في الثامن من فبراير، لا تمر ذكرى ميلاد عبد الرحمن الرافعي مرورًا عابرًا في ذاكرة الثقافة المصرية، فالرجل لم يكن مجرد مؤرخ يسجل الوقائع، بل كان شاهدًا منحازًا، وقلمًا مقاتلًا، وضميرًا وطنيًا رأى في التاريخ ساحة نضال لا تقل شراسة عن ساحات السياسة والثورة. 

المتيني يكشف أسباب تعثر تطبيق قانون التبرع بالأعضاء في مصر: الشهر العقاري وثقافة المجتمعلمنع التجارة بها.

. النائبة أميرة صابر: نحتاج لتغيير ثقافة التبرع بالأعضاء في مصر.. فيديوقصور الثقافة تختتم عروض نوادي مسرح الطفل بشرق الدلتا على مسرح جامعة المنصورةمهرجان أسوان الدولى للثقافة.. عروض فنية في ساحة دخول معابد فيلة.. صور"كلنا جوّه الصورة" مبادرة ثقافية بالإسماعيلية لمواجهة التنمّر وترسيخ ثقافة قبول الاختلاف

ولد الرافعي عام 1889، في لحظة كانت فيها مصر تمور بالاحتلال، وتتشكل فيها بذور الحركة القومية الحديثة، فكان ابن عصره بامتياز، وصوته أحد أكثر الأصوات تعبيرًا عن آلامه وتطلعاته، نشأ عبد الرحمن الرافعي في حي الخليفة بالقاهرة، داخل أسرة عُرفت بالعلم والقضاء، وتنتهي أنسابها – كما تروي المصادر – إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب، كان والده الشيخ عبد اللطيف الرافعي من رجال الفتيا والقضاء، فشب الابن في مناخ ديني وقانوني صارم، يجمع بين الالتزام الأخلاقي والانشغال بالشأن العام، وفي هذا البيت تفتح وعيه الأول، كما تفتحت موهبته المبكرة في القراءة والكتابة، إلى جانب شقيقه أمين الرافعي، أحد أبرز الصحفيين الوطنيين في مطلع القرن العشرين، الذي رحل مبكرًا لكنه ترك أثرًا عميقًا في تكوين عبد الرحمن الفكري والسياسي.

تلقى الرافعي تعليمه في المدارس الحكومية، متنقلًا بين الزقازيق والقاهرة والإسكندرية، حتى أنهى دراسته الثانوية سنة 1904، ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية، التي تخرج فيها عام 1908، في تلك السنوات، كانت الحركة الوطنية بقيادة مصطفى كامل تشهد صعودًا لافتًا، فتأثر الرافعي بأفكارها، وانضم إلى الحزب الوطني منذ تأسيسه، لتبدأ رحلته الطويلة مع السياسة، التي لم تنفصل يومًا عن قلمه ولا عن مشروعه الفكري.

بعد تخرجه، اتجه الرافعي إلى المحاماة، ثم إلى الصحافة حين لبّى دعوة محمد فريد للعمل محررًا في جريدة «اللواء»، لسان حال الحزب الوطني. هناك، تشكلت علاقته الوثيقة بالزعيم محمد فريد، وبدأ صوته يعلو في الدفاع عن الاستقلال، والدعوة الصريحة إلى مقاومة الاحتلال، بل واستخدام القوة في مواجهته، وهي مواقف ستظل سمة أساسية في مسيرته كلها.

لم تدم تجربته الصحفية طويلًا، إذ عاد إلى المحاماة، متنقلًا بين الزقازيق والمنصورة، حيث استقر لسنوات طويلة. وفي تلك الفترة، بدأ مشروعه التأليفي مبكرًا، فأصدر كتابه الأول «حقوق الشعب» عام 1912، واضعًا فيه تصورًا متقدمًا للعلاقة بين الدستور، والحكم الصالح، وحقوق الأمة، ثم أتبع ذلك بكتاب «نقابات التعاون الزراعية» عام 1914، ليكون من أوائل من نادوا في مصر والعالم العربي بالحركة التعاونية، وربط الإصلاح الاقتصادي بالنهوض الريفي والتعليم والتصنيع، في رؤية شاملة سبقت عصرها بسنوات طويلة.

عندما اندلعت ثورة 1919، كان عبد الرحمن الرافعي في قلب الحدث، لم يكتف بالمشاركة السياسية أو الكتابة التحريضية، بل تشير شهادات معاصريه إلى دوره في الجهاز السري للثورة، وإيمانه بأن الاستقلال لا يُمنح بالمفاوضات وحدها، بل يُنتزع بالنضال، وقد اعتبر الرافعي لاحقًا ثورة 1919 أعظم حدث في تاريخ مصر الحديث، لما تركته من آثار سياسية واجتماعية واقتصادية بعيدة المدى.

دخل الرافعي البرلمان لأول مرة بعد دستور 1923، نائبًا عن دائرة المنصورة، وشكّل مع زملائه من الحزب الوطني معارضة قوية داخل مجلس النواب، تولى رئاستها. غير أن تجربته النيابية اتسمت بالتعقيد والصدام، خاصة مع حزب الوفد، وانتهت بانسحابه من العمل البرلماني لسنوات طويلة، ليعود لاحقًا عضوًا في مجلس الشيوخ بالتزكية، ثم وزيرًا للتموين لفترة قصيرة عام 1949، في تجربة أثارت جدلًا واسعًا، بسبب مواقفه السابقة الرافضة للمشاركة في الحكم في ظل الاحتلال.

بعد ثورة يوليو 1952، اقترب الرافعي من النظام الجديد، وشارك في إعداد دستور 1953، وعُيّن نقيبًا للمحامين عام 1954، وهو ما جلب له انتقادات حادة من خصومه، الذين رأوا في ذلك تناقضًا مع تاريخه المعارض، غير أن الرافعي ظل يرى نفسه صاحب رسالة فكرية قبل أن يكون رجل سلطة، ولم يتخلّ عن قلمه ولا عن حضوره في السجال العام.

غير أن الشهرة الحقيقية لعبد الرحمن الرافعي جاءت من بوابة التاريخ. فبعد انسحابه من العمل النيابي، تفرغ لتأليف سلسلته التاريخية الشهيرة، التي بلغت نحو خمسة عشر مجلدًا، أرّخ فيها للحركة الوطنية المصرية منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى خمسينيات القرن العشرين، هذه الكتب، رغم ما وُجه إليها من نقد بسبب انحيازها الواضح للحزب الوطني ومصطفى كامل ومحمد فريد، أصبحت المرجع الأكثر انتشارًا في تاريخ مصر الحديث، وشكّلت وعي أجيال كاملة من القراء.

لم يكن الرافعي مؤرخًا «محايدًا» بالمعنى الأكاديمي الصارم، بل كان مؤرخًا وطنيًا وأخلاقيًا، يرى في التاريخ أداة تربية وبناء وعي، ووسيلة لترسيخ الانتماء والوحدة الوطنية، ورغم وجود مؤرخين كبار في عصره، فإن كتبه بقيت الأوسع تداولًا، لما امتازت به من أسلوب سردي واضح، ونَفَس سياسي صريح، وصدق شعوري انعكس في كتاباته.

نال الرافعي تقدير الدولة في أواخر حياته، وحصل عام 1961 على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، واعتبر اللواء محمد نجيب أن كتاباته كانت من الذخائر الفكرية التي استندت إليها حركة الجيش، وفي ديسمبر 1966، أسدل الستار على حياة امتدت قرابة ثمانية عقود، قضاها الرجل بين النضال والتأليف، تاركًا وراءه تراثًا لا يزال حاضرًا في النقاشات التاريخية والسياسية حتى اليوم.

في ذكرى ميلاده، لا يُستدعى عبد الرحمن الرافعي بوصفه مؤرخًا فحسب، بل بوصفه نموذجًا للمثقف الذي آمن بأن الكلمة موقف، وأن التاريخ ليس سردًا لما كان، بل سؤالًا دائمًا عمّا يجب أن يكون.

طباعة شارك الثقافة المصرية عبد الرحمن الرافعي الحركة القومية الحديثة حي الخليفة بالقاهرة الرافعي

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الثقافة المصرية عبد الرحمن الرافعي حي الخليفة بالقاهرة الرافعي مؤرخ ا

إقرأ أيضاً:

«المستنسخات الأثرية» تستحضر عمق التاريخ السعودي بـ«كوالالمبور»

البلاد (كوالالمبور)
عرضت هيئة التراث ضمن جناح المملكة بمعرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026 مجموعة من المستنسخات الأثرية النادرة، لتُقدّم للزوار تجربة معرفية تستحضر عمق التاريخ السعودي، وتنوّع الحضارات التي ازدهرت على أرض الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.
وتمثل المستنسخات نماذج مختارة من القطع التاريخية المكتشفة في عدد من مناطق المملكة، من بينها نقوش وكتابات حجرية وقطع منحوتة تعود إلى فترات زمنية مختلفة قبل الميلاد، تُجسد ما شهدته شبه الجزيرة العربية من حراك حضاري وثقافي وتجاري تاريخي.
وتأخذ المستنسخات الزوار في رحلة عبر محطات تاريخية متعددة، تشمل نماذج لكتابات ونقوش أثرية من مناطق المدينة المنورة وتبوك والحدود الشمالية، إلى جانب قطع حجرية مزخرفة تجسد الفنون والنقوش القديمة التي عُرفت بها الحضارات العربية المبكرة، مما يُبرز مكانة المملكة بوصفها ملتقىً للحضارات ومركزًا للطرق التجارية القديمة.
ويشمل الركن عرض فيلم وثائقي عن مدينة الفاو الأثرية، يسلط الضوء على تاريخها ومكانتها الحضارية، إلى جانب شاشة رقمية تفاعلية تستعرض مواقع أثرية من مختلف مناطق المملكة.
ويحظى العرض بإقبال واسع من المهتمين بالتاريخ والتراث، في إطار الحضور السعودي الثقافي المكثف الذي تقوده هيئة الأدب والنشر والترجمة خلال أيام المعرض المتواصلة حتى السابع من يونيو الجاري.

مقالات مشابهة

  • «المستنسخات الأثرية» تستحضر عمق التاريخ السعودي بـ«كوالالمبور»
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • في ذكرى ميلاده.. محطات بارزة في حياة الفنان محمود ياسين وأشهر أعماله الفنية
  • شلل جوي كامل في بلجيكا بعد إضراب مراقبي الحركة الجوية وتعليق جميع الرحلات
  • "مصر للطيران" الناقل الوطني المصري تواصل جسرها الجوي لعودة ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام
  • في ذكرى ميلاده.. قصة زواج محمود ياسين وشهيرة
  • اقتراح برغبة بشأن تدشين حملة قومية للكشف المبكر وعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)
  • في ذكرى ميلاده.. رحلة مرض مؤلمة أنهكت يونس شلبي وأجبرت أسرته على بيع ممتلكاتها للعلاج