ماذا تفعل إسرائيل والولايات المتحدة ما بعد طوفان الأقصى أكتوبر ٢٠٢٣، وماذا تفعل مصر؟...

فى علم العلاقات الدولية؛ تُعدّ نظرية توازن القوى إحدى النظريات السياسية فى حقل العلاقات الدولية، وتفترض أن الاستقرار يتحقق عندما تحافظ القوى المتعارضة الكبرى على مستوى متقارب من القوة، بما يكبح طموحات كل منها تجاه الأخرى.

وترتكز هذه النظرية على المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية، التى ترى أن الدول تسعى بطبيعتها إلى تعظيم قوتها لتحقيق مصالحها الذاتية، وهو ما ينعكس على طبيعة التراتبية داخل النظامين الدولى والإقليمى. وعندما يكون توزيع القوة متوازناً بين الدول الكبرى، فإن ذلك يعزز منطق الضبط المتبادل والأمن الجماعى، إذ لا تستطيع أى دولة أن تنخرط فى سلوك عدوانى دون أن تواجه احتمال الرد من القوى الأخرى. وعلى النقيض، فإن هيمنة قوة واحدة غالباً ما تؤدى إلى عدم الاستقرار واندلاع الصراعات، بالتطبيق على منطقة الشرق الأوسط نجد أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تعملان على نقل نمط الهيمنة الأمريكية أحادية القطبية على المستوى العالمى إلى إسرائيل ليصبح الكيان العبرى هو القطب المهيمن على مستوى الشرق الأوسط.

منذ وعد «بلفور» ١٩١٧ ومحاولات رعاة إسرائيل فى المنطقة لا تنقطع من أجل فرض هذا الواقع، وتجاوز المنطق من أن تصبح دولة صغيرة المساحة ومحدودة السكان هى الطرف المهيمن على إقليم كبير به العديد من القوى الإقليمية المركزية كالشرق الأوسط. ناهيك عن الفواعل المسلحة من غير الدول وحركات المقاومة التى تشكلت لمناهضة هذا الاحتلال الغاصب الأرض، المتجاوز للسيادة، صاحب الأوهام والمخططات التوسعية. لكن الفرصة جاءت على طبق من ذهب فى أكتوبر ٢٠٢٣ للتخلص من هذا المحور، الذى أطلق عليه «محور الإسناد» والمقاومة. فى سياق إقليمى تعانى فيه كل من: سوريا، العراق، اليمن، الصومال، وليبيا، والسودان ضعفا وتراجعا يصل حد الهشاشة فى بعض الحالات. ومع دعم أمريكى مطلق، وتحييد إيران إن لم يكن تلجيم طهران، بدأت المرحلة الأولى من تهيئة الساحة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تغيير معادلات وتوازن القوى الإقليمية فيه لصالح إسرائيل.

فى المقابل تبنت مصر مقاربة مغايرة تماما لمنطق الهيمنة، وعملت على تشكيل محور موازن يمكن أن نطلق عليه «محور الاستقرار» هذا المحور يستند إلى عدد من الركائز؛ حيث مصر والمملكة العربية السعودية ركيزة أولى، ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا ركيزة ثانية، ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر ركيزة ثالثة. ومصر والأردن والعراق ركيزة رابعة، ومصر وتونس والمغرب والجزائر ركيزة خامسة. 

وهكذا راعت التوجهات المصرية بواقعية شديدة واقع إقليم متعدد القوى الإقليمية لا يحتمل منطق القطب الإقليمى الواحد، وانطلقت الرؤية المصرية من قناعة أن منافع التنسيق والتعاون بين تلك القوى أفضل بكثير من تنافسها. ثمار هذا المحور الموازن متعدد الركائز ظهرت فى غزة، وفى التصعيد الأخير ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وليس خافيا على أحد؛ الدور المصرى السعودى، التركى، والقطرية بالتنسيق مع روسيا فى تأجيل الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران، بما حال حتى الآن دون انزلاق الإقليم إلى مواجهة مفتوحة كانت ستصب، فى نهاية المطاف، فى مصلحة مشروع الأحادية الإقليمية الإسرائيلية. وما بين «محور الهيمنة الأمريكى الإسرائيلي» و«محور الاستقرار» بقيادة مصرية يتأرجح مستقبل الشرق الأوسط، بين سلام الهيمنة (الذى يفرضه القهر) وبين سلام الاستقرار (الذى يتطلب توازناً دقيقاً). الخيار الثانى مجهد ويحتاج لنفس طويل، لكنه الوحيد الذى يضمن ألا تظل المنطقة «برميل بارود» ينتظر عود ثقاب.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: د وليد عتلم العلاقات الدولية النظريات السياسية الشرق الأوسط

إقرأ أيضاً:

مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد

عقدت يوم الأول من يونيو جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا بمقر وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، حيث ترأسها السفير نزيه النجاري، مساعد وزير الخارجية للتخطيط السياسي وإدارة الأزمات ونظيره الفرنسي "تريستان أورو".

وزير الخارجية يتوجه إلى طوكيو في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدينخلال لقائه مع قناة كورية.. وزير الخارجية يستعرض تطورات غزة والسودان ولبنان وجهود الإصلاح الاقتصاديوزير خارجية فرنسا: "لا شيء يبرر" استمرار الاحتلال الإسرائيلي للبنانوزير الخارجية لأعضاء الجالية المصرية بكوريا الجنوبية: نعتز بدوركم

تناولت المشاورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، حيث ركزت على تطورات المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب في المنطقة والتطورات الخطيرة في لبنان، وجهود مصر والرباعية في تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد لتجنب الانزلاق إلى الحرب مجدداً، كما تناول الجانبان الآثار الاقتصادية للحرب على دول المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، وحركة الملاحة، وتدفق الاستثمارات، حيث أكدا ضرورة بذل الأطراف المعنية كافة الجهود الممكنة للتوصل إلى حل.

من جانبه، شدد السفير نزيه النجاري على محورية حل القضية الفلسطينية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، باعتبارها القضية المركزية لدى شعوبها، والتي ترتبط بمجمل قضايا المنطقة، مشيراً إلى ضرورة تضافر جهود المجتمع الدولي في الزام الجانب الاسرائيلى بالوفاء بمقتضيات خطة السلام فى غزة والتى تم اقرارها فى قمة شرم الشيخ للسلام العام الماضى، وكذلك لوقف الانتهاكات بحق الفلسطينين في الضفة الغربية.

وقد ثمن الجانب الفرنسي جهود مصر الرامية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة، من خلال سياساتها المتزنة، وأعرب عن تقديره للتشاور الدائم بين البلدين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، في إطار العلاقات المتميزة التي تجمعهما، وخاصة بعد ترفيعها لمستوى الشراكة الاستراتيجية، حيث تبادل الجانبان التقديرات بشأن مستقبل المنطقة، ومستقبل النظام الدولي في ظل الصراعات والتطورات المتسارعة على الساحتين الإقليمية والدولية.

طباعة شارك جولة مشاورات سياسية مصر فرنسا مساعد وزير الخارجية السفير نزيه النجاري

مقالات مشابهة

  • مباحثات مصرية روسية موسعة حول أزمات الشرق الأوسط وتعاون "بريكس"
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وتعززان التنسيق الاستراتيجي بشأن قضايا المنطقة
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • انعقاد جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا الأوضاع في الشرق الأوسط
  • مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
  • الذهب يصعد مع التركيز على التطورات في الشرق الأوسط
  • باراك: ترامب حقق إنجازات «غير مسبوقة» في الشرق الأوسط
  • تراجع نيكي الياباني من قمته القياسية وسط حذر المستثمرين وتوترات الشرق الأوسط