البلاد (ثول) في خطوة إستراتيجية تدعم توجهات المملكة نحو بناء نظم غذائية أكثر استدامة ومتانة، أعلنت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، والشركة الوطنية للتنمية الزراعية (نادك) عن إطلاق تعاون جديد يجمع بين البحث العلمي المتقدم والتطبيق الزراعي واسع النطاق؛ بهدف تطوير حلول عملية ومبتكرة لقطاع الغذاء والزراعة.

ويستند هذا التعاون إلى توقيع مذكرة تفاهم تُرسّخ إطارًا طويل الأمد للعمل المشترك في مجالات البحث الزراعي التطبيقي، وتطوير التقنيات، وبناء القدرات المهنية. ويجسد الاتفاق رؤية مشتركة تقوم على تحويل المخرجات العلمية إلى تطبيقات ميدانية فعّالة تسهم في رفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز استقرار القطاع الغذائي، ودعم استدامته على المدى البعيد. وقد وقّع مذكرة التفاهم كلٌ من رئيس كاوست البروفيسور إدوارد بيرن، والرئيس التنفيذي لشركة نادك الدكتور سليمان بن عبدالعزيز التويجري، حيث يفتح الاتفاق المجال أمام تكامل أوثق بين منظومة البحث والابتكار في كاوست والخبرة التشغيلية الواسعة لدى نادك. ومن شأن هذا التكامل تسريع دورة الابتكار عبر إتاحة اختبار الحلول في بيئات إنتاج حقيقية، وتطويرها وتوسيع نطاق تطبيقها بكفاءة أعلى. وأكد رئيس كاوست السير إدوارد بيرن أن الأمن الغذائي يُعد من أبرز التحديات التي تواجه العالم اليوم، مشيرًا إلى أن مواجهة تعقيدات النظم الغذائية تتطلب شراكات فاعلة بين المؤسسات العلمية والقطاع الصناعي. وأضاف أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة ابتكار طرق إنتاج الغذاء الصحي والمستدام في ظل التحديات البيئية المتزايدة، وعلى رأسها شح المياه وارتفاع درجات الحرارة، معربًا عن تطلعه إلى أن يسهم التعاون مع نادك في تحقيق أثر عملي ملموس على أرض الواقع. من جهته، أوضح الدكتور سليمان التويجري أن مذكرة التفاهم تمثل خطوة استراتيجية نحو دمج البحث العلمي مع التطبيق الزراعي الفعلي، مبينًا أن هذه الشراكة ستدعم تطوير حلول مبتكرة ومستدامة ترفع الإنتاجية، وتعالج تحديات إدارة الموارد الطبيعية، ولا سيما كفاءة استخدام المياه وتحسين صحة التربة. كما أشار إلى أن التعاون مع كاوست يتيح توظيف أحدث المنجزات البحثية في البيئات التشغيلية القائمة، إلى جانب الإسهام في تنمية الكفاءات الوطنية وبناء القدرات المتخصصة. وسيقود تنفيذ البرامج البحثية لهذه الاتفاقية مركز التميّز للأمن الغذائي المستدام في كاوست، الذي أُنشئ لدفع عجلة البحث العلمي في مجال تطوير الأنظمة الغذائية في المملكة باستخدام أحدث التقنيات. وبموجب الاتفاقية، سيتمكن باحثو كاوست من الوصول إلى مواقع نادك الميدانية وبياناتها التشغيلية وبيئات الإنتاج، لاختبار التقنيات والتحقق من فاعليتها في ظروف زراعية واقعية. وأوضح رئيس مركز التميّز للأمن الغذائي المستدام، البروفيسور مارك تيستر، أن تحسين الأنظمة الغذائية يتطلب اختبار الابتكارات العلمية في بيئات حقيقية تأخذ في الاعتبار عوامل المياه والتربة والمناخ وحجم العمليات الإنتاجية، مؤكدًا أن دور المركز يتمثل في توجيه البحث نحو التطبيق العملي منذ مراحله المبكرة. وأضاف أن العمل المشترك مع نادك سيسهم في بناء معرفة تطبيقية راسخة وتطوير حلول قابلة للتنفيذ وملائمة لاحتياجات المملكة المستقبلية. كما يشمل التعاون محورًا مهمًا لتنمية المواهب الوطنية وتطوير القوى العاملة، عبر دعم تدريب الطلبة، وتمكين الشركات الناشئة، وتمويل الأبحاث التطبيقية. ومن خلال المنصات الأكاديمية والابتكارية في كاوست، بما فيها برامج التدريب والتطوير المهني، ستسير تنمية المهارات جنبًا إلى جنب مع التقدم التقني. وتؤكد كاوست من خلال هذه الشراكة دورها كمنصة وطنية للعلوم التطبيقية، تربط بين الاكتشاف العلمي والابتكار التقني والتطبيق الميداني، بما يدعم أولويات المملكة في استدامة الغذاء والموارد الأساسية.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

كلمات دلالية: اتفاقية تعاون كاوست نادك

إقرأ أيضاً:

“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان

 

تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني

مقالات مشابهة

  • حالة “ترامب” في عالم “الأقطاب”!
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • “الفيفا” يقر 6 قواعد تحكيمية جديدة في المونديال
  • تيطراوي على أبواب “البريميرليغ”
  • رئيس النواب يرعى حفل “الشؤون الفلسطينية” والمخيمات بعيد الاستقلال
  • “الصحة” بغزة :استشهاد 119 فلسطينيا في شهر مايو
  • المستنسخات الأثرية في المملكة تستحضر عمق التاريخ في “كتاب كوالالمبور 2026”
  • أسعار “البرقوق” تقفز 86% خلال شهر في إسطنبول
  • ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني