المُخيف فى سياسة ترامب الخارجية ليس إعلانه الواضح عن أطماعه بل السعى إلى تحقيق رغباته باستخدام القوة العسكرية، خاصة بعد أن شهد العالم مزيجا من إطلاق التهديدات الترامبية ثم التراجع عنها ثم تنفيذها بالقوة، حدث ذلك فى فنزويلا، ويحدث الآن مع «جرين لاند»، لكن هل يستطيع ترامب تنفيذ تهديداته بالنسبة لإيران؟ الإجابة عن السؤال السابق تحتاج أولاً الإجابة عن السؤال البديهى ماذا يريد ترامب من طهران؟
الواضح أن أهداف ترامب فى طهران لا تقترب من حافة أطماعه بالسيطرة على ثروات «جرين لاند» أو بترول فنزويلا، فالرئيس الأمريكى، الأكثر ذكراً فى ملفات إيبستين الفاضحة، يريد بوضوح إخضاع طهران بالقوة تحت السيطرة الأمريكية؛ بتنفيذ ثلاثة مطالب أبرزها إنهاء برنامجها النووى، ووضع قيود على تطوير الصواريخ الباليستية، وقطع دعمها لأذرعها فى الشرق الأوسط المتمثلة فى حماس وحزب الله والحوثيين.
المعضلة أن ترامب يدرك جيداً أن تلك المطالب لا يمكن تنفيذها، ومع ذلك يعلن دائماً أن طاولة المفاوضات مفتوحة أمام طهران قبل أن ينفذ الوقت!، على الجانب الآخر تعلم إيران علم اليقين أن تنفيذ تلك الرغبات المستحيلة لن يحميها من التحرش العسكرى الأمريكى، ولن تكون هناك ضمانات موثوقة لعدم تعرضها لهذا التحرش انطلاقاً من دروس التاريخ، كما تشير«فرح جان، محاضر أول فى العلاقات الدولية، جامعة بنسلفانيا»، فقد تخلت ليبيا عن برنامجها النووى 2003، وبعد ثمانى سنوات، شن حلف الناتو غارات جوية على طرابلس وتم قتل معمر القذافى، كذلك تخلّت أوكرانيا عن ترسانتها النووية 1994 مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، وبعد عشرين عاماً، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، قبل أن تشن غزواً شاملاً عليها فى 2022، تلك الدروس كما تشير« فرح جان» لم تغب عن كبير المستشارين الإيرانيين، ففى حديثه يوم 27 يناير على التليفزيون الرسمى، قال: «إن مطالب واشنطن تتمثل فى نزع سلاحكم حتى نتمكن من ضربكم متى شئنا»!.
فإذا كان التخلى عن البرنامج النووى يؤدى إلى تغيير النظام، والتخلى عن الأسلحة يؤدى إلى الغزو، فإن المنطق يقول إن الأمن لا يتحقق إلا من خلال امتلاك الأسلحة النووية وليس عن طريق التفاوض على التخلى عنها، وإذا كان هذا اليقين المتبادل من سوء النوايا بين ترامب وإيران هو المسيطر على تلك المرحلة من الصراع، فيبدو أن السؤال الأهم الآن: هل يستطيع ترامب تنفيذ أهدافه بالقوة العسكرية، وما هى توابع تلك الضربة إن حدثت بالفعل؟
يحدد لنا نموذج الباحث النمساوى فى مجال النزاعات «فريدريش جلاسل» تسع مراحل لتصاعد الصراع، يبدأ بمرحلة «التصلب» وبعد أن يفقد أحد الطرفين الإيمان فى إمكانية حل المشكلة، تبدأ مرحلة «الجدل» وسعى كل طرف إلى البحث عن وسائل أقوى لإثبات وجهة نظره والترويج لها، بعدها ينتقل الصراع إلى مرحلة «الأفعال»، ثم يدور النزاع حول الانتصار أو منع الهزيمة وتجنيد الأنصار وحشد التحالفات.
ينتقل نموذج «جلاسل» بعدها إلى مرحلة «استراتيجية التهديد» وفيها يتم اللجوء إلى التهديد بأعمال تهدم الطرف الآخر من أجل إجباره للسير فى الاتجاه المطلوب، ثم مرحلة «الضربات المدمرة المحدودة» وفيها يتوقع كل طرف أن يكون العدو قادرا على القيام بأعمال مدمرة، ويكون الشاغل الأكبر لكلا الطرفين هو تأمين بقائه، ثم تأتى مرحلة «التفتيت» وانهيار نظام الخصم عن طريق تكثيف الهجمات والضربات التى تهدف إلى تدمير النظم الحيوية وشل قدرة العدو على اتخاذ القرار، أما المرحلة الأخيرة فى النموذج فعنوانها «معاً نحو الهاوية»، وفيها تكون المواجهة بين الطرفين حتمية، وتصبح القوة المحركة للتدمير أقوى وقد تصل إلى تدمير العدو حتى لو كان الثمن تدمير الذات أيضاً.
وبتطبيق هذا النموذج على التوتر«الأمريكى الإيراني» الأخير، ستجد أننا على عتبة المرحلة الأخيرة التى يهرب منها الطرفان، ويبحثان عن مخرج يحفظ ماء الوجه لكليهما، فمشاهد الاستعراض الهوليودى الذى حدث خلال اعتقال الرئيس الفنزويلى يستحيل تكرارها فى طهران التى تمتلك ترسانة صاروخية هى الأكبر والأكثر تنوعاً فى الشرق الأوسط، حسب تقرير لموقع« Missile Threat » التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS.
الخلاصة: إذا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من الصراع، ولو عن طريق الخطأ، فلن تكون توابع تلك المرحلة محدودة النطاق بل ستمتد آثارها إلى العالم أجمع.
فى النهاية: بسبب هذا التصعيد الترامبى المجنون تم تحريك ساعة القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب وقت وصلت إليه فى تاريخها الممتدّ لما يقارب من ثمانية عقود، وهو تحذير يجب الإنتباه إليه جيداً لأن إيران ليست فنزويلا.
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: حماس حزب الله الحوثيين إيران ليست فنزويلا أشرف عزب ترامب جرين لاند استخدام القوة العسكرية
إقرأ أيضاً:
ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين
كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يقترب من اتخاذ قرار بشن هجوم واسع جديد على إيران، قال إنه سيكون "أكبر من أي وقت مضى"، في حال مضت واشنطن نحو استئناف العمليات العسكرية ضد طهران.
وقال ترامب، في مقابلة مع موقع "أكسيوس"، إنه يدرس بجدية تنفيذ "هجوم ضخم" على إيران يتجاوز الضربات التي نُفذت خلال عملية "الغضب الملحمي"، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لم يحسم قراره بعد.
وأضاف: "أنا أفكر في هجوم ضخم، أكبر من أي وقت مضى. أنا قريب من اتخاذ القرار، وكل شيء جاهز لذلك".
وأوضح ترامب أنه لم يحدد موعداً لاتخاذ القرار، فيما أكد مسؤولان أمريكيان للموقع أنه لم تصدر حتى الآن أي أوامر جديدة للقوات المسلحة ولم يُتخذ قرار نهائي بشأن العملية.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي "سينضم خلال دقيقتين إذا طلبت منه ذلك"، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة "لا تحتاج إلى أحد" لتنفيذ أي هجوم جديد ضد إيران.
واستدرك قائلاً إن مشاركة إسرائيل ستكون لها "عواقب"، في إشارة إلى احتمال تعرضها لرد إيراني في حال انضمامها إلى أي عمليات عسكرية.
وفي الشأن الدبلوماسي، قال ترامب إن الإيرانيين "يريدون التفاوض"، لكنهم "ليسوا مستعدين لإبرام اتفاق في الوقت الحالي"، مضيفاً: "لم يتلقوا ما يكفي من الألم بعد".
ونقل "أكسيوس" عن مصدرين إقليميين مطلعين على جهود الوساطة أن القيادة الإيرانية لم توافق حتى الآن على أحدث المقترحات المطروحة، فيما قال أحدهما: "نحاول، لكن الإيرانيين لا يساعدون".
وتأتي تصريحات ترامب في ظل تصعيد عسكري مستمر بين واشنطن وطهران خلال الأيام الـ12 الماضية، وهو ما دفع أسعار النفط إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة.
كما اتهم ترامب جماعة الحوثي في اليمن باستهداف سفن في البحر الأحمر، مؤكداً عبر منصة "تروث سوشال" أن أي هجوم جديد على السفن سيجعل الولايات المتحدة "تحمّل إيران المسؤولية"، باعتبار الحوثيين "وكيلاً لإيران"، متوعداً بـ"عقاب عسكري كبير" يستهدف طهران والحوثيين معاً.
وفي سياق منفصل، قال ترامب إن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرغب في حضور مراسم عزاء السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام في واشنطن الأسبوع المقبل، مضيفاً: "علاقتي مع بيبي جيدة جداً، وسألتقيه إذا كان هنا".