لندن «د.ب.أ»: كرة القدم ليست مجرد أرقام تسجل أو بطولات ترفع، بل هي في جوهرها رحلة بحث دائمة عن التقدير، وهذا بالضبط ما يجمع اليوم بين أسطورتين من طراز فريد: البرتغالي كريستيانو رونالدو والمصري محمد صلاح.

وفي الوقت الذي يعيش فيه الدوري السعودي للمحترفين حالة من الحراك العالمي غير المسبوق، تظهر ملامح مرحلة انتقالية كبرى بدأت شرارتها بتقارير صحيفة "ذي ميرور" البريطانية حول ما يشبه "الإضراب" من جانب رونالدو في نادي النصر السعودي، تزامنا مع الأنباء التي تؤكد أن صلاح قائد منتخب مصر بات المرشح الأول ليكون الواجهة الجديدة للمشروع الرياضي السعودي، في سيناريو يمزج بين الطموح الفني والرغبة في نيل التقدير الذي يليق بالنجوم الكبار.

كان رونالدو هو حجر الزاوية الذي بنيت عليه السمعة العالمية الحالية للدوري السعودي، فمنذ لحظة وصوله نجح في جذب أنظار الملايين وتحويل المسابقة إلى مادة دسمة للقنوات العالمية. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى وجود حالة من التوتر ناتجة عن شعور النجم البرتغالي بأن ناديه لم يقم بالتدعيمات الكافية التي تواكب طموحاته التنافسية، مما أدى لغيابه عن بعض المباريات الهامة.

وتشير "ذي ميرور" إلى أن غياب رونالدو عن المشاركة في آخر مباراتين للنصر لم يكن مجرد قرار فني عابر، بل جاء كمؤشر ملموس على حالة التوتر المتصاعدة بين النجم البرتغالي وإدارة النادي، بعد أن أبدى الهداف التاريخي للمنتخب البرتغالي استياءه من السياسة التعاقدية للفريق، ليفتح هذا الغياب المفاجئ باب التكهنات حول مستقبله في الدوري السعودي، خاصة مع تشديد رابطة الدوري على أن سيادة الأندية وقراراتها الاستراتيجية تظل فوق رغبات أي لاعب مهما كان حجم نجوميته، مما جعل "إضراب" رونالدو نقطة تحول قد تعجل برحيله.

هذا الاستياء ليس مجرد خلاف عابر، بل هو تعبير عن رغبة لاعب أسطوري في أن تعمل المنظومة من حوله بنفس الشغف والجودة التي يقدمها، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع التوجهات الجديدة للمسابقة التي تسعى لترسيخ العمل المؤسسي الجماعي فوق النجومية الفردية.

والمثير للدهشة في هذا المشهد هو أن صلاح، الذي يخطط الدوري السعودي لجلبه كخليفة استراتيجي لرونالدو، عانى من مصير مشابه إلى حد كبير في ليفربول، فخلال الأشهر الماضية، سادت حالة من الإحباط لدى النجم المصري تجاه إدارة ناديه بسبب التأخر في تقديم عرض تجديد يتناسب مع حجم إسهاماته التاريخية.

محمد صلاح، الذي تجاوز حاجز الـ 250 هدفا مع ليفربول والذي يواصل تحطيم الأرقام القياسية في الدوري الإنجليزي، وجد نفسه أمام إدارة تتردد في تلبية مطالبه بحجة تقدمه في العمر، وهو نفس الشعور الذي واجهه رونالدو في محطاته الأخيرة في أوروبا؛ شعور بأن النادي يغلب الحسابات المادية على التقدير المعنوي والتاريخي للاعب لا يزال يقدم أداء مذهلا.

ويرى البعض أن انتقال النجم المصري إلى الدوري السعودي خطوة منطقية ومثالية للطرفين، فالسعودية تبحث عن لاعب في قمة عطائه البدني والفني ليكون الوجه الجديد لمشروعها، وصلاح يبحث عن بيئة تقدر قيمته كأيقونة عالمية وتمنحه التقدير الذي يفتقده حاليا في ليفربول.

وتشير التقارير إلى أن العرض السعودي المجهز لصلاح لا يتوقف عند كونه راتبا فلكيا قد يصل إلى ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه حاليا في ليفربول، بل يمتد ليكون مشروعا متكاملا يحول "الملك المصري" إلى سفير عالمي للرياضة في المنطقة العربية، وهو تقدير يتجاوز مجرد كونه لاعبا في تشكيلة الفريق.

إن التحول النوعي الذي يسعى إليه الدوري السعودي الآن يتمثل في الانتقال من مرحلة "التأسيس بالأساطير" إلى مرحلة "الاستقرار مع النجوم العالميين الحاليين"، فقد أدى رونالدو مهمته بنجاح باهر؛ إذ وضع الأساس ورفع سقف التوقعات وجعل من الدوري السعودي وجهة جاذبة للجميع. والآن، يبدو أن الوقت قد حان لصلاح ليحمل الراية، خاصة وأنه يمتلك ميزة إضافية بكونه أيقونة عربية تملك تأثيرا مضاعفا في قلب العالم العربي وفقا لما ذكرته صحيفة "ذي ميرور" البريطانية.

ومع استمرار الضبابية حول مستقبل رونالدو وإمكانية عودته إلى أوروبا أو بحثه عن تحد جديد، يظل الهدف السعودي واضحا وهو الحفاظ على الزخم العالمي ورفع جودة التنافس، وهو ما يضمنه وجود لاعب بحجم صلاح الذي لا يزال يسجل 34 هدفا ويصنع 23 تمريرة حاسمة في الموسم، مؤكدا أنه القطعة الأهم في مستقبل كرة القدم السعودية المشرق.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الدوری السعودی

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • صدمة داخل الزمالك .. تفاصيل جديدة عن عقوبة إيقاف القيد لفترتين
  • جوارديولا يغلق الباب أمام الدوري السعودي ويتمسك بمواصلة مشواره الأوروبي
  • الأهلي السعودي ينقذ الزمالك من إيقاف الفيفا التأديبي| إيه الحكاية؟
  • الخلوق والحريف منتظرينك..خالد الغندور يوجه رسالة إلى وليد صلاح الدين
  • محمد صلاح يوافق على الانضمام للدوري السعودي بثلاثة شروط
  • محمد صلاح يحدد 3 مطالب للانتقال إلى الدوري السعودي
  • بالأرقام.. إنجاز تاريخي في المونديال يرسخ مكانة الدوري السعودي عالميًا
  • كواليس جديدة.. ماذا طلب محمد صلاح للانتقال إلى الدوري السعودي؟
  • حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟