عربي21:
2026-06-03@00:30:25 GMT

المناطحة الوطنية في ليبيا

تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT

كم مرة سمعنا مصطلح "المصالحة الوطنية" خلال العقد الأخير، إلى حدّ التخمة، إلى أن صار المصطلح نفسه مكروها؟ يتكرر ويمرّ على مسامعنا دون أن نتوقف عنده أو نفكّر فيه؛ يُرفع كغيره من شعارات المتاجرة والمزايدة أكثر مما يُطرح كمسار ونهج حقيقي، ومع الوقت فرغ من معناه، وتحول إلى إحدى عملات المضاربة السياسية، يتاجر بها من يسعى لجني مكاسب أو القفز من مركب إلى آخر.



قبل أي حديث عن المصالحة، لا بد من تفكيك المصطلح نفسه. المصالحة من الصلح، لكن لماذا رُبطت بالوطنية؟ ولماذا مُضغت بين الأفواه إلى هذا الحد؟ ولماذا صيغ لها قانون خاص، كأنها إجراء إداري يُنجَز بنص تشريعي؟ ولماذا كل هذه اللجان والوفود والاجتماعات والمؤتمرات والملتقيات دون نتيجة تُذكر؟ المصالحة ليست قرارا يُمرَّر، ولا اجتماعا يُعقَد، ولا صورا تُلتقَط؛ المصالحة تأتي نتيجة لمسار طويل وشاق، وشروطها قاسية، ولا تبدأ غالبا من حيث يشتهي الساسة.

لا خلاف على أن المصالحة ملف مركزي بعد النزاعات، لكن الخلاف الحقيقي يتعلق بالترتيب والأولوية؛ هناك خطوة تسبقها ولا يمكن القفز فوقها، وهي العدالة. من دون عدالة، تتحول المصالحة إلى صفقة سياسية مقنّعة، والفرق هنا شاسع.

ولهذا جاءت العدالة الانتقالية، هذا المصطلح الحديث نسبيا ليس اختراعا نظريا ولا شعارا فضفاضا، بل هو مسار مُجرَّب في الدول التي طوت صفحات النزاعات والحروب الأهلية بسلام، ولسنا بحاجة لاختراع العجلة. هذا المسار طويل وصعب، لكنه واضح المعالم، يبدأ بالاعتراف بما وقع وكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، ثم التعويض وجبر ضرر الضحايا، وتخليد الذاكرة، وضمان عدم التكرار. وفي بعض الحالات قد يأتي العفو، لكن العفو هنا نتيجة، لا بداية. بعد كل ذلك فقط، يمكن الحديث عن مصالحة.

في ليبيا، لم نصل حتى إلى عتبة هذا المسار. النزاع أصلا لم ينتهِ بعد، والجرائم والانتهاكات مستمرة، والبلاد لا تزال منقسمة على نفسها، ومئات الآلاف من قطع السلاح منتشرة في الشارع، والإصبع لا يزال على الزناد. في المقابل، تتناطح السلطات شرقا وغربا في صراع عبثي على شرعية مزعومة. في هذا السياق الملغّم، تبدو دعوات المصالحة أقرب إلى شعارات استهلاكية منها إلى نية حقيقية للإصلاح، وتُستخدم للتستر على جرائم أمراء الحرب، أو لتبييض شخصيات، أو لإعادة تدوير شخوص كانوا وقودا للصراع.

وهنا يسألني صديقي الوهمي، في محاولة لحشري في زاوية ضيقة: لماذا لا تصالح حفتر وتعود إلى ليبيا وأهلك في المرج؟ أجبته دون تردد: ليس لدي خلاف شخصي مع حفتر وأبنائه إطلاقا، خلافي مع الأفعال، مع الاعتقالات التعسفية، والقتل خارج القانون، والاختفاء القسري، وقمع المعارضين. يقاطعني ويسأل: وإذا توقفت هذه الأفعال، هل تعود؟ قلت له: لا، ليس بعد. التوقف خطوة أولى، لكنها لا تكفي، تجب محاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، والإفراج عن جميع المعتقلين تعسفا والسجناء السياسيين، وتقديم ضمانات حقيقية لعدم التكرار. عندها فقط، يصبح خيار العودة مطروحا.

المصالحة لا تُطلب من الضحية، ولا تُفرض على يد الجلاد، ولا تُشترى بالصمت، المصالحة قرار شجاع يأتي حين يوافق الضحايا ويقرر الناجون، وحين ترى المجتمعات المتضررة أن القانون عاد، وأن العدل ساد، وأن المسؤولين عن آلامها ومآسيها سيُحاسَبون على ما اقترفوه. غير ذلك، لن تكون سوى دعوة للتعايش مع الظلم باسم الواقعية السياسية.

ما يجري اليوم في ليبيا ليس مسارات مصالحة، بل منافسة على احتكار خطاب "الوطن"، كل طرف يرفع الوطنية كسلاح شعبوي، ويخوض بها مناطحة سياسية لا أكثر. لكل طرف مصالحته الخاصة المفصّلة على مقاسه، من المجلس الرئاسي ومستشاره للمصالحة علي الصلابي، مرورا بالصديق حفتر، نجل خليفة حفتر، ورئاسته لما يسمى المصالحة الوطنية، وصولا إلى مبادرات يقودها مؤيدو سيف القذافي، وغيرها كثير.

لهذا، ما نراه ليس مصالحة وطنية، بل مناطحة لا وطنية. إنه صراع على من يحتكر تعريف الوطن، ومن يحق له التصالح باسمه، ومن يملك العفو، ومَن سيحاسب مَن؟ وفي بلد لا تزال الجرائم والانتهاكات تُرتكب فيه يوميا، ولا تزال السجون السرية مفتوحة، ومئات المفقودين والمختفين قسرا مجهولي المصير، ولا تزال كثير من المقابر الجماعية غير مكتشفة، والحقيقة غير مكشوفة، لا تبدو لهذه المناطحة نهاية. المصالحة ستأتي يوما ما، لا شك في ذلك، لكنها لن تأتي قبل المحاسبة والعدالة، ستأتي حين ينتهي النزاع فعلا، لا حين يُعلن عن انتهائه.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء المصالحة الوطنية ليبيا صراع حفتر ليبيا مصالحة حفتر صراع وطنية قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة لا تزال

إقرأ أيضاً:

قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟

تحولت قصة اللاعب الليبي محمد الطبال، نجم فريق السويحلي، إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، بعدما ظهرت ضمن سلسلة الأفلام الوثائقية "لهذا نعشق كرة القدم"، التي تسلط الضوء على المواقف الإنسانية الملهمة في عالم الساحرة المستديرة.

بدأت القصة عندما تلقى الطبال رسالة عبر منصات التواصل الاجتماعي من أسرة طفل يعاني مرضًا خطيرًا أجبره على قضاء فترات طويلة داخل المستشفى بعيدًا عن حياته الطبيعية. 

سامي الشيشيني: أحمد فتوح من أفضل اللاعبين لكنه “مزاجنجي”عمرو الحديدي يفتح النار على توروب : دمر اللاعبين نفسياإبراهيم حسن : كأس العالم فرصة استثنائية للاعبينا .. ونستهدف كتابة تاريخ جديد للفراعنةالأهلي يرفع عرضه لتجديد عقد نجم الفريق .. واللاعب يطلب مهلة لحسم موقفهمرموش: المنافسة في السيتي تجعلني لاعبًا أفضل.. وطموح الفراعنة كبير بكأس العالمسباليتي يطلب دياز.. واللاعب يحسم موقفه من يوفنتوس

لم تحمل الرسالة طلبًا تقليديًا يتعلق بالحصول على قميص أو توقيع، بل تضمنت كلمات مؤثرة تكشف مدى تعلق الطفل باللاعب ومتابعته المستمرة لمباريات السويحلي رغم ظروفه الصحية الصعبة.

كان الصغير يقضي ساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون يشاهد مباريات فريقه المفضل ويحلم بلقاء نجمه المحبوب ولو لمرة واحدة. 

ماذا فعل نجم السويحلي الليبي؟

عندما وصلت الرسالة إلى محمد الطبال، لم يتردد في اتخاذ خطوة استثنائية من أجل الطفل، حيث توجه اللاعب في اليوم التالي مباشرة إلى المستشفى بعيدًا عن الأضواء والكاميرات. 

عندما دخل اللاعب غرفة الطفل، لم يتمكن الصغير من إخفاء مشاعره، إذ غلبته الدموع بعدما وجد اللاعب الذي طالما شاهده في المباريات يقف أمامه ويتحدث معه عن قرب.

أمضى الطبال وقتًا طويلًا إلى جانب الطفل، تبادلا الحديث عن كرة القدم والأحلام والطموحات، كما حرص على بث روح التفاؤل داخله، مؤكدًا له أهمية التمسك بالأمل ومواصلة مقاومة المرض، وقبل مغادرته، قدم له قميصه الشخصي موقّعًا باسمه، ووعده بإهداء هدفه المقبل له بطريقة خاصة.

مشهد مؤثر من الملعب

وبالفعل، بعد أيام قليلة، سجل الطبال هدفًا مهمًا مع السويحلي وفي لحظة مؤثرة، توجه نحو الكاميرات ورفع قميصًا يحمل اسم الطفل، في مشهد انتشر بسرعة كبيرة بين الجماهير وأثار موجة واسعة من الإعجاب والتفاعل.

ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، إذ شهدت حالة الطفل الصحية تحسنًا ملحوظًا خلال الأسابيع التالية، وأكد والده أن زيارة اللاعب كان لها أثر نفسي كبير، حيث منحت ابنه قوة إضافية وإصرارًا على مواجهة المرض.

واستمر الطبال في متابعة حالة الطفل والتواصل مع أسرته بشكل دائم، إلى أن جاء اليوم الذي غادر فيه المستشفى، وكانت المفاجأة أن اللاعب استقبله داخل ملعب السويحلي وسط تصفيق الجماهير، في مشهد جسد المعنى الحقيقي لتأثير الرياضة.

طباعة شارك السويحلي الليبي قصة الطبال اللاعب محمد الطبال الدوري الليبي ترند ليبيا

مقالات مشابهة

  • تصعيد بين جماعة القديس بيوس العاشر والفاتيكان بعد الإعلان عن رسامة 4 أساقفة
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • ترامب: المحادثات مع إيران لا تزال مستمرة
  • الرئيس الأمريكي: لا أحد يعلم إلى أين ستقود المفاوضات مع إيران
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • واشنطن : عصر المسيّرات يفرض تهديدا عالميا .. وإيران لا تزال تحتفظ بمخزون كبير
  • 5 فرق تتنافس في نهائيات كأس ليبيا
  • تحرك مالي ضخم يعيد رسم «سوق العملة» في ليبيا
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • ديون الأفراد في تركيا تتجاوز 6.6 تريليون ليرة