ناشر صحيفة واشنطن بوست يتنحى بعد تسريحات واسعة للموظفين
تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT
أعلنت صحيفة واشنطن بوست -أمس السبت- تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحفية الأمريكية التي يملكها جيف بيزوس.
وكتب لويس في رسالة إلى الموظفين -نشرها على الإنترنت رئيس مكتب الصحيفة في البيت الأبيض مات فيزر- أنه "خلال فترة ولايتي، تم اتخاذ قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للواشنطن بوست حتى تتمكن لسنوات عديدة قادمة من نشر أخبار عالية الجودة وغير حزبية لملايين القراء كل يوم".
وقال لويس في رسالته إنه بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه.
وتضمنت الخطة التي أعلن عنها الأربعاء الماضي تسريح قرابة 300 صحفي من أصل 800، مما أثار صدمة واسعة، في ظل تنامي التحالف بين بيزوس -مؤسس موقع أمازون- والرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.
وسيحل جيف دونوفريو -الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي- محل لويس، حسب الصحيفة.
وكان لويس، الرئيس التنفيذي السابق لشركة داو جونز والناشر السابق لصحيفة وول ستريت جورنال، قد عُيّن في منصبه في واشنطن بوست عام 2023، حين كانت الصحيفة تعاني خسائر مالية فادحة.
وتولى المنصب خلفا لفريد رايان، الذي شغل منصب الناشر والرئيس التنفيذي لمدة تقارب عقدا من الزمان.
رحيل ضروري
وتعليقا على هذا التطور، قالت النقابات التي تمثل موظفي واشنطن بوست إن رحيل لويس كان ضروريا.
واعتبرت نقابة موظفي واشنطن بوست -في بيان- أن "رحيل لويس تأخر كثيرا"، مشيرة إلى أنه لم يفت الأوان بعد لإنقاذ واشنطن بوست، وأنه "يجب على جيف بيزوس أن يلغي على الفور هذه التسريحات أو يبيع الصحيفة إلى شخص مستعد للاستثمار في مستقبلها".
إعلانوتعرض لويس لانتقادات بسبب غيابه الأربعاء الماضي خلال عمليات التسريح، التي وصفها مارتي بارون، المحرر التنفيذي السابق للصحيفة، بأنها "من بين أحلك الأيام" في تاريخ الصحيفة.
وخلال فترة عمله في واشنطن بوست، أشرف لويس على موجات من تخفيضات الموظفين واضطر إلى التعامل مع خسارة مئات الآلاف من المشتركين بعد أن توقفت الصحيفة عن تأييد المرشحين للرئاسة الأمريكية وحولت تركيز قسم الرأي نحو توجه ليبرالي.
فرصة استثنائيةومن جهته، وصف بيزوس -الذي اشترى الصحيفة عام 2013- تغيير القيادة بأنه "فرصة استثنائية" للصحيفة.
وقال بيزوس، وفقا لصحيفة واشنطن بوست "لدى الصحيفة مهمة صحفية أساسية وفرصة استثنائية، وكل يوم، يقدم لنا قراؤنا خريطة طريق للنجاح".
نزيف متواصلوتعاني واشنطن بوست -المعروفة بكشفها فضيحة "ووترغيت" و"وثائق البنتاغون"، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ عام 1936- أزمة مستمرة منذ سنوات.
وخلال ولاية الرئيس دونالد ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.
وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وفي خريف 2024، امتنعت الصحيفة عن نشر افتتاحية تدعم المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترامب، رغم أنها أيدت المرشحين الديمقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020، وهو ما اعتبره كثيرون محاولة من بيزوس للتقرب من ترامب.
واستحوذ بيزوس -الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ245 مليار دولار، وفقا لمجلة فوربس- على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات صحیفة واشنطن بوست فی واشنطن بوست
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.