في مسار الجماعات المتطرفة والمنغلقة، تأتي لحظة الاعتراف دائمًا متأخرة، بعد أن تكون الأوهام قد ترسخت، والفرص قد ضاعت. وحين تبدأ الحقيقة في الظهور، تنهار الصورة التي بنتها هذه الجماعات لتبرير نفوذها وإقناع أتباعها بشرعيتها. في هذا السياق، جاءت اعترافات القيادي الإخواني مراد محمد علي، المستشار الإعلامي السابق لحزب "الحرية والعدالة" المنحل، وأحد أبرز مهندسي الدعاية الإخوانية عقب أحداث يناير 2011، لتكشف عن كواليس ما دار بين كبار قيادات التنظيم داخل السجون حول تجربتهم في الحكم.

في الخامس والعشرين من يناير 2026، كتب القيادي الإخواني مراد محمد علي منشورًا عبر الفيسبوك، يعترف فيه بأنه خلال شهر يناير 2015 شارك داخل السجن في ورشة عمل مع آخرين من قيادات الجماعة، المحبوسين على ذمة قضايا إرهابية، لإعادة قراءة ما جرى في يناير 2011، وادعى أن المناقشات كانت تتم بينهم من خلال نوافذ ضيقة من الزنازين، وأسفرت المداولات عن الإقرار بأن قيادات الجماعة كانت تعاني من قصور في فهمها لطبيعة الدولة المصرية، فلم تكن تدرك على نحو كافٍ تعقيدات الدولة ولا آليات عملها.

كما أقر بأن ما كان يسمى "القوى السياسية" كافة، بما فيها "الإخوان"، افتقروا إلى كثير من المعارف والمهارات والخبرات اللازمة لإدارة الدولة المصرية. وعندما ركزت القوى المختلفة على هدف إسقاط الرئيس مبارك، لم تكن لديهم خطة تفصيلية لكيفية إدارة الدولة أو بديل اقتصادي وسياسي جاهز للتطبيق. وأكد أن الجماعة ومن شارك معها في اتخاذ قرار استمرار اعتصام رابعة بعد الثالث من يوليو 2014، لم يستجيبوا لكل الجهود التي بذلها عدد من الشخصيات المصرية ومسؤولين عرب وأجانب لإقناعهم بفض الاعتصام، وأقر بأن قيادات الجماعة أخطأت تقدير الموقف.

هذه الاعترافات الصريحة لم ترد في منشور واحد، ولكن تكررت في عدة منشورات متباعدة كتبها وسجلها مراد محمد علي في فيديوهات متداولة بين أعضاء التنظيم الغاضبين، وكانت صادمة لآخرين من حلفائهم الذين عبروا عن دهشتهم من اعترافات "الإخوان" التي جاءت بعد فوات الأوان.

لعل الأكثر إثارة في هذه الرواية هي أسماء المشاركين في تلك الورشة، وجميعهم من أصحاب القرار في الجماعة: خيرت الشاطر، وعصام العريان، وحسام أبو بكر، ورشاد بيومي، وسعد الحسيني، ومصطفى الغنيمي، وأيمن هدهد، وأسعد الشيخة، وآخرون. باختصار، هم نُخبة "فريق مرسي الرئاسي"، وصفوة قيادات مكتب الإرشاد، وأبرز وجوه حزب "الحرية والعدالة"، الذراع السياسي الإخواني المنحل. أي أن الذين كانوا يُصدرون القرارات ويرسمون الخطط ويديرون نظام الحكم يجتمعون ليس في قصر رئاسي أو وزارة، ولكن بين أسوار السجن، ليكتشفوا متأخرين أنهم لم يفهموا الدولة التي أرادوا قيادتها.

تسريبات مراد محمد علي، تعود بنا إلى منشور آخر عبر الفيسبوك بتاريخ 21 نوفمبر 2025، قال فيه: "أتذكّر ما قاله لي المهندس خيرت الشاطر في فبراير 2012، أن احتمالات الفشل في إدارة الدولة أكبر بكثير من فرص النجاح"، وأضاف: "كانت هذه القناعة قائمة لديه وربما لدى بعض قيادات الجماعة والحزب، لكنها لم تُترجم إلى خطاب صريح مع الشعب، ولا إلى خطة داخلية تُعِدّ الصفّ الداخلي لمواجهة التحديات التي تنتظرهم". واللافت أن صاحب هذه الاعترافات، مراد محمد علي نفسه، هرب إلى خارج مصر بعد أن قضى نحو أربع سنوات في السجن، وخذل "الإخوان" داخل السجن وخارجه.

هذه الاعترافات ليست مجرد إقرار صريح بأخطاء تكتيكية، ولكن هي نعي ذاتي متأخر لمشروع إخواني مات في المهد، صاغته عقود من العزلة الفكرية والاستعلاء الإيماني والسياسي. ويأتي مراد علي، كشاهد من الداخل، ليهدم بيده تمثالًا كان يقف في ساحة العقل الجماعي الإخواني، ويزعم أنهم يمتلكون "صفوة العقول العلمية وأصحاب الخبرات السياسية والاقتصادية"، الذين كتبوا "مشروع النهضة" السحري الوهمي وأعلنوا أن لديهم الكثير من الحلول لكل مشاكل المواطن "في أقل من مائة يوم". الاعتراف بأنهم كانوا يفتقرون إلى "المعارف والمهارات والخبرات اللازمة لإدارة الدولة" هو إعلان إفلاس لتلك الدعاوى المتغطرسة. لقد باعوا الوهم لمن يصدقهم من غير أعضاء التنظيم، وباعوا لأنفسهم الوهم الأكبر أولًا.

وهنا تكمن القسوة التي تبرر الدعوات المتكررة من داخل الجماعة إلى عزل هؤلاء القيادات من أي موقع صغير أو كبير. ليس فقط لأنهم كانوا يكذبون على الشعب، ولكن لأنهم خدعوا أعضاء الجماعة قبل غيرهم، وجرّوهم، بوعي أو بدون وعي، إلى هاوية المصير الذي آل إليه التنظيم ومن سار على دربه.

لذلك، يعترف الكثيرون من أبناء الجماعة بأن عزل مرسي وإبعاد قيادات الكواليس عن حكم مصر كان مستحقًا ولم يظلمهم أحد.فلم يفشلوا بعدم منحهم "فرصة" كافية، كما يزعم عدد من قيادات تسويق الأوهام، ولكن كان فشلهم عضويًا نابعًا من البنية الفكرية والتنظيمية ذاتها التي تجمع بين عقلية الجماعة السرية المنغلقة، ووهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وغياب أبجديات إدارة الدولة الحديثة.

ومن هنا، تتكرر بين الحين والآخر الدعوات الإخوانية التي تطالب بحل هذه الجماعة ومنعها من ممارسة العمل السياسي في أي دولة. ليس انتقامًا من أحد، بل رحمةً بالمتورطين فيها أولًا. فاستمرار الجماعة في ترويج المخدرات الفكرية والأوهام، حتى بعد اعترافات قادتها التاريخيين، هو شكل من أشكال العناد الذي يضحي بالأفراد في مذبح بقاء التنظيم.

هذه هي العقول الإخوانية التي نشأت في الظل، فأتقنت الخطاب المزدوج، وعاشت في "واقع موازٍ" من صنعها، يزدحم بالمؤامرات المزعومة والبطولات الوهمية. نفسيًا، يقوم هذا التكوين على "عقدة المُنقذ" التي تدّعي امتلاك مشروع وحيد للخلاص، بما يلغي أي مساحة لحوار حقيقي مع الآخر. وسياسيًا، يعكس ذلك فشلًا عميقًا في فهم طبيعة الدولة.

لقد اختزلوا الدين في جماعتهم، والسياسة في الهيمنة، وكانت النتيجة انهيارًا حتميًا، ثم اعترافات صريحة متأخرة تنعي تجربة كان الفشل مكتوبًا عليها منذ البداية، لأنها قامت على أوهام كبرى، وخدعة كانت مكشوفة لكل من يعرف حقيقة التنظيم الإخواني الإرهابي.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: قیادات الجماعة مراد محمد علی

إقرأ أيضاً:

تدشين ورشة خاصة بالقافلة الإرشادية للعلماء والمرشدين بريمة بذكرى يوم الولاية

الثورة نت/..

دشنت السلطة المحلية والتعبئة بمحافظة ريمة، اليوم، ورشة خاصة بالقافلة الإرشادية للعلماء والثقافيين والمرشدين والتربويين بمديريات المحافظة، بذكرى يوم الولاية تحت شعار “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

تهدف الورشة التي حضرها عضو مجلس الشورى منصور المنتصر ومسؤول التعبئة بالمحافظة محمد النهاري ومسؤول قطاع التربية بالمحافظة يعيش الضبيبي، إلى تعزيز دور العلماء والمرشدين والتربويين في مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام والجعفرية والسلفية ومنطقة بني الضبيبي بالجبين، بأهمية إحياء الذكرى، وترسيخ الهوية الإيمانية.

وفي التدشين، أشارت الكلمات، إلى أهمية دور العلماء والمرشدين في ترسيخ القيم الإيمانية في أوساط المجتمع، مستلهمين من الذكرى الدروس والعبر في السير على نهج الإمام علي عليه السلام في مواجهة التحديات وإفشال مخططات الأعداء.

وأوضحت أن إحياء الذكرى محطة مهمة لتجديد الولاء لله ورسوله ولأعلام الهدى، والتمسك بالقيم والمبادئ التي ضحّى من أجلها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في نصرة الحق وإرساء قيم العدالة.

وحثت الكلمات، المشاركين على بذل المزيد من الجهود في الميدان، وتكثيف الأنشطة التوعوية والإرشادية بما يسهم في تحصين المجتمع وتماسك الجبهة الداخلية، ومواصلة الصمود والتعبئة في مواجهة قوى الاستكبار العالمي.

مقالات مشابهة

  • مؤتمر بالبرلمان الأوروبي يشيد بالنموذج الإماراتي في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية
  • وزير العدل يستقبل قيادات الوزارة ومنسوبيها للتهنئة بعيد الأضحى
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • تدشين ورشة خاصة بالقافلة الإرشادية للعلماء والمرشدين بريمة بذكرى يوم الولاية
  • عبر منصة البورصة.. ورشة عمل موسعة للتوافق على الإجراءات التنفيذية لتداول السكر
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة
  • كريم عبدالعزيز: أحلم بتقديم «اللص والكلاب».. ونجيب محفوظ سبق عصره
  • جدل في الهند بعد إزالة تمثال ميسي العملاق.. قرار أمني يثير تساؤلات حول التنظيم والسلامة