اصطفاف المثقف الى جانب سلطة فاسدة .. بعض مثقفي العراق مثالا
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
آخر تحديث: 4 فبراير 2026 - 10:20 ص بقلم: زكي رضا يعرّف المثقف الواعي من ضمن تعريفات عدّة، من أنه شخص واع ملتزم بقضايا الناس. ومن أهم أدواره في المجتمع هو العمل بكل قواه الفكرية ضد الظلم والأضطهاد والوقوف دوما الى جانب قضايا شعبه، ضد كل اشكال الطغيان والفساد، بغضّ النظر عن هوية الفاسدين والطغاة، عن طريق تقديمه افكار وحلول مختلفة للصعوبات والأزمات التي يمر بها مجتمعه.
ويبقى المثقفون منقسمون الى قسمين في صراع مجتمعاتهم ضد السلطات الحاكمة، فمنهم المثقف المتواطيء مع السلطات دوما او حينما تكون مصلحته الشخصية مبررا لذلك، و المثقف العضوي الذي يتبنى قضايا الجماهير والذين يصفهم إدوارد سعيد قائلا من أنهم “المتمكنين من قول الحقيقة بوجه السلطة بصلابة وشجاعة وبلا مواربة وببلاغة، وبذلك لا يرى المثقف حرجا في نقد أي سلطة”. يبرز دور المثقف غالبا في اللحظات المفصلية التي تمر بها بلاده، وتحديدا في تلك التحولات التاريخية التي ترسم مستقبل البلاد والشعب. ففي تلك اللحظات لا يقاس دوره في الشعارات التي يرفعها ولا أدّعاءاته بإهتمامه بقضايا الجماهير ولا بمواقفه السياسية السابقة “المواقف تتغير أحيانا حينما يكون المال حاضرا”، بل بالجهة التي عليه الوقوف الى جانبها والأصطفاف معها. وفي العراق حيث نظام المحاصصة الفاسد ونحن نعيش خرابا أستثنائيا على مختلف الأصعدة، تكون مسؤولية المثقف بين خيارين أثنين: أمّا أن يكون صوتا ناقدا للسلطة وهي تدمر البلد، او صوتا مع السلطة وغطاء “أخلاقي” لكل جرائمها، وهو في هذه الحالة شريك في الجريمة عن وعي أو غير وعي، كيف..؟
لنعد الى السؤال الذي طرحناه قبل قليل: لماذا يعتبر المثقف وهو يكتب ويدبج مقالات صحفية دفاعا عن سياسي، شريكا في الجريمة التي ترتكب بحق جماهير شعبنا ووطننا..؟
الإشكالية الخطيرة في اجابتنا على السؤال اعلاه تظهر عندما يدافع مثقف عن شخصية سياسية ساهمت بوضوح مع آخرين في إيصال البلاد إلى الواقع الكارثي الذي نعيشه، بل واعترفت هي نفسها بانتمائها إلى طبقة سياسية فشلت في إدارة الدولة. إذن وفي هذه الحالة لا يمكننا هنا تبرير هذا الدفاع بسوء تقدير أو حسن نية، خصوصًا عندما يترافق مع الترويج لإعادة تدوير هذه الشخصية في منصب سيادي بحجم رئاسة الوزراء لولاية ثالثة. لأن دفاع هكذا مثقف او مجموعة مثقفين في هذه الحالة ليس رأيا ممكن تجاوزه ، بل موقف سياسي له تبعاته وهي كارثية للأسف الشديد.
أنّ المثقف الذي يسلك هذا السلوك والنهج لا يقف خارج المشهد السياسي، ولا يمكن اعتباره مجرد محلل أو مراقب أو صحفي. إنه يدرك جيدا طبيعة النظام المنتج للخراب، ويعي سجلّ الشخصيات التي يدافع عنها، ومع ذلك يختار الانحياز لها. هذا الاختيار وهذا الانحياز يجعل منه شريكا في ادامة الأزمة، لأنه يساهم في تضليل الرأي العام لأسباب مختلفة منها انحيازه الطائفي او القومي. وهنا تكمن الخطورة على المجتمعات المنهكة كما مجتمعنا، لأن وقوف النخب المثقفة الى جانب الفساد السياسي اخطر بكثير من فساد السياسي نفسه، وحينها يكون الخراب المجتمعي اكبر واعمق، وهنا يكون المثقف قد خان دوره الذي عليه ان يلعبه في المجتمع. ففي البلدان التي أنهكها الفساد كما بلادنا وترهلّت مؤسساتها وبيعت مناصبها بفعل نظام المحاصصة، لا يمكن تجاوز الدور الذي لعبته وتلعبه النخب، وفي مقدمتها النخبة المثقفة. فالمثقف، بحكم موقعه وتأثيره ، لا يعتبر شخص عادي في المجتمع، بل مؤثر في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام. وصناعة التبريرات أو تفكيكها. ومن هنا تبدأ المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقه، وهنا تحديدًا تتكشف الخيانة حين تختفي هذه المسؤولية.إن الخراب والفساد المستشري بالبلاد ليس وليد اليوم ولا نتاج أزمات عابرة، بل هو مترسخ وثابت، نتيجة منظومة حكم قامت على المحاصصة وتقاسم النفوذ وتغليب المصالح الحزبية والشخصية أحيانا ، على فكرة الدولة. هذه المنظومة أفرزت طبقة سياسية فاشلة، اعترف بعض رموزها (بملء أفواههم) بعجزهم عن إدارة البلاد. ومع ذلك لا تزال هذه الطبقة تعيد إنتاج نفسها، بدعم محلي رجعي قاعدته بعض من رجال الدين والمؤسسة العشائرية، واقليمي له مصلحة في بقاء العراق ضمن التابع لسياساتها ومصالحها. والأخطر من ذلك هو: غطاء ثقافي وإعلامي يوفّره مثقفون يعرفون جيدا ما يفعلون. المشكلة لا تكمن في وجود سياسي يسعى إلى ولاية جديدة، فهذا منطق السلطة في كل مكان وعلى سبيل المثال فأن الرئيس الامريكي ترامب يبحث عن ثغرات دستورية ليرشح نفسه لولاية ثالثة. أنّ الكارثة الحقيقية تكمن في مثقف يتصدّى للدفاع عنه ويبرّر فشله، ويعمل على تسويقه بوصفه الخيار الأقل سوءا أو للضرورة الوطنية، أو العودة الى مصطلح رجل المرحلة متجاهلًا سجلّه السياسي البائس ، ودوره المباشر في تكريس النظام الذي دمّر الدولة. وحين يصل الأمر إلى الترويج لولاية ثالثة لشخصية كانت جزءا أساسيا من الخراب، فاننا لا نكون أمام رأي قد نتفق او نختلف معه، بل أمام انحياز صريح ولا لبس فيه ضد مصلحة المجتمع والبلد. مثل هذا المثقف لا يمكن منحه اعذارا لما يقوم به ، فهو مطلع على التفاصيل، ويعرف طبيعة السياسة العراقية ويدرك حجم المعاناة التي يعيشها الناس. لكنه رغم ذلك يختار الاصطفاف إلى جانب السلطة، إما بدافع المصلحة، أو بحثا عن موقع، أو خوفا من خسارة امتياز، أو تبنيا لنهج ايديولوجي (قد يكون ديني طائفي) بالنسبة لبعض آخر. الا ان النتيجة في كل الحالات واحدة، وهي تدوير الفشل ومحاولة امتصاص الغضب الجماهيري. والمثقف هنا يعمل على هزيمة الوعي المتبقي عند الناس نتيجة تواطئه مع السلطة الفاسدة، التي عملت وتعمل على تكريس اللاوعي في المجتمع ما يؤدي الى سهولة قيادته وتوجيهه الى الوجهة التي يريدها النظام. أن الأنظمة الفاشلة كنظام الحكم عندنا تستمر بهيمنتها على السلطة بفعل أولئك المثقفين الذين يبرّرون وجودها. والسياسي الفاسد، مهما بلغت قوته لا يستطيع الاستمرار طويلًا دون من يطبل له ويدافع عنه، ويقنع الناس بأن لا بديل عنه. ومن هنا فان المثقف الذي يقوم بهذا الدور هو جزء فاعل إن لم يكن رئيسي في منظومة الخراب. هذا الخراب الذي يتجسد في نظام سياسي يعيد انتاج ازماته ويطورها، ومثل هذا النظام لا يستطيع بناء دولة ولا توفير حياة كريمة للجماهير الفقيرة التي هي الاخرى تزداد اعدادها ويزداد فقرها نتيجة السياسات الفاشلة للحكومات. هناك تجارب دولية عديدة لعب المثقف فيها دورا حاسما في لحظات التحول التاريخية. ففي أميركا اللاتينية مثلا، لم يكن انهيار وسقوط الأنظمة العسكرية والديكتاتورية نتيجة ضغط الشارع وحده فقط،. بل نتيجة تفكك الخطاب السياسي الذي كان يبرر استمرارها، فحين سحب المثقفون واساتذة الجامعات ووسائل الإعلام الجادّة غطاءها عن السلطة، فقدت هذه الأنظمة قدرتها على الادعاء بأنها الخيار الوحيد والامثل. في حين هناك تجارب اثبتت من ان وقوف النخب او تواطئها الى جانب انظمة متهمة بالفساد وبالمحاصصة كما عندنا، نجحت في ان تستمر تلك السلطات في حكم بلدانها رغم كل الخراب الحاصل لعقود. ختاما فان الدفاع عن شخصية سياسية فشلت ضمن هذا النظام، والترويج لإعادتها إلى موقع تنفيذي سيادي كولاية ثالثة لرئاسة الوزراء، هو فعل سياسي بالغ الخطورة. فالمسألة لا تتعلّق بالكفاءة أو التجربة، بل باعادة تثبيت منطق يقول إن النظام، رغم كل إخفاقاته لا يمكن تجاوزه. وهنا يتحوّل المثقف من ناقد للسلطة إلى جزء منها وفاعل مهم في عملية الانسداد السياسي. أن المثقف الذي يعتبر الازمة التي تمر بها البلاد هو نتيجة سياسيين لا نتيجة ازمة بنيوية، يعتبر مشاركا هذه السلطة الفاشلة في جرائمها وعن وعي مسبق.لا يُطلب من المثقف أن يكون ثوريا على الدوام، لكن لا يجب ان يكون اداة بيد نظام فاشل، او ان يكون يد النظام الفاشل. والسؤال هنا هو: كيف يمكن لمجتمع أن ينهض، و بعض مثقفيه بهذا البؤس وهذه الضحالة؟
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: فی المجتمع الى جانب لا یمکن فی هذه
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..