكملها تركت بيوتها التي ألفت دفئها لسنوات".

كان شعور "الناجي" ينهش قلبي بمرارة، فأنا أذهب نحو بيت آمن، جدرانه يابسة وسقفه صلب، في حين أنهم يشدون الرحال نحو بيوت غير بيوتهم، أو ربما نحو مراكز إيواء باردة، بل نحو المجهول الذي لا يرحم.

شوارع غمرتها المياه (الجزيرة)وصول

كانت خطة تغطيتي للأحداث أن أصل يوم الجمعة قبل الليل، لكن السماء كان لها رأي آخر، فعلى مقربة من المدينة انهمر المطر بغزارة جعل مسّاحات السيارة عاجزة عن كشف الطريق، والسير بسرعة أقل ضروريا.

عند مدخلها من جهة الشمال، بدأت أواجه حقيقة ما يجري وبدت الأمور تتضح أكثر، دخلتُ الشارع الرئيسي الذي ظننته سالكا، فإذا بالمياه تغمر مقدمة مركبتي التي بدأت ترتجف، ما جعلني أرجع أدراجي في اللحظات الأخيرة.

وفي تلك اللحظة الحرجة، برز مواطن قادم من العرائش يبحث أيضا كيف يمكن الدخول إلى المدينة لإجلاء أسرته، تطوع بشهامة ليقودني بسيارته، قاطعا معي كيلومترات وسط مسالك مظلمة ليدلني على المنفذ الجنوبي الوحيد المتبقي.

ما إن دخلت القصر الكبير حتى تملكتني الحيرة الممزوجة بالخوف كأنها عدوى تنتقل بين الناس، كان أول ما فكرت فيه البحث عن مأوى، والفكرة الوحيدة التي تسيطر علي هي تجنب المبيت في السيارة أو العودة إلى مدينة قريبة للبحث عن سكن.

تقديم المساعدة للمتضررين (الجزيرة)

قادني شاب بتطوع مبالغ فيه إلى فندق وسطها كان يعج بوجوه شاحبة وأجساد منهكة، لقد امتلأ عن آخره بعناصر القوات المساعدة، والحماية المدنية، والشرطة الذين وفدوا من مدن مغربية أخرى لدعم المدينة المنكوبة.

إعلان

مع بزوغ فجر اليوم الثاني، بدأ المشهد محيرا أكثر، القصر الكبير التي أعرفها بضجيج أسواقها باتت شبه مقفلة، جل المحلات أغلقت أبوابها خوفا من الأسوأ القادم. لا يزال صدى مكبرات الصوت يتردد في أذني، أصوات السلطات الحازمة وهي تجوب الشوارع في جوف الليل، تنادي في الناس بضرورة الإخلاء الفوري للأحياء المهددة بالضرر.

بحثا عن خبر، توجهت إلى الأحياء الأكثر تضررا في المدخل الرئيسي للمدينة المغمور بالمياه، كنت أول الواصلين ذلك اليوم وقبل أن تبدأ عمليات شفط المياه لتسهيل حركة المرور.

مواطن ينقذ كلابا عالقة في شارع مغمور بالمياه (الجزيرة)انقطاع

استوقفتني صورة جسدت قمة الإنسانية، رجل من السكان لم يكتفِ بإنقاذ نفسه في ليلة سابقة، بل خاطر بنفسه وسط المياه الهادرة التي بلغت صدره، لينقذ 3 كلاب كانت عالقة وبقيت بدون مأكل خلال 3 أيام. كان يقودها وهي ترتعش، مصرا على ألا يترك روحا خلفه لتصارع الموت وحيدة، كأنه يلخص مشاهد التضامن في القصر الكبير، حيث الحياة قيمة مطلقة لا تفرق بين بشر وشجر أو حيوان.

في مساء اليوم الثاني انقطع الكهرباء عن الحي الذي أسكن فيه، ضمن خطة تبدأ بقطع الإمداد بالتيار الكهربائي عن الأحياء القريبة من الخطر أولا بأول، حينها بدأت في رحلة بحث طويلة عن "قبس كهرباء" لإنجاز مهمة عاجلة وإرسال تقرير جديد.

تضرر الأراضي الزراعية (الجزيرة)

كان الحصول على الخبر بحد ذاته يتطلب قطع مسافات طويلة مشيا على الأقدام بين الدروب والأسواق وصوب المآوي المؤقتة، مرورا بمحطتي الحافلات والقطار، لجس نبض المدينة ومعرفة أحوال الناس.

كان العديد من الناس لا يصدقون أن مياه وادي اللوكوس المنهمرة قد تتجاوز الطوابق السفلى للمنازل، بعد تنفيس سد وادي المخازن الاضطراري خلال الأيام المقبلة حين تهطل الأمطار بغزارة كما تتوقعها الأرصاد الجوية.

السوق الأسبوعي شبه خال من المؤن (الجزيرة)

رأيت تجارا يصارعون الوقت، يحملون سلعهم على شاحنات محاولين إنقاذ ما تبقى من "رأس مال" العمر قبل أن يغمره الطمي، منهم من فضلوا بناء جدران إسمنتية أمام محلاتهم، وأكياس رمل ترص بعناية أمام المداخل، في محاولة لصد زحف المياه وقتما حلت.

لكن أكثر ما يبحث عنه الناس هو مغادرة المدينة، تظهر مبادرات إنسانية هنا وهناك، في حين تبذل السلطات المحلية والقوات الأمنية قصارى جهدها لإغاثتهم وتوفير المأوى والمأكل.

وأثناء حديثي مع السكان المكلومين، اكتشفت أن المدينة المنكوبة اليوم تنتظر أكثر من مجرد تضامن بالقلب، يذكرون كيف هب الناس هنا في محن سابقة لنجدة إخوانهم بعد حرائق غابة بوجديان، أو زلزال الحوز، يحز في نفوسهم استغلال البعض -وليس الكل- للوضع الإنساني ليزيدوا في ثمن سلعة أو في أجرة نقل.

مواطنون أمام محطة القطار في انتظار نقلهم إلى مدن أخرى مجانا ضمن مبادرات إنسانية (الجزيرة)وداع

في اليوم الثالث استيقظت على وقع صوت المكبر ذاته، ألقيت نظرة من شرفة الغرفة فبدا الشارع قد حاصرته متاريس حديدية، اكتشفت بعدها أنها وزعت على كل الشوارع وبات الدخول إلى المدينة مقيدا والخروج منها مرغوبا فيه أكثر.

إعلان

عندما سلكت الطريق المؤدية إلى طنجة، انكشفت صورة أخرى من الكارثة، حقول شاسعة تحولت إلى بحيرات ميتة، ومحاصيل غارقة، ومنظر مهيب لأحد الدواوير الذي انقطعت به السبل تماما.

المياه تحاصر بعض الدواوير (الجزيرة)

كان الدوار محاصرا بالمياه من كل جانب، وقد كاد تنقطع عن أهله المؤونة تماما، رأيت الناس من بعيد يلوحون بأيديهم، طلبا للنقل إلى مكان آمن.

بعدها عدت لألقي نظرة أخيرة على المدينة قبل أن أتركها مرغما في اتجاه الجنوب وفي حلقي غصة، وفي مفكرتي صمود من بقوا تحت المطر لتأمينها وحمايتها ومواجهة كل خطر قادم.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القصر الکبیر

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • أسامح السارق إزاي .. عم شعبان يروي كواليس مفاجئة عن لص إيراد الجرايد
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • أذكار المساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.. «رددها الآن»
  • مهرجان مراكش للفيلم يفتح باب الترشح لورشة متخصصة في النقد السينمائي لفائدة الصحافيين
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • إهناسيا المدينة تواصل الكشف عن كنوزها الأثرية