تكريم ثقافي ورؤية سينمائية..تفاصيل عروض اليوم الثاني من "سينمائيات مستقلات"
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
تتواصل عروض ومناقشات برنامج "سينمائيات مستقلات"، الذي تنظمه جمعية "حتحور للثقافة والفنون" بالتعاون مع "سينيفيل" المركز السينمائي المستقل، لليوم الثاني على التوالي بالإسكندرية.
وشهد مساء اليوم السبت عرض فيلم "الخروج للنهار"، بحضور نخبة من النقاد وصناع السينما، وعلى رأسهم المخرج محمد رشاد، الذي تعاون إخراجيًا مع المخرجة وكاتبة السيناريو هالة لطفي آنذاك لصناعته.
وأدار الندوة التي أعقبت العرض الناقد أحمد سعد الدين، مع مناقشة أبعاد الفيلم الفنية، والاحتفاء بدوره البارز والتأسيسي لمفهوم صناعة الأفلام المستقلة بمصر وأهميته لجيل جديد من صناع وجمهور السينما، بعد مرور أكثر من عقد على عرضه الأول.
استهل المخرج المصري محمد رشاد حديثه بالثناء على تجربة تعاونه الفني المثمر محليًا وعالميًا، والذي تكرر لثلاث مرات متتالية، مع المخرجة والمنتجة هالة لطفي مؤسس ومدير "حصالة" أحد أهم الشركات الرائدة في صناعة السينما المستقلة بمصر.
تابع لافتًا إلى أن البداية كانت مع فيلم "الخروج للنهار" كمساعد مخرج، ثم توالت بعمله الرئيسي كمخرج مع الشركة المنتجة، من خلال فيلمي "النسور الصغيرة"، و"المستعمرة"، الذي شارك بالدورة 75 من مهرجان برلين السينمائي الدولي ضمن مسابقة "Perspectives"، واصفًا: "نعمل دومًا بفكرة التعاونية".
أضاف عن أكثر ما يميز رؤيتهم تجاه صناعة السينما البديلة (المستقلة)، واصفًا: "فيلم الخروج للنهار كان أول فيلم برؤيتنا مدعومًا بمبادئ شركة "حصالة"؛ نحن نؤمن بضرورة تبديل الأدوار واختلافها ما بين كل عمل وآخر؛ أي تباين المهام لكل فرد بالمؤسسة ما بين مسؤوليات الإخراج ومساعد المخرج كذلك الإنتاج، وهذا هو العامل الرئيسي لنجاح الشركة ودورها خلال عدة أعوام".
استطرد موضحًا أن نجاح فيلم "الخروج للنهار" عاد على كافة صناعه، متضمنًا بطلته الفنانة دنيا ماهر؛ مجسدًا أولى مراحل تميزها التمثيلية، قائلاً: "الفيلم يشهد على ميلاد نجمة، رغم إنه كان هناك ترشيحًا لممثلة أخرى سبقتها حتى تم الاستقرار على اختيارها، إذ إن مراحل التحضير للفيلم سبق مرحلة انضمامه لفريقه في عام 2010".
واستنادًا لخبرته الثرية، تطرق محمد رشاد لتوضيح الفارق الجوهري بين عمل مساعد المخرج والمخرج بالعمل السينمائي أو الدرامي؛ إذ إن الأول عليه أن يهتم بالتقاط الهنات الإخراجية وليس إعطاء توجيهات لتعديل رؤية الأخير، موضحًا: "لا يمكن أن يقول رأيه لكنه دوره أن يسهل عملية التتفيذ وتحقيق رؤية المخرج حتى ولو لم يقتنع ببعض الأمور فهو ليس معنيًا بتغييرها".
كما شهد اليوم الثاني من البرنامج الثقافي "سينمائيات مستقلات"، تكريم الكاتب والناقد السكندري عبد العزيز السباعي، تقديرًا لمسيرته الفكرية المؤثرة، حيث تسلّم درع جمعية "حتحور للثقافة والفنون" من رئيس مجلس إدارة الجمعية المخرج أحمد رشوان، في لفتة تؤكد على أهمية الاحتفاء برموز الثقافة بموطنهم.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الذي تنظمه جمعية مهرجان برلين السينمائي رموز الثقافة صناعة السينما الشركة المنتجة السينما المستقلة الشركات الرائدة لليوم الثانى على التوالى جمعية حتحور للثقافة والفنون فی رمضان
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026