هل يمثل مؤتمر واشنطن هندسة جديدة لتنفيذ مسارات الرباعية في السودان؟
تاريخ النشر: 5th, February 2026 GMT
هل يمثل مؤتمر واشنطن هندسة جديدة لتنفيذ مسارات الرباعية في السودان؟
محمد الأمين عبد النبي
عقد الولايات المتحدة مؤتمر دعم السودان، يبرز كمنصة استراتيجية لإعادة صياغة التعامل الدولي مع الملف السوداني، حيث يقود المستشار الأمريكي مسعد بولس مبادرة توصف بأنها الأكثر جدية وقدرة على اختراق الجمود منذ اندلاع الحرب.
تنطلق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة من قناعة مفادها أن إستعصاء الاتفاق على هدنة لإرتباطها بإستبعاد المتحاربين من المسار السياسي في الـEnd Game . ولذلك، تعمد واشنطن إلى تجاهل المسار السياسي مؤقتاً، لصالح مسار إنساني يعمل كأداة ضغط ناعمة وخشنة في آن واحد. فقد بدأت فعلياً ملامح هدنة إنسانية تتشكل، بناءً على توافقات وترتيبات تهدف إلى جمع المساعدات عبر “صندوق السودان الإنساني”. هذا الصندوق يضع الملف الإنساني في مقدمة الخطة التي تعمل على إعادة هندسة خطة الرباعية، بحيث يتم الالتزام بالإغاثة الانسانية، وتأتي بقية خطوات الخطة تباعاً وفق تقييم تنفيذ المسار الإنساني.
في خضم هذه الخطة الجديدة، تُفهم تحركات “تحالف تأسيس” الذي عقد اجتماعات مكثفة لاستكمال تشكيل الحكومة الموازية في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهي خطوة تحمل دلالات سياسية بالغة التأثير. إذ يسعى التحالف إلى ملء الفراغ الإداري كخطوة تعكس التجاوب مع مخرجات مؤتمر واشنطن، لتقديم جسم مدني قادر على التعامل مع “صندوق السودان الإنساني”، مما يضع العالم أمام أمر واقع قابل للاعتراف عبر بوابة العمل الإنساني. الأمر الذي يعزز المخاوف من تقسيم السودان إدارياً قبل تقسيمه سياسياً.
في المقابل، يبدو أن قيادة الجيش قد بدأت فعلياً في الاستجابة للخطة الجديدة، حيث تتواتر الأنباء عن الشروع في مشاورات تكوين مجلس تشريعي وإعادة تشكيل حكومة الخرطوم. هذه الخطوة أيضاً تحمل دلالات سياسية؛ إذ يعتبرها الجيش مبادرة بديلة للرباعية، يسعى من خلالها إلى تثبيت أقدام الحكومة في الخرطوم كممثل للشرعية.
يتقاطع التحرك الأمريكي الاخير مع الوساطة الأمريكية-السعودية الثنائية، ومع ترتيب مسارات الرباعية التي تُعد المرجعية، ما يفيد بأننا أمام تحرك أحادي، وإن كان بدعم بقية الرباعية ودول أخرى ومشاركة في آليات الرقابة الإنسانية، لا سيما بعد تعثر الإطارين الثنائي والرباعي. وهو ما دفع كافة الأطراف إلى إعادة حساباتها تماشياً مع التوجه الأمريكي الجديد في “مجلس السلام”. فبينما تراه نيالا نافذة للعبور نحو الشرعية، تعتبره الخرطوم فرصة لاستبعاد القوى المدنية. وفي الوقت ذاته، تتوجس القوى المدنية من تحوله إلى تكريس لاتفاق ثنائي قادم، فتتعامل معه وفق محددات الترحيب بإعطاء الأولوية للملف الإنساني، وضرورة الالتزام بخطة الرباعية كاملة، وعدم الاعتراف بسلطات الأمر الواقع التي تعزز التقسيم الماثل.
ومع ذلك، فإن هذا التحرك الأمريكي يصطدم بواقع سوداني بالغ التعقيد؛ إذ ما زال الجيش يرى في أي هدنة لا تضمن تفكيك الدعم السريع ستمنحه فرصة لإعادة التموضع والشرعنة، بينما يخشى الدعم السريع من أن يكون الملف الإنساني غطاءً لإعادة ترتيب الجيش لصفوفه، فيما ترفض القوى المدنية أي محاولة للتراجع عن خطة الرباعية. إن تحديات واشنطن تكمن في كيفية تحويل مخرجات المؤتمر إلى آليات ملزمة على الأرض في ظل انعدام اليقين، والتشوهات العميقة التي خلفتها سنوات القتال في بنية الدولة والمجتمع من ناحية، وكيفية تنفيذ بقية خطة الرباعية بإدارة مصالح بقية دول الرباعية من ناحية ثانية، وكيفية مشاركة القوى المدنية وفق الخطة من ناحية ثالثة. تجاوز واشنطن لهذه العقبات يتطلب استراتيجية تعتمد على إدماج شركائها في إعادة هندسة مسارات الرباعية، وتمكين القوى المدنية من عملية سياسية لإدارة الانتقال، وتجنب تكرار نموذج نيفاشا الذي أدى إلى انفصال الجنوب.
تلعب دول الرباعية مجتمعةً في هذا الإطار دوراً محوراً لتنسيق الجهود وتحويلها إلى قوة ضغط موحدة. وتعكس دعوة دول وازنة، إلى جانب السعودية والإمارات ومصر، رغبة واشنطن في إغلاق الثغرات التي كانت تنفذ منها الأطراف المتصارعة للتنصل من التزاماتها، مما أسهم في إطالة أمد الحرب. ويتطلب ذلك مباركة دول الرباعية على هذا التحرك ودعمه بما لا يتعارض مع دور واشنطن القائد والحاسم، وألا يحمل هذا التحرك في طياته اي ملامح للوصاية أو التقسيم. ومع وجاهة إعطاء الملف الإنساني الأولوية لفرض السلام الاضطراري الذي تستدعيه المأساة، فإن تنفيذ خطة الرباعية كحزمة واحدة يظل الضمان لإنهاء الحرب.
تبقى العقبة الكبرى في كيفية تعامل الأطراف المعنية بقضية الحرب والسلام مع هذا التحرك. فالجيش يتمسك بشرعيته في الحكم ويرفض مساواته مع من يصفهم بـ”المتمردين”. وفي المقابل، تقتنص قوات الدعم السريع هذه المبادرة لتعزيز حضورها كطرف معترف به وبسلطته الموازية. أما القوى المدنية، فلا ترى شرعية لطرفي الحرب، وتتمسك بإبعاد العسكريين عن السياسة والحكم. هذا التباين يجعل من “التنفيذ المجزأ” عملية بالغة الحساسية؛ فإلى أي مدى تنجح واشنطن في فرض السلام الاضطراري عبر المساعدات الإنسانية؟ يتوقف ذلك على قدرتها على إدارة الملف الإنساني متصلاً ببقية خطة الرباعية. وتبدو واشنطن، من جانبها، مستعدة لهذه المخاطرة، وقد تلوّح بسلاح العقوبات في حالة عرقلة المسار الإنساني، ضمن دبلوماسية حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب لإجبار البنادق على الصمت، حتى لو ظل الحل السياسي معطلاً لحين إشعار أخر.
في نهاية المطاف، يمثل مؤتمر واشنطن لإعادة ترتيب مسارات الرباعية اختباراً حقيقياً لقدرة إدارة ترامب على حل النزاع بدلاً عن إدارته. صحيح؛ ان تنفيذ خارطة الطريق يبدأ من الملف الإنساني هو محاولة ذكية للالتفاف على عقدة الشرعية وأزمة الثقة، لكنها تظل محاولة محفوفة بمخاطر الارتطام بالواقع الجيوسياسي وبالداخل السوداني الذي لا يخضع دائماً لمنطق الصفقات.
يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تنجح الخطة الأمريكية في خلق نموذج جديد تحت المظلة الإنسانية، أو أن تنزلق البلاد نحو حالة من التفتت الدائم، حيث تنهار الدولة ويتحول السودان إلى “منطقة رمادية” خارج نطاق السيطرة. وستوضع الثقة التي يتحدث بها مسعد بولس على المحك عندما تبدأ أولى شحنات المساعدات في التحرك نحو السودان، لتتضح الحقيقة بشأن ما إذا كانت الهدنة قد بدأت فعلياً، أم ستكتب فصل جديد لحرب لا يريد أي من أطرافها أن يخرج منها مهزوماً، حتى لو كان الثمن فناء الدولة والمجتمع تحت وطأة الجوع والرصاص.
الوسومالرباعية في السودان تنفيذ مسارات مؤتمر واشنطن محمد الأمين عبد النبي هندسة جديدة
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الرباعية في السودان تنفيذ مسارات مؤتمر واشنطن هندسة جديدة
إقرأ أيضاً:
الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
أعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة "ستيفان دوجاريك" أن النداء العاجل المعدل للبنان، سيجري إطلاقه في جنيف يوم الجمعة المقبل، بالتعاون مع الحكومة اللبنانية ويهدف إلى زيادة المساعدات الإنسانية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، حيث تنسق السلطات وشركاء الأمم المتحدة في المجال الإنساني جهودهم للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، كان الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" قد أطلق نداء إنسانيا عاجلا بقيمة 308.3 مليون دولار خلال زيارته لبيروت في مارس.
ولكن الآن، كما هو متوقع، تضاعفت الاحتياجات بشكل كبير، حسبما قال "دوجاريك".
بدوره، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن لبنان يواجه حالة طوارئ إنسانية متفاقمة نتيجة تداخل خطير بين النزوح وازدياد انعدام الأمن الغذائي، ولا يزال أكثر من مليون شخص في حالة نزوح، فيما تؤدي الأسعار المرتفعة وفقدان مصادر الدخل وضغط الأسواق إلى جعل الغذاء بعيدا بشكل متزايد عن متناول الأسر الأكثر ضعفا.
وأوضح البرنامج الأممي، أنه وسع استجابته بسرعة على مستوى البلاد، إلا أنه نبه إلى أن الوضع لا يزال هشا للغاية، مؤكدا ضرورة ضمان استمرار الوصول الإنساني واستقرار تدفقات الإمدادات وتوافر التمويل بشكل متوقع، لمواصلة تقديم المساعدة لمن هم بأمس الحاجة إليها.
واستعرض البرنامج الأممي آخر المستجدات بشأن عملياته وحالة الأمن الغذائي في لبنان: فمنذ 2 مارس، وصل برنامج الأغذية العالمي إلى أكثر من 700 ألف شخص متأثرين بالنزاع في مختلف أنحاء لبنان عبر المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة.
وقدم البرنامج، في المتوسط، الدعم لنحو 150 ألف شخص يوميا منذ بدء التصعيد، من خلال توفير وجبات ساخنة وحصص غذائية جاهزة للأكل وسلال غذائية للعائلات المقيمة في مواقع النزوح.
ويسهم النزاع المستمر، مع القصف اليومي وأوامر الإخلاء، في تعقيد الوصول الإنساني واستمرار النزوح، كما تقيد هذه الظروف إيصال المساعدات الحيوية، لا سيما إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها.
وأكد البرنامج الأممي أنه تم تسيير 24 قافلة إنسانية إلى جنوب لبنان، شملت القرى الحدودية وصور والهرمل، للوصول إلى المجتمعات التي تواجه قيودا في الوصول، وقد تم تأجيل أو إلغاء أكثر من 50% من القوافل المطلوبة بسبب مخاطر الحركة وصعوبة الوصول.
كما أكد البرنامج أنه يحتاج إلى 112 مليون دولار للفترة بين مايو وأغسطس 2026 (بمعدل 44.1 مليون دولار شهريا)، من أجل الحفاظ على المساعدات المنقذة للأرواح والاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن قدرته على مواصلة تقديم المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة للأسر الضعيفة في لبنان ستواجه خطر التراجع بدون تمويل كاف ومتوقع.