مسقط أيقونة السلام
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
محمد بن سالم البطاشي
في خطوة قد تكون محورية في مسار العلاقات الإيرانية الأمريكية، طالبت طهران بأن تكون العاصمة العُمانية مسقط، هي مكان إجراء المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وقد جاء هذا الطلب بعد سلسلة من التصريحات المتبادلة والضغوط المتزايدة بين الطرفين، مع تزايد التوترات الإقليمية والدولية، وحشد الأساطيل وتبادل التصريحات والتهديدات بين الأطراف المتورطة في هذا الصراع، خصوصًا فيما يخص الملف النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
فما الأسباب التي دفعت إيران لاختيار مسقط، وما التداعيات المحتملة لهذا الطلب على الساحة السياسية والدبلوماسية في المنطقة؟
أن تشترط الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن تكون مسقط هي مقر المفاوضات الإيرانية - الأمريكية القادمة؛ فهذا خير دليل على مدى نجاح السياسة الخارجية لسلطنة عُمان وإحرازها قصب السبق في مجال إرساء الأمن والاستقرار في العالم ككل وفي منطقة الخليج على وجه الخصوص. ولم يكن اشتراط طهران لمسقط مقرًا للمفاوضات مجرد اختيار مكان فحسب، بل كانت له دلالات عميقة وأسباب وجيهة نحاول سبر بعض أغوارها هنا في عجالة:
بلد آمن ومستقر:
تنظر كثير من الدول والشعوب إلى سلطنة عُمان كبلد آمن ومستقر وسط بحر من الاضطرابات يموج بها العالم من حولها، هذا الاستقرار الأمني والسياسي يمنح صانع السياسة العُمانية أريحية في تقديم الأفكار المبدعة التي تسهم في تقدم المسار التفاوضي والدفع به قدما إلى الأمام.
دور عُمان كوسيط دبلوماسي محايد:
لطالما كانت سلطنة عُمان تمثل وسيطًا محايدًا وموثوقًا في قضايا الشرق الأوسط. فمنذ فترة طويلة عملت بلادنا على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة في المنطقة، بما في ذلك الوساطة بين إيران والغرب في كثير من الملفات السابقة. ويعد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني، من الشخصيات الدبلوماسية التي تتمتع بعلاقات قوية ومتوازنة مع كل من طهران وواشنطن. لذلك، فإن إيران قد تجد في مسقط منصة مناسبة للمفاوضات؛ حيث يمكنها التعامل مع المفاوضات بعيدًا عن التوترات السياسية التي قد تحدث في العواصم الأخرى.
علاقات طيبة مع الأطراف المتفاوِضة:
سلطنة عُمان وإيران تربطهما علاقات تاريخية وطيدة، تقوم على التعاون في مجالات متعددة بما في ذلك الاقتصاد والثقافة والسياسة. واللافت في هذا الصدد أن عُمان لم تشارك في الحملة الدولية ضد إيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، مما يعزز دورها المحايد. هذه العلاقة الوثيقة تمنح إيران الثقة بأن مسقط ستكون بيئة أكثر أمانًا للتفاوض، بعيدًا عن الضغوط الغربية التي قد تواجهها في أماكن أخرى.
كما أن سلطنة عُمان ترتبط بعلاقات طيبة وتاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية وتمتد لأكثر من 190 عامًا منذ معاهدة الصداقة عام 1833 وتتميز بشركة استراتيجية قوية تشمل المجلات الاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسية.
تجنب الضغوط السياسية في العواصم الكبرى:
اختيار مسقط كمكان للمفاوضات يأتي أيضًا في إطار تجنب الضغوط السياسية التي قد تفرضها العواصم الكبرى مثل واشنطن أو باريس أو لندن. إيران تسعى إلى بيئة محايدة تحافظ على حوار بناء بعيدًا عن أي حسابات سياسية محلية قد تؤثر على مجريات المفاوضات. علاوة على ذلك، يمكن أن تكون مسقط بعيدة عن تدخلات الأطراف الخارجية التي قد تؤثر على تقدم المفاوضات.
أما أبرز التداعيات المحتملة للطلب الإيراني والموافقة الأمريكية عليه فيمكن تلخيص بعضها فيما يلي:
دور سلطنة عُمان في السياسة الإقليمية والدولية:
إجراء هذه المفاوضات في مسقط من شأنه تعزيز مكانة عُمان على الساحة الدولية، خصوصًا في مجال الوساطة الدبلوماسية، باعتبارها داعم رئيسي لحل النزاعات الإقليمية، مما يمكن أن يعزز دورها كلاعب رئيسي في السياسة الخليجية والدولية. في هذا السياق، مما يفسح المجال أمام سلطنة عُمان لتوسيع دائرة علاقاتها مع القوى الكبرى في الغرب والشرق على حد سواء.
تأثير على المفاوضات النووية:
ستُجرى هذه المفاوضات في مسقط الخير؛ حيث الهدوء العُماني المعروف المتحلي بالحكمة والرزانة والموقف العادل والنزيه بالإضافة إلى الحنكة السياسية والخبرة الطويلة بدهاليز المفاوضات ودروبها الوعرة ونجاحاتها العديدة في تفكيك العقد المتشابكة والمصالح المتضاربة، وتقريب وجهات النظر باقتراحات وسطى تلبى رغبات المتفاوضين وتاريخ طويل من العمل على إرساء الأمن والاستقرار عالميا وإقليميا ورصيد هائل من الإشادة والثناء والتنويه والاعتراف الصريح من قبل المتفاوضين بالدور الحاسم الذي لعبته الدبلوماسية العُمانية ماضيا وحاضرا في التوصل إلى اتفاقيات تاريخية، وليس اتفاق خمسة + واحد ببعيد عن الأذهان، حيث أنقذ هذا الاتفاق الذي جرت المفاوضات بشأنه في مسقط عام 2015 المنطقة من كارثة حقيقة كانت قاب قوسين أو أدنى؛ حيث إن مسقط كانت قد شهدت مفاوضات غير رسمية بين إيران والولايات المتحدة في وقت سابق، الأمر الذي جعلها مكانًا مناسبًا في أعين طهران لتجديد المفاوضات النووية. ولربما يرى الطرفان المتفاوضان بأن نقل المفاوضات إلى مسقط قد يسهم في إيجاد جو من التعاون غير الملتزم بأجندات مسبقة، ويعطي فرصة للطرفين لاستكشاف حلول مرنة. لكن قد تواجه هذه المفاوضات تحديات إذا حاول الطرفان استغلال هذه الفرصة للضغط على بعضهما في قضايا أخرى مثل العقوبات أو دعم الحلفاء في المنطقة أو البرنامج الصاروخي الإيراني وغي ذلك من القضايا الشائكة.
تحديات تتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط:
يمكن أن تكون هذه المفاوضات نقطة تحول في الصراع الإقليمي بين إيران ودول الخليج. وجود إيران في مسقط قد يفتح الباب لمزيد من الانفتاح الدبلوماسي بين إيران والدول الخليجية، ما قد يؤدي إلى تفاهمات جديدة حول قضايا مثل الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي واستثمار الموقف الخليجي الموحد والرافض لأي هجوم أمريكي على إيران باعتباره مدخلا لزعزعة الأمن والاستقرار في هذه المنطقة بما تمثله من ثقل هائل في ميدان الطاقة والتجارة العالمية، ولكن في نفس الوقت، هناك احتمال لزيادة التوترات إذا فشلت المفاوضات أو تم تفسيرها على أنها محاولات لإضعاف التحالفات الخليجية-الأمريكية.
وأخيرًا.. إنَّ طلب إيران أن تكون مسقط مقرًا للمفاوضات مع الولايات المتحدة ليس مجرد مسألة اختيار مكان؛ بل هو خطوة دبلوماسية مدروسة تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية في المنطقة. ومن خلال اختيار سلطنة عُمان، تسعى إيران إلى تعميق علاقتها مع دولة ذات وزن سياسي في المنطقة وفي الوقت ذاته تجنب التصعيد مع القوى الكبرى في العالم. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تحمل تداعيات قد تؤثر بشكل كبير على التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، وقد تكون لها نتائج بعيدة المدى في سياق المفاوضات النووية والتهدئة الإقليمية.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
باحث علاقات دولية: إيران تشكك في مصداقية ترامب وهدنة لبنان "فخ عسكري" لتثبيت الاحتلال
أكد الدكتور نعمان توفيق العابد، الباحث في العلاقات الدولية، أن غياب الثقة المتبادلة يظل العقبة الأساسية في مسار المفاوضات الجارية حالياً بين واشنطن وطهران لإنهاء الأزمات العالقة.
وأوضح في سياق حديثه خلال مداخلة هاتفية مع فضائية "إكسترا نيوز" أن الجانب الإيراني يشكك بشكل واضح في مصداقية ما يطرحه المفاوض الأمريكي والخطوات التي يتخذها الرئيس دونالد ترامب نتيجة عدم التزام الإدارات الأمريكية السابقة بالاتفاقيات المبرمة.
أزمة مصداقية وتقارب مع صفقة أوباما
وأشار الباحث المقيم في جنين إلى أن التناقض المستمر في مواقف ترامب الذي يغرد تارة برغبته في مواصلة التفاوض وتارة أخرى بالتهديد وتشديد الحصار يسهم بشكل مباشر في إرباك المشهد التفاوضي وتعزيز الشكوك الإيرانية.
واعتبر أن كلا الطرفين يرغبان في إنجاح المفاوضات لكن ترامب يكره تماماً الظهور بمظهر المهزوم أمام شعبه أو إبرام صفقة تتشابه مع اتفاقية الرئيس الأسبق باراك أوباما التي انتقدها سابقاً بالرغم من أن المطروح حالياً لا يبتعد كثيراً عنها باستثناء ملف اليورانيوم المخصب وصياغة المصطلحات.
ترابط الجبهات الإقليمية ومناورات نتنياهو
وعن الساحة اللبنانية أفاد بأن الملف اللبناني لا يمكن فصله عن المفاوضات مع طهران لافتاً إلى أن تصعيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جبهة لبنان كانت عينه بالأساس على طهران للضغط عليها أو لإفشال المفاوضات كلياً وهو ما يرفضه ترامب.
ولفت إلى أن خطورة ما أعلنه ترامب بشأن وقف إطلاق النار يكمن في كونه ليس صفقة شاملة تتضمن انسحاباً إسرائيلياً بل هو مجرد وقف للمعارك ومقايضة بعدم ضرب الضاحية الجنوبية مقابل توقف هجمات حزب الله مما يعني تثبيت الواقع العسكري الحالي.
مخاوف تثبيت الاحتلال والمنطقة العازلة
وذكر أن هذا الطرح الأمريكي يهدد بتثبيت دبابات جيش الاحتلال في المواقع المتقدمة التي وصلت إليها وتجاوزت فيها مجرى نهر الليطاني مما يمنح إسرائيل فرصة فرض هدفها الأساسي المتمثل في إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية.
واختتم العابد تحليله بالتحذير من أن تثبيت القوات الإسرائيلية في مواقعها الحالية سيعيد لبنان إلى سنوات طويلة من الاحتلال البري والدخول في دهاليز مفاوضات ممتدة قد تستمر لأعوام من أجل بحث انسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي استولت عليها ورفعت فوقها أعلامها.
اقرأ المزيد..