التهديد من تحت القباب
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
التهديد من تحت القباب
أحمد عثمان جبريل
حين تختلط لغة القائد بلغة الواعظ، ويتحوّل المسجد إلى منصة للتهديد، ينهار المعنى قبل أن تنهار الحجرات.. الدولة التي تتحدث عن العودة والإعمار وتفتح المطارات وتشغل الطائرات وترمم الطرقات، لا يمكن أن تُهدّد مواطنيها باسم الاقتصاص أو الانتقام.. ما قيل من على منبر الكلاكلة لا يمكن أن يشبه قائد جيش ودولة، إنه لم يكن مجرد خطاب، بل انزلاق خطير في فهم (القيادة والدولة) لمكانتها، وفي احترامها للمقدسات.
❝ الاستبداد إذا تزيّا بزيّ الدين بلغ الغاية في الفساد، لأنه لا يكتفي بإخضاع الأجساد، بل يسعى إلى إخضاع العقول باسم الله. ❞
— عبد الرحمن الكواكبي
(1)
المسجد ليس منصة لتصفية الحسابات ولا مساحة لاستعراض السلطة.. فالخطاب الذي يُطلَق من هذا المقام يتحوّل فورًا من رسالة إلى أداة (للتخويف والانقسام).. استخدام قباب المساجد ومنابرها بهذا الشكل ليس مجرد سلوك خاطئ، بل انزلاق أخلاقي وسياسي يعرّي الدولة ويضعف موقعها أمام شعبها والعالم الذي يسمع ويرى.
(2)
الدولة التي تدعو للإعمار لا يمكن أن تلوّح بالويل والثبور.. العودة والإعمار تبدأ بالكلمة أولًا، وبالثقة ثانيًا، لا بالخوف.. كل خطاب يخلط بين الإعمار والتهديد يكشف تناقضًا خطيرًا: “أي بناء يمكن أن يُقام على رعب المجتمع، وأي مشروع وطني يمكن أن يثمر حين يكون الأساس تهديدًا مستمرًا؟”.
(3)
استدعاء (الشعب) كأداة للتخويف يطرح السؤال الكبير: من يقتص ممن؟ الشعب ليس كتلة صمّاء يمكن توظيفها كدرع أو أداة ردع. كل محاولة لاستغلال الشعب في تهديد مخالفين أو معارضين لا تحمي الدولة، بل تعرّيها، وتحوّلها من كيان سياسي إلى مجرد ميليشيا معنوية، ومن شرعية مكتسبة إلى مجرد سلطة مخادعة.
(4)
خلط الجيش بالشعب، أو تقديم المؤسسة العسكرية على أنها امتداد لشخص الحاكم، ليس حماية للوطن، بل تفكيك لمعناه.. الجيش يُصان بالابتعاد عن الاستقطاب، لا بالاستحواذ على الولاء باسم شخص.. كل خطاب يستغل المؤسسة العسكرية لتبرير السلطة الشخصية يقوّض هيبتها ويحوّلها من ضمانة وطنية إلى أداة انقسام.
(5)
اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية ليست مادة للنفي أو الإثبات على المنبر .. لا حمدوك يحددها، ولا خالد سلك، ولا أي قائد ينفيها بصوته العالي.. هذه قضايا علمية وقانونية تُحسم بالأدلة، وفحص التربة والمواد، وتقارير المختبرات المختصة، حتى لو مضى على الحادث عقود.. الدولة الواثقة من نفسها تفتح المجال للتحقيق، لا تخاف السؤال والمعارضين.
(6)
لو كانت السلطة واثقة من نفسها ومؤسساتها، لكان الطريق واضحًا.. كان على البرهان بدلا مما قال أن يدعوا هؤلاء الخصوم للعودة، ورفقتهم الجهات الأممية المختصة، وترك الحقيقة لتتكلم.. هذا وحده كان سيغلق باب الابتزاز ويعيد بناء الثقة والحوار.. لكن اختيار المنع والتهديد بدلاً من التحقيق يثبت أن الخوف من السؤال أقوى من الثقة في الحقيقة.
(7)
إن القول الفصل الذي ينبقي أن يكون مرجعية هو أن خطاب التعبئة والانقسام من المساجد لا يبني دولة، بل يسرّع انزلاقها نحو التشظي.. الدولة تُدار بالقانون، لا بالتهديد، وبالمؤسسات، لا بالمنابر. ومن يخلط المقدسات بالسلطة يظن أنه يحتمي، بينما هو في الحقيقة يجرد الدين والدولة من معناهما الأخير.. المساجد لله، والجيش للمؤسسة، والوطن لجميع أبنائه، وأي طريق غير ذلك حتى و إن علا صوته – لن يكون حينها طريق إعمار، بل طريق انقسام مؤجّل الانفجار.
ولذلك نحن هنا في (أفق الحرف) نقول:” لا دولة تُبنى بالتهديد، ولا إعمار يقوم على التخويف، ولا شرعية تُستعار من المساجد.
من أراد وطنًا، فليواجه الحقيقة بالقانون لا بالمنابر، وليطمئن المعارضين لا أن يتوعدهم بالقصاص، لا لشيء غير أنهم معارضين سلميين.. فليعلم البرهان أن الحقيقة تنتصر دائمًا، والمساجد لله، والوطن لجميع أبنائه.. إنا لله ياخ.. الله غالب.
الوسومأحمد عثمان جبريل إعمار الدولة البرهان السودان الشعب المؤسسة العسكرية المساجد عبد الرحمن الكواكبي
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: إعمار الدولة البرهان السودان الشعب المؤسسة العسكرية المساجد عبد الرحمن الكواكبي یمکن أن
إقرأ أيضاً:
حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، مساء الثلاثاء، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، لا سيما "معادلة" امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.
وقال قماطي في تصريح صحافي، إن "المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات"، مضيفا "جوابنا كان واضحا للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار بدون العودة إلى ما قبل 2 آذار (مارس)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار".
وتابع أن "أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى" من الحزب.
المصدر : عرب 48 اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار العربية والدولية لولاي لكنت الآن في السجن - ترامب وبخ نتنياهو بحدة إثر تصعيده في لبنان الرئاسة اللبنانية: حزب الله وافق على المقترح الأميركي ترامب: اتفقنا على وقف إطلاق النار في لبنان وعدم مهاجمة بيروت الأكثر قراءة موعد صلاة عيد الأضحى 2026 في تركيا - وتوقيت الصلاة في إسطنبول والولايات بالفيديو: 6 شهداء وجرحى جراء غارات إسرائيلية استهدفت حي الرمال في غزة إسرائيل تعلن استهداف القائد الجديد للجناح العسكري لحركة حماس في غزة موعد صلاة عيد الأضحى 2026 في فرنسا وتوقيت الصلاة في باريس والمدن الفرنسية عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026