من أعطى البرهان هذا الحق الإلهي..؟!
تاريخ النشر: 5th, February 2026 GMT
من أعطى البرهان هذا الحق الإلهي..؟!
د. مرتضى الغالي
من هو البرهان..؟! وكم يساوي حتى يكون مسؤولاً عن تحديد مَنْ يعود للسودان ومن يبقى فيه ومن يقضي بحرمانه من الهوية والجنسية..؟! هل يظن البرهان أن السودان (معدية أو بنطون) يملكه ويقف عليه نوتياً وروّاساً و(كمسارياً) يحدّد مَنْ يركب ومَنْ ينزل..؟؟
يا سبحان الله.
البرهان ليس سوى مُغتصب سلطة قاد انقلاباً دموياً على الشرعية وعلى الدستور ثم أشعل حرباً قتلت مئات الآلاف وشرّدت الملايين ودمرّت الوطن..!
ويا ليته كان شجاعاً وبدأ هذه الحرب الفاجرة بنفسه وبقراره كما يفعل قادة الحروب..! إنما هي حرب بدأها آخرون وهو على رأس الجيش.. فسار خلفهم فيها مجروراً من خطام أنفه.. وباع جيش الوطن لجماعة سياسية معلومة.. وسار خلفها كما سارت (نعاج بانورغ) في الحكاية الشعبية الفرنسية..!
البرهان مسؤول عن مذبحة ميدان الاعتصام التي جرت تحت قيادته العسكرية… ومسؤول عن مقتل عشرات الأبرياء في انقلابه المشؤوم… ومسؤول عن مواصلته للحرب وموت عشرات الآلاف فيها… وهو مسؤول عن تسليح المليشيات وتفريخها بالعشرات.. ومسؤول عن جعل السلاح الغالب خارج أيدي الجيش.. وقد تردّد اسمه أيضاً عبر اتهام بالمشاركة في مذابح دارفور وحرق القرى.. وهي وفق تصنيف القانون الدولي جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية..!
مَنْ هو البرهان حتى يمنع مواطنين (بالاسم) من دخول السودان.. وهكذا عبر خطبة سياسية على الهواء.؟! على أي قانون يستند.. وعلى أي (سجم رماد) يعتمد..؟! هل يملك رقاب الناس ليسمح ويمنع بدخول السودان أو الخروج منه..؟!
لو كان داخل هذا الزي العسكري (رجل ملو هدومه) وله أدنى قدر من المسؤولية أو الرشد لقال إنه سيلجأ إلى القانون ويقدّم بلاغه حول سحب الجنسية آو منع عودة الذين يكرههم ويعاديهم من موقفه السياسي..!
هل القوات المسلحة تعادي فريقاً سياسياً وتنتصر لفريق..؟! أم أنها تقف على قدم المساواة مع المواطنين.. وأنها مسؤولة عن حماية الوطن وجميع أهله..؟!
هل هذا الكلام خطأ..؟! ما رأي البرهان وكل (شرفنطح) يسير خلفه بالزعيق والشهيق والنعيق.؟!
وحتى تعرف جهل هذا الرجل بالقانون وبمقدرات القيادة فإنه قد جعل نفسه خصماً لقطاعات من الشعب بسبب (تحزّبه السياسي) وأصبح يناصبها العداء وينحاز إلى أخرى ويأتمر بأمرها.. بل يردد بلا خجل مكايداتها الضحلة…؟!
هل هناك قائد جيش أو رأس دولة (مثلاً.. مثلاً) ينزل إلى حضيض أن يذكر على الهواء أسماء قادة سياسيين ويقول إنهم ممنوعون من العودة إلى وطنهم..؟!
هل هذه تصرفات رئيس.. أن يخطب أمام الملأ ويقول فلان وعلان ممنوعون عن دخول السودان..؟! ألا يفتح ذلك الباب مُشرعاً لأي مأفون يحمل هذا الكلام غير المسؤول على محمل الجد ويعتدي عليهم بحجة أن رئيس السلطة استعداهم وقام بتخوينهم وذكرهم بأسمائهم..؟!
هل يريد البرهان أن يسكت الناس ويغلقوا أفواههم وهم يرون بالدلائل المتواترة والمُشاهدة عياناً بياناً والتي رآها كل العالم عن التلوث الكبير والأمراض التي تكاثفت وتنوّعت والسمّيات التي انتشرت وطفحت على الشواطئ والسواحل.. والفئران والأسماك التي نفقت بالآلاف وانقلبت على بطونها.. وطفحت معها براميل السموم والمواد القاتلة..؟!!.. ألا يمثل كل ذلك (ولو مجرد شبهة) بـ(تلوث ما) في الماء والتربة والغذاء والهواء..؟!
يخرج البرهان كل يوم بحديث أقبح وأتفه وأكذب من حديثه يومه السابق؛ يتوعّد أبناء الوطن وكأن السودان أصبح ملكا له أو (لكوابيس أبيه).. وتسبر وراء هذه التخاريف التي تخرج منه مثل (الهواء الفاسد) أجهزة عدله وقضاته ونياباته وأبواقه الإعلامية وحكّاماته..!
هذا هو حال السودان اليوم: ساحة تعج بالفوضى و(العُصبجية) وعديمي التأهيل والموتورين من الثورة.. واللصوص والسماسرة والأرزقية و(الزلنطحية).. وكل الذين لا يجمع بينهم جامع غير الإجرام..! هذه هي (خُلاصة التربية الإنقاذية) التي ملأت أحشاء تلامذتها بأسوأ ما في (قاع القاع) من الانتهازية والنفاق والسفالة والكذب والبهتان…!
السودان مصائره وإدارة شؤونه الآن بين أيادي شخوص وأزلام (غير مؤتمنين على شيء) وهذا أخف ما يمكن أن يُقال عن الذين يجلسون الآن في مقاعد سلطة مُغتصبة جرّت وراءها كل هذه النوازل والمصائب والجوائح..!
فلنقل إنهم غير مؤتمنين تخفيفاً عليهم.. ولا نقل (معاتيه ومتآمرين وانتهازيين لا ضمير لهم).. وسبحان الله الذي “يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور”..!
لسوف تنجلي هذه الطبقة الفاسدة بغلبة الحق التي وعد الله بها عباده… تباركت كلمات الله التامّات..!! الله كسّبكم..!!
الوسومالبرهان السواحل السودان القانون القيادة د. مرتضى الغالي مذبحة ميدان الاعتصام
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: البرهان السواحل السودان القانون القيادة د مرتضى الغالي
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.