سجن فاوستين يفتح جبهة مواجهة بين السلطة والنقابات في تشاد
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
دخلت الأزمة النقابية في تشاد منعطفا جديدا عقب صدور حكم قضائي بسجن رئيس النقابة المستقلة للمعلمين، دجيمودويل فاوستين، لمدة عام مع النفاذ.
هذا الحكم، الذي وصفته الأوساط النقابية بـ "السياسي بامتياز"، لم يعد مجرد قضية قانونية، بل تحول إلى شرارة تهدد بتوسيع رقعة الاحتجاجات في البلد الأفريقي الواقع في منطقة شديدة الاضطراب.
وأصدرت محكمة في العاصمة التشادية نجامينا، قبل ثلاثة أيام حكما يقضي بسجن رئيس النقابة المستقلة للمعلمين في تشاد دجيمودويل فاوستين مدة عام مع النفاذ، بعد إدانته بتهمتي "التمرد" و"الإخلال بالنظام العام".
ووصف محامي فاوستين الحكم بأنه "محاكمة صورية"، وقال إن موكّله "لم يرتكب أي جرم سوى رئاسته لنقابة" مضيفا أن الحرية النقابية حق أساسي لا ينبغي أن يكون محل جدل أو ترخيص.
وحذر المحامي من تدهور صحة فاوستين نتيجة ظروف الاحتجاز منذ اعتقاله يوم السادس من كانون الثاني/ يناير الماضي، وأكد أنه سيتقدم باستئناف على أمل أن تنظر محكمة الاستئناف القضية خلال شهر وتقرر الإفراج عنه.
متى بدأت الأزمة؟
بدأت الأزمة الحالية في الخامس من كانون الثاني/ يناير الماضي، حين أعلنت النقابة المستقلة للمعلمين في تشاد دخولها في إضراب شامل ومفتوح، عقب ما وصفته بـ "تعنت الحكومة" في الوفاء بتعهدات سابقة أُبرمت خلال جولات حوار سابقة.
ولم يكن هذا التحرك وليد اللحظة، بل هو تراكم لسنوات من التوتر بسبب سياسات التقشف التي طالت مخصصات التعليم منذ عام 2016، وفق متابعين.
وتطور المشهد في السادس من كانون الثاني/ يناير، عندما قامت السلطات الأمنية باعتقال رئيس النقابة، دجيمودويل فاوستين، بتهم وُصفت بأنها محاولة لـ "عسكرة النزاع النقابي".
لكن هذا الاعتقال لم يكسر شوكة الإضراب كما كان متوقعاً، بل حول "فاوستين" إلى رمز للمظلومية النقابية، مما أدى إلى تمديد الإضراب حتى الرابع من شباط/ فبراير الجاري، مع تهديدات بالدخول في "عصيان مدني" شامل حال استمرار نهج الملاحقات القضائية للنشطاء النقابيين.
جوهر المطالب
وقد تجاوزت موجة الاحتجاجات الحالية في تشاد مجرد التوقف عن العمل، لتتحول إلى حراك مطلبي شامل يعكس ما يراه متابعون حالة من الإحباط العميق داخل القطاع التربوي.
وتتمحور مطالب "النقابة المستقلة للمعلمين" حول ضرورة تفعيل "المرسوم 2850"، الذي يمثل حجر الزاوية في تحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين، بالإضافة إلى المطالبة بزيادة الرواتب لمواجهة التضخم الجامح وصرف المتأخرات المالية العالقة.
وتتهم النقابات الحكومة بـ "التضحية بالمدرسة التشادية على مذبح اللامبالاة"، مؤكدة أن الإضراب الذي انطلق في أوائل يناير الماضي لم يكن خياراً تصعيدياً بقدر ما كان "صرخة استغاثة" بعد استنفاد كافة سبل الحوار السلمي.
ومع سجن القيادي دجيمودويل فاوستين، اتخذت الاحتجاجات بعداً جديداً يربط بين الحقوق المادية والحريات النقابية، حيث يشدد المضربون على أن العودة إلى الفصول الدراسية مرهونة بتحقيق كرامة المعلم والإفراج الفوري عن قياداتهم، محذرين من "انهيار تربوي" وشيك إذا استمر نهج "التهميش الممنهج" من قبل السلطات.
"منعطف خطير"
ويرى الناشط السياسي والاجتماعي محمد البشير حسن حسن صالح، أنه "لم يعد خافياً أن التعليم في تشاد يمر بمنعطف خطير، ليس بسبب نقص الكفاءات، بل نتيجة السياسات الحكومية التي تتقن فن التسويف وتتعامل مع حقوق المعلمين كأوراق للمناورة السياسية مع بداية كل عام دراسي".
وأوضح في تصريح لـ"عربي21" أن ما يشهده المعلمون من إضراب مستمر ليس ترفاً ولا "تمرداً" كما تحاول الحكومية تصويره، بل هو صرخة استغاثة لمواجهة واقع اقتصادي مرير.
وأضاف: "كيف يستقيم العدل في بلد يتقاضى فيه المعلم - الذي يبني عقول الأجيال - راتباً زهيداً أقل من 800 دولار، وينتهي به المطاف بديون البقالة في نهاية الشهر، بينما ينعم المستشارون والوزراء برواتب فلكية تتجاوز الـ 7000 دولار؟ هذا التفاوت الطبقي الصارخ هو الفساد الحقيقي الذي ينخر في جسد الدولة".
"استراتيجية تخدير"
ولفت حسن صالح، في حديثه لـ"عربي21" إلى أن الحكومة التشادية اعتمد على مدار السنوات الأخيرة "استراتيجية تخدير المعلمين بوعود كاذبة لفك الإضرابات مع انطلاقة العام الدراسي".
وتابع: "لكن الأمر تجاوز الوعود الشفهية في العام الماضي، فقد وقع رئيس الجمهورية مرسوماً رسمياً يقضي بتحسين ظروف المعلمين وزيادة رواتبهم، ولكن انتهى العام الدراسي وبدأ عام جديد والمرسوم حبر على ورق".
وأكد أن المعلمين في تشاد لم يخرجوا اليوم للمطالبة بجديد، بل يطالبون بتنفيذ ما وقعت عليه الدولة بنفسها.
واعتبر أن "التمنع عن تطبيق مرسوم رئاسي يخص المعلم، هو استهتار بهيبة الدولة وبكرامة المعلم أيضاً، لذا فإن قرار النقابة والمعلمين بالاستمرار في الإضراب حتى التنفيذ الفعلي هو الموقف الوحيد المتبقي لاسترداد الحقوق".
"شيطنة قادة العمل النقابي"
وتحدث حسن صالح عن محاولات "شيطنة قادة العمل النقابي" من خلال اتهامهم بالتحريض على التمرد وسجنهم، معتبرا ذلك "أسطوانة مشروخة" تلجأ إليها الحكومات حين تعجز عن تقديم الحلول.
وشدد على أن المطالبة بالحقوق المشروعة ليست خروجاً عن النظام، بل هي قمة الوعي الوطني "فالمعلم الذي يطالب ببيئة عيش كريمة، إنما يحمي مستقبله ومستقبل أبنائنا الطلاب من الانهيار".
أين الحل؟
يعتبر حسن صالح أن الحل لا يكمن في التهديد أو السجون، بل في تطبيق المرسوم الرئاسي فوراً، فالمعلم الذي يقضي شهره في "الاستدانة" ليطعم أطفاله، لا يمكنه أن يقدم علماً أو يبني أمة، بحسب تعبيره.
وتضع قضية سجن دجيمودويل فاوستين الدولة التشادية أمام اختبار حقيقي لمصداقية شعارات الحوار الاجتماعي التي ترفعها.
فبينما تراهن الحكومة على أن الحكم القضائي سيعيد الهيبة لمؤسسات الدولة ويضع حداً لما تصفه بـ "التحريض"، يرى مراقبون أن هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ حيث تحول فاوستين من مجرد قائد نقابي إلى "أيقونة" لحراك أوسع يضم فئات مجتمعية متضررة من السياسات الاقتصادية الحالية.
ومع اقتراب موعد الاستئناف المقرر خلال شهر، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات: فإما أن تغلب لغة العقل عبر تسوية سياسية-قانونية تطلق سراح المعتقلين وتفتح باب المفاوضات المالية، أو أن ينزلق القطاع التربوي نحو "سنة بيضاء" قد تكون تكلفتها السياسية والأمنية أكبر بكثير من تكلفة الاستجابة لمطالب المعلمين.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية تشاد أفريقيا تشاد نقابة المعلمين المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة حسن صالح فی تشاد
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.