لماذا يدعو العلماء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الأميبا؟
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
سلّط موقع "كونفيرزيشن" الضوء على دعوات العلماء لاتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الأميبا، وهي مجموعة من المكيروبات غير المعروفة على نطاق واسع، والتي قد تشكل تهديدا متزايدا للصحة العالمية.
وأشار الموقع في مقال للمحاضرة الأولى في علم الأحياء الدقيقية الطبية في جامعة وستمنستر منال محمد، إلى أن "الأميبا حرة المعيشة هي كائنات وحيدة الخلية لا تحتاج إلى عائل للعيش، وتوجد في التربة والمياه، من البرك إلى البحيرات".
وتابعت: "ما يميزها هو قدرتها على تغيير شكلها والتحرك باستخدام امتدادات مؤقتة تشبه الأذرع تسمى الأقدام الكاذبة، وهذا يسمح لها بالعيش في نطاق واسع من البيئات".
ما هي "الأميبا آكلة الدماغ" وما مدى خطورتها؟
أشهر أنواع الأميبا حرة المعيشة هي نيجليريا فوليري، والمعروفة باسم "الأميبا آكلة الدماغ". تعيش هذه الأميبا بشكل طبيعي في المياه العذبة الدافئة، التي تتراوح درجة حرارتها عادة بين 30 و40 درجة مئوية، كالبحيرات والأنهار والينابيع الساخنة. لكنها نادرة الوجود في البلدان ذات المناخ المعتدل، كالمملكة المتحدة، بسبب برودة الطقس.
تحدث العدوى عند دخول الماء الملوث عبر الأنف، عادة أثناء السباحة. ومن هناك، تنتقل الأميبا عبر الممرات الأنفية إلى الدماغ، حيث تُدمر أنسجته. وتكون العواقب وخيمة في الغالب، إذ تصل نسبة الوفيات إلى 95-99%.
في بعض الأحيان، وُجدت الأميبا "نيجليريا فوليري" في مياه الصنبور، خاصة عندما تكون دافئة وغير مُعالجة بالكلور بشكل صحيح. وقد أُصيب بعض الأشخاص بالعدوى أثناء استخدامهم مياه الصنبور الملوثة لغسل الجيوب الأنفية لأسباب دينية أو صحية.
لحسن الحظ، لا يُمكن الإصابة بالعدوى عن طريق شرب الماء الملوث، ولا تنتقل العدوى من شخص لآخر.
لماذا يصعب القضاء على هذه الأميبا؟
يمكن القضاء على الأميبا الآكلة للدماغ من خلال معالجة المياه بشكل صحيح ومعالجتها بالكلور. لكن القضاء عليها من شبكات المياه ليس بالأمر السهل دائما.
فعندما تلتصق بالأغشية الحيوية - وهي تجمعات من الكائنات الدقيقة تتشكل داخل الأنابيب - يصعب على المطهرات، كالكلور، الوصول إليها، كما أن المواد العضوية قد تقلل من فعالية المطهرات.
ويمكن للأميبا أيضا البقاء على قيد الحياة في درجات الحرارة الدافئة بتكوين "أكياس" - أغلفة واقية صلبة - مما يجعل السيطرة عليها في شبكات المياه أكثر صعوبة، خاصة خلال فصل الصيف أو في الشبكات سيئة الصيانة.
ما هو "تأثير حصان طروادة" ولماذا هو مهم؟
لا تقتصر خطورة الأميبا الحرة على كونها خطيرة بحد ذاتها، بل يمكنها أيضا أن تعمل كدروع حية لميكروبات ضارة أخرى، فتحميها من الإجهاد البيئي والتطهير.
بينما تتغذى الأميبا عادة على البكتيريا والفطريات والفيروسات، فقد تطورت بعض البكتيريا - مثل المتفطرة السلية (المسببة لمرض السل) والليجيونيلا الرئوية (المسببة لداء الفيالقة) - لتتمكن من البقاء والتكاثر داخلها. وهذا يساعد هذه المسببات المرضية على البقاء لفترة أطول، وربما تصبح أكثر خطورة.
تُؤوي الأميبا أيضا فطريات مثل فطر كريبتوكوكس نيوفورمانس، الذي يُسبب التهاب السحايا الفطري. كما تُؤوي فيروسات، مثل فيروس نوروفيروس البشري والفيروس الغدي، التي تُسبب التهابات الجهاز التنفسي والعين والجهاز الهضمي.
وبحماية هذه الجراثيم المسببة للأمراض، تُساعدها الأميبا على البقاء لفترة أطول في الماء والتربة، وقد تُساهم في انتشار مقاومة المضادات الحيوية.
كيف يُفاقم تغير المناخ المشكلة؟
من المرجح أن تغير المناخ يُفاقم خطر الأميبا حرة المعيشة من خلال تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لنموها.
تزدهر الأميبا نيجليريا فوليري في المياه العذبة الدافئة. ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، اتسع نطاق عيش هذه الأميبا المحبة للحرارة ليشمل مناطق كانت باردة في السابق. وهذا يُعرّض المزيد من الناس لها من خلال استخدام المياه لأغراض الترفيه.
وقد أثارت عدة حالات تفشٍّ حديثة مرتبطة بالتعرض لمياه الترفيه قلقا عاما في العديد من البلدان. هذه التغيرات المناخية - ارتفاع درجة حرارة المياه، وطول المواسم الدافئة، وزيادة احتكاك الإنسان بالماء - تجعل السيطرة على المخاطر أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
هل تخضع أنظمة المياه لدينا لفحوصات كافية للكشف عن هذه الكائنات؟
لا تخضع معظم أنظمة المياه لفحوصات دورية للكشف عن الأميبا حرة المعيشة. هذه الكائنات نادرة، ويمكنها الاختباء في الأغشية الحيوية أو الرواسب، وتتطلب اختبارات متخصصة للكشف عنها، مما يجعل المراقبة الدورية مكلفة وصعبة تقنيا.
بدلا من ذلك، تعتمد سلامة المياه على التعقيم المناسب بالكلور، والحفاظ على مستويات المطهرات، وتنظيف أنظمة المياه بانتظام، بدلا من إجراء اختبارات مباشرة للكشف عن الأميبا. ورغم وجود بعض الإرشادات للمناطق عالية الخطورة، إلا أن المراقبة واسعة النطاق ليست ممارسة معتادة.
إلى جانب التهابات الدماغ، ما هي المخاطر الصحية الأخرى التي تشكلها هذه الأميبا؟
لا تقتصر مخاطر الأميبا الحرة على الدماغ فقط، بل يمكنها أن تسبب التهابات مؤلمة في العين، خاصة لدى مستخدمي العدسات اللاصقة، وآفات جلدية لدى الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، والتهابات جهازية نادرة ولكنها خطيرة تصيب أعضاء مثل الرئتين والكبد والكليتين.
ما هي الإجراءات المتخذة لمواجهة هذا الخطر؟
تُعدّ الأميبا الحرة، مثل نيجليريا فوليري، نادرة ولكنها قد تكون قاتلة، لذا فإن الوقاية أمر بالغ الأهمية. لا يمكن تصنيف هذه الكائنات بدقة ضمن الفئات الطبية أو البيئية، فهي تشمل كليهما، مما يتطلب نهجا شاملا يربط بين المراقبة البيئية وإدارة المياه والتوعية السريرية للحد من المخاطر.
يجعل التغير البيئي، والثغرات في معالجة المياه، وتوسع الموائل، المراقبة - والتواصل الواضح بشأن المخاطر - أكثر أهمية من أي وقت مضى.
يجعل التغير البيئي، والثغرات في معالجة المياه، وتوسع الموائل، المراقبة - والتواصل الواضح بشأن المخاطر - أكثر أهمية من أي وقت مضى.
يُساهم الحفاظ على أنظمة المياه مُعقّمة بالكلور بشكلٍ صحيح، وتنظيف أنظمة المياه الساخنة، واتباع إرشادات سلامة المياه الترفيهية ونظافة العدسات اللاصقة، في تقليل احتمالية الإصابة بالعدوى. في الوقت نفسه، يُواصل الباحثون تحسين أساليب الكشف، ويعمل الأطباء على تشخيص الحالات مُبكرا.
هل ينبغي على الناس القلق بشأن مياه الصنبور أو السباحة؟
لا يُمكن الإصابة بالأميبا الحرة المعيشة، مثل نيجليريا فوليري، عن طريق شرب الماء، حتى لو كان يحتوي على الكائن الحي. تحدث العدوى فقط عندما يدخل الماء الملوث إلى الأنف، مما يسمح للأميبا بالوصول إلى الدماغ. لا يُشكل ابتلاع الماء أي خطر لأن الأميبا لا تستطيع البقاء على قيد الحياة أو غزو الجهاز الهضمي.
يُعدّ خطر السباحة في المسابح المُعتنى بها جيدا أو المياه المُعالجة منخفضا للغاية. يكمن الخطر في المياه العذبة الدافئة غير المُعالجة، خاصة خلال الطقس الحار.
ماذا يُمكن للناس فعله لحماية أنفسهم؟
يُمكن للناس حماية أنفسهم من الأميبا الحرة المعيشة عن طريق تقليل التعرّض للمياه الدافئة الراكدة. تشمل الخطوات البسيطة تجنب غمر الرأس تحت الماء في البحيرات أو الأنهار خلال الطقس الحار، واستخدام مشابك الأنف عند السباحة، واختيار المسابح النظيفة، والمحافظة على نظافة أنظمة المياه المنزلية وتسخينها بشكل صحيح.
يجب على مستخدمي العدسات اللاصقة اتباع قواعد النظافة الشخصية بدقة وعدم شطف العدسات بماء الصنبور مطلقا. ولغسل الأنف، استخدم فقط الماء المعقم أو المقطر أو المغلي مسبقا.
الوعي أساسي. إذا شعرت بصداع شديد أو حمى أو غثيان أو تيبس في الرقبة بعد التعرض للمياه العذبة، فاطلب العناية الطبية فورا - فالعلاج المبكر ضروري.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحة طب وصحة طب وصحة العلماء المخاطر العلماء الصحة مخاطر اكلة الدماغ الاميبا المزيد في صحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة طب وصحة سياسة سياسة صحة صحة صحة صحة صحة صحة صحة صحة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة أنظمة المیاه هذه الأمیبا للکشف عن
إقرأ أيضاً:
تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
نشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق 10 صفر ١٤٤٨هـ/ ٢٤ يوليو - ٢٠٢٦م والتي حددت موضوعها بعنوان: «الماء حياة ونماء».
وقالت الوزارة أن الهدف المراد توصيله: الوعي بأن المحافظة على المياه والموارد العامة مسئولية دينية ووطنية أما الخطبة الثانية: «الموارد ليست ملكا خاصا».
وشددت الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة ووقتها المحدد لها.
الحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ؛ فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾ .
الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أما بعدُ:
فإن المواردَ العامةَ ليستْ ملكًا لكَ أو لغيرك، بلْ هيَ ملكٌ للجميع، فاجعلْ تعاملَكَ معَ المواردِ العامةِ صونًا لنعمةِ ربِّكَ، وانشرْ بذورَ الترشيدِ والنظامِ في حياتِكَ، فالمواردُ العامةُ ثروةُ الأوطانِ، وبها تنتفعُ المجتمعاتُ، فالمؤمنُ الحقُّ منْ يلزمُ الاقتصادَ في أوقاتِهِ وأحوالِهِ، وينضبطُ في استخدامِ الماءِ والطاقةِ والغذاءِ، فيتحولُ إلى عنصرٍ نافعٍ يحمي بيئتَهُ، ويصونُ نعمَ ربِّهِ، بالابتعادِ عنِ التبذيرِ والإسرافِ، والتحولِ إلى استخدامِ التقنياتِ الحديثةِ، فصُنْ بالوعيِ مواردَكَ، وحصِّنْ بالمسؤوليةِ حياتَكَ، تبنِ وطنًا قويًّا في مبادئِهِ، ناجحًا في اقتصادِهِ، مستقيمًا في أحوالِهِ، محافظًا على بيئتِهِ، مهتمًّا بنظافتِها، وقد أكدَ المصطفى ﷺ على أنَّ المواردَ حقٌّ مشتركٌ لا يجوزُ احتكارُهُ أو الانفرادُ به دونَ الخلقِ، فقالَ ﷺ: «الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الماءِ والكلإِ والنارِ».
كنْ حذرًا من تبديد تلك الموارد، وتجنب السلوكياتِ السيئةَ، كالإفراطِ في استهلاكِ الغذاءِ وإلقاءِ بقاياهُ في النفاياتِ، والعبثِ بالأوراقِ والأدواتِ المكتبيةِ والحكوميةِ، والإسرافِ في استخدامِ الوقودِ وحرقِ الطاقةِ بلا طائلٍ، فتلكَ سلوكياتٌ مفسدةٌ للنعمِ، ومبددةٌ للثرواتِ، وتأملْ كيفَ جعلَ الإسلامُ المواردَ أمانةً، لتكونَ نعمُ اللهِ وسيلةَ حياةٍ، فكنْ لينًا في توجيهِ أبنائِكَ، مصلحًا في مجتمعِكَ، وتلطفْ في نشرِ ثقافةِ الترشيدِ في المدارسِ والمؤسساتِ، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ حفظَ المواردِ يبني الحضاراتِ، ويحافظُ على الطاقاتِ، وبالانضباطِ تدومُ النعمة، وتعظمُ الفائدةُ، في إطارِ الاستمساكِ بقولِهِ جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ .