ساوباولو- بعد شهر على الحدث الذي شكّل منعطفا غير مسبوق في التاريخ السياسي الفنزويلي المعاصر، والمتمثل في اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو عقب عملية عسكرية أمريكية خاطفة، لا تزال تداعيات ما جرى تتكشف على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وبين صمت المؤسسة العسكرية المطبق، والتحولات الحادة في مسار العلاقات مع واشنطن، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة التي دخلتها فنزويلا، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو مسار انتقالي مؤقت، أم نحو إعادة رسم دورها وموقعها كمحمية اقتصادية تدار ببراغماتية قسرية تحت إشراف أمريكي مباشر؟

لا سيادة

وفي 30 يناير/كانون الثاني 2026، صادقت الجمعية الوطنية الفنزويلية بالإجماع على تعديل جوهري لـ"قانون المحروقات العضوي".

وفي بيان رسمي صدر عن رئاسة البرلمان، وُصف هذا التعديل بأنه "خطوة إستراتيجية لتحديث قطاع الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لضمان استقرار الإنتاج الوطني".

بيد أن الباحث في علم الاجتماع مويسيس دوران قال للجزيرة نت إن هذا التعديل يفرغ بالكامل الطابع السيادي لأعمال النفط، ويهيئ أكثر الشروط ملاءمة لشركات النفط متعددة الجنسيات على حساب المصالح الوطنية.

ويؤكد دوران أن نظام رودريغيز أدرك أن بقاءه الاقتصادي بات يعتمد بنيويا على الاصطفاف مع الأولويات الأمريكية، مما خلق حالة من التبعية المطلقة تحدد فيها السياسة الاقتصادية وفق مصالح البيت الأبيض.

وعلى صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي الفنزويلي استقرارا نسبيا لسعر صرف البوليفار (العملة المحلية) عند حدود 450 – 480 بوليفارا للدولار مطلع فبراير/شباط الجاري، وهو ما عزته نائبة الرئيس والقائمة بأعماله، ديلسي رودريغيز، إلى "سياسات الانضباط النقدي الصارمة التي انتهجتها الحكومة الانتقالية".

لكنّ الخبير الاقتصادي مانويل سوذرلاند أوضح للجزيرة نت، أن هذا الاستقرار ناتج عن صفقة قسرية أدت لمضاعفة صادرات النفط الموجهة حصريا لأمريكا 3 مرات.

إعلان

وأضاف: أصبحت أمريكا الآن هي التي تدير بشكل مباشر كل النفط الذي يخرج من فنزويلا والذي يدخل إليها، كما تدير المدفوعات عبر نظام مقاصة لا يخصص الموارد إلا لشراء السلع والخدمات الأمريكية، وهو ما لم تشهده البلاد منذ الحقبة الاستعمارية الإسبانية.

دونالد ترمب (وسط) خلال متابعته عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (حساب ترمب عبر تروث سوشيال)تحول الخطاب والعلاقة

وشهد الخطاب الرسمي تحوّلا ملحوظا في نبرته ومفرداته؛ فبعد أقل من 24 ساعة على الهجوم، صرّحت رودريغيز في خطاب متلفز عبر قناة التلفزيون الرسمي: "انطلاقا من اختلافاتنا، نمد يدنا للعمل المشترك ضمن أجندة تعاون تضمن الرخاء لشعبينا".

ورأى الباحث دوران أن هذا التحول يختزل الانتقال من الخطاب المعادي للإمبريالية إلى البراغماتية، مع الاستمرار في استخدام شرعية الثورة كغطاء أمني.

من جانبه، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة سوليا، روبيرتو لوبيز سانشيز، في حديثه للجزيرة نت إلى أن هذا التحول يعكس خضوعا كاملا لإملاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة في ظل غياب أي تقرير رسمي من القوات المسلحة الوطنية البوليفارية يُفسر العجز عن الرد على الهجوم الذي استهدف المقر العسكري الرئيسي ومنظومة الدفاع الجوي.

وفي بيان مقتضب لوزارة الدفاع الفنزويلية، اكتفت بالقول إن القوات المسلحة "تعمل على ضمان النظام العام ودعم المؤسسات الدستورية"، وهو ما اعتبره سانشيز استسلاما دون قتال.

وتحولت العلاقة مع واشنطن من القطيعة التامة إلى وصاية صريحة؛ ففي 31 يناير/ كانون الثاني الماضي، وصلت القائمة بالأعمال الأميركية، لورا دوغو، إلى كاراكاس لإعادة فتح البعثة الدبلوماسية.

وصرّحت وزارة الخارجية الفنزويلية -في بيان رسمي- أن اللقاءات تهدف لـ"تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتعزيز قنوات الحوار". إلا أن دوران يكشف أن التفويض الأمريكي يتضمن تنفيذ المراحل الثلاث التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: الاستقرار، والتعافي الاقتصادي والمصالحة، ثم الانتقال.

ويقول دوران: واشنطن تدير حاليا ثلاثية قوى تتمثل في:

التفوق العسكري. العقوبات المرنة. السيطرة على تدفقات النفط.

وهو ما يضع حكومة رودريغيز في حالة تبعية بنيوية. فيما يؤكد الخبير سوذرلاند أن أمريكا باتت تحكم البلاد بشكل مباشر عبر مكتب فني يشرف على تنفيذ التعليمات.

اقتصاد فنزويلا في أرقام (الجزيرة)تحت الوصاية

وفي 7 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت شركة النفط الوطنية -في بيان تقني- عن "توسيع الشراكات الإستراتيجية مع الشركات الأمريكية وفق معايير قانونية جديدة تضمن كفاءة التشغيل".

ورأى الأكاديمي سانشيز أن ديلسي رودريغيز تلتزم بجميع متطلبات ترمب في محاولة لكسب الوقت والصمود حتى 2028، محذّرا من أن هذا القبول بالوصاية حوَّل فنزويلا إلى محمية نيوليبرالية استعمارية جديدة، حيث تدار موارد البلاد بقرارات تُتخذ في واشنطن وتنفذ في كاراكاس.

وشكليا، لا تزال السيطرة بيد الكتلة "الشافيزية المادوروية" بعد إعادة تنظيم صفوفها، إذ تقود رودريغيز رئاسة مكلفة لمدة 90 يوما قابلة للتمديد.

إعلان

وأصدرت المحكمة العليا الفنزويلية بيانا أكدت فيه "الشرعية الدستورية للرئاسة الانتقالية لديلسي رودريغيز"، وهو ما يعتبره دوران تأكيدا على بقاء بنية حكم الأمر الواقع.

ووصف دوران الوضع بأنه استبداد تحت الوصاية، حيث يمتلك البيت الأبيض قدرة تأثير استثنائية عبر إدارة نظام العقوبات كأداة ثواب وعقاب. وتحت هذا الضغط، أطلقت وزارة الداخلية سراح نحو 320 سجينة وسجينا سياسيا.

ويؤكد سوذرلاند أن هذا الانفراج سمح للمثقفين والمطاردين بالخروج من العمل السري، لكنه يحد من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة، حيث تشعر السلطة الحالية بقرب انتهاء صلاحيتها إذا ما فُرض عليها مسار انتخابي حقيقي لا تملك فيه أي فرصة للفوز.

وقال سانشيز إن رودريغيز تسيطر على جميع السلطات العامة والأجهزة المكلفة بالقمع الانتقائي، لكنها سيطرة تعمل ضمن الهوامش التي يحددها الطرف الوصي الأمريكي.

انقسام المعارضة

وتعيش المعارضة الفنزويلية حالة انقسام حاد إلى 3 كتل رئيسية، وفقا لتحليل مويسيس دوران:

الكتلة الأولى: هي "المعارضة الأوليغاركية" التي ترى في الظرف الراهن فرصة لتحسين موقعها الاقتصادي. الكتلة الثانية: تقودها ماريا كورينا ماتشادو، التي تراهن بشكل كامل على الاصطفاف مع واشنطن كمسار وحيد للتغيير، وتتعامل مع اللحظة كسيناريو سيتحقق عندما يراه ترمب مناسبا. الكتلة الثالثة: كمعارضة ديمقراطية تسعى لاستعادة السيادة الشعبية بعيدا عن الاستبداد الموروث أو الوصاية الإمبريالية.

وختم الخبير الاقتصادي سوذرلاند بالتحذير من أن التفاهم المركزي بين القوة الوصية والنخبة السلطوية قد يقصي المجتمع الفنزويلي عن القرارات الأساسية.

فيما رأى الأكاديمي سانشيز أن استعادة الديمقراطية الحقيقية وتفعيل دستور عام 1999 ستعتمد حصرا على حجم الضغط الشعبي والتعبئة المدنية القادرة على فرض إرادة المواطنين، بعيدا عن الصفقات التي تُبرم في الغرف المغلقة والتي تضمن تدفق النفط مقابل الصمت عن جوهر النظام السلطوي القائم.

 

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • بعد رفض جوارديولا.. النصر يبحث عن بدائل ومستقبل المدرب الإسباني يثير التساؤلات
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • ترمب ينفي توقف المحادثات مع إيران: مستمرة يومياً
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • جامعة الدول العربية تحذر من فرض واقع جديد في القدس
  • ترامب مخاطباً نتنياهو: «أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن»
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش