لقب ميسي الجديد: وسام أم لعنة تلاحق المواهب الكروية؟
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
لطالما كان لقب "ميسي الجديد" وساما يطارد المواهب الصاعدة حول العالم، لكنه بمرور الوقت تحول من مديح فاخر إلى "لعنة" حقيقية أثقلت كاهل الكثيرين، وانتهى بهم المطاف في غياهب النسيان أو في أندية متواضعة بعد أن عجزوا عن مجاراة إرث الأسطورة الأرجنتينية.
بدأت فصول الحكاية بوضوح عقب رحيل ميسي عن قلعة "كامب نو" عام 2021؛ حينها ورث الشاب أنسو فاتي القميص رقم 10، وتوقع منه كثيرون أن يكون خليفة "البولغا"، لكن الإصابات وضغوط التوقعات حطمت أحلامه، ليجد نفسه خارج حسابات المدرب هانسي فليك ومعارا إلى موناكو، باحثا عن ذاته بعيدا عن صخب المقارنات.
حاليا يحمل الرقم ذاته لامين جمال موهبة برشلونة الذي لا تتوقف الصحافة والمشجعون وحتى المختصون عن تشبيهه بالأسطورة الأرجنتينية الجديد ويتساءلون: هل سيكون ميسي الجديد؟
فاقت أرقام لامين جمال أرقام ميسي في نفس العمر، حيث سجل 21 هدفًا وقدم 33 تمريرة حاسمة في أول 100 مباراة مع برشلونة، مقارنة بـ 41 هدفًا و14 تمريرة حاسمة لميسي.
وبينما يواصل جمال نثر سحره في الملاعب تضع هذه المقارنات الكثير من العبء على اللاعب الذي يحمل آمال برشلونة.
لكن وإن كانت المقارنة لا تزال مبكرة نظرا لتاريخ ميسي الأسطوري الطويل، فإن الأمر يتوقف على الثبات في الحفاظ على مستواه والنضج في التعامل مع ضغوط الشهرة.
ما يبدأ كإشادة بمهارة لاعب شاب، سرعان ما يتحول إلى ضغط نفسي هائل يضعه تحت مجهر الرقابة الصارمة مع كل لمسة للكرة.
هذه المقارنة مع أسطورة مثل ميسي الذي حطم الكثير من الأرقام القياسية، جعلت من الصعب على الكثير من المواهب الشابة تطوير هويتهم الخاصة فوق الميدان، مما أدى إلى:
الانهيار تحت الضغط: توقعات الجماهير والإعلام تفوق قدرة اللاعب الشاب على النضج الطبيعي. فقدان الهوية الكروية: محاولة تقليد أسلوب "البرغوث" بدلاً من التركيز على نقاط القوة الشخصية. التراجع الذهني: الإحباط السريع عند الفشل في تحقيق أرقام إعجازية مشابهة في سن مبكرة. إعلانيقول بيب غوارديولا مدرب مانشستر سيتي حاليا وبرشلونة السابق -الذي عاصر صعود ميسي، وكان دائما يحذر من هذه التسميات- في أحد المؤتمرات الصحفية: "نصيحتي للجميع: لا تحاولوا البحث عن ميسي القادم، لأنه غير موجود. المقارنة مع ليو هي أسرع طريقة لحرق أي موهبة صاعدة. دعوا الصغار يستمتعون بكرتهم، فميسي حالة استثنائية لن تتكرر قبل مائة عام".
أما أرسين فينغر مدرب أرسنال التاريخي ومدير التطوير في "فيفا" فيقول: "المشكلة في لقب ميسي الجديد أنها تسحب الضوء من العمل الشاق وتضعه على التوقعات الخيالية. اللاعب الشاب يبدأ في محاولة تقليد ميسي في مراوغاته بدلاً من تطوير أساسياته الكروية الخاصة، وهذا يدمره فنياً ونفسيا".
تشبيه يقتل الموهبةبدوره يوضح دان غولد المختص في علم النفس الرياضي، الجانب النفسي لهذه "اللعنة" قائلا: "عندما يُمنح لاعب شاب لقب أسطورة حية، فإن عقله الباطن يبدأ في الخوف من ارتكاب الأخطاء لأن ميسي لا يخطئ. هذا الخوف يشل الإبداع، وبدلا من اللعب بحرية، يلعب الشاب تحت ضغط تجنب ‘خيبة الأمل’ تجاه الجمهور الذي ينتظر منه المعجزات".
في المقابل وجه باولو دي كانيو (لاعب ومدرب سابق) سهام نقده للإعلام الذي يتحمل بحسبه جانبا من وزر ما لحق بهذه المواهب قائلا "الإعلام يحتاج إلى عناوين براقة، لذا يبيعون للناس ميسي الجديد كل ستة أشهر. لكن كرة القدم ليست نسخاً كربونية. هذه التسميات تقتل التواضع لدى اللاعب وتجعله يعتقد أنه وصل للقمة قبل أن يسجل هدفه العاشر في الاحتراف".
ضحايا "اللقب الفتاك"طارد هذا اللقب أسماء كثيرة في مختلف دول العالم؛ من بويان كركيتش في برشلونة، إلى ماركو مارين (ميسي ألمانيا)، وألن هاليولوفيتش، وصولا إلى عشرات المواهب في الأرجنتين والبرازيل. لكن القليل منهم فقط استطاع الحفاظ على مسيرة متوسطة، بينما انطفأ وهج الأغلبية في مسابقات مغمورة.
لقد أثبتت التجارب أن لقب "ميسي الجديد" ليس سوى فخ إعلامي، يبيع الأوهام للجماهير ويحرق موهبة اللاعبين قبل أن تبدأ.
في تصريحات مؤثرة لصحيفة "الغارديان"، لخص بويان الأزمة قائلا: "عندما كان عمري 17 عاماً، قالوا إنني ميسي الجديد. لم تكن تلك مجرد مقارنة، بل كانت حملاً ثقيلاً لم أستطع التنفس معه. الناس لا يدركون أن المقارنة تقتل التطور الطبيعي للاعب، وتجعله يشعر بالفشل لمجرد أنه إنسان طبيعي وليس فضائياً".
أشهر ضحايا لقب ميسي الجديد بويان كركيتش (برشلونة): اعتزل مبكراً بسبب الضغوط النفسية. ماركو مارين (ميسي ألمانيا): تنقل بين أندية كثيرة دون ترك بصمة دائمة. ألن هاليولوفيتش (ميسي كرواتيا): فشل في إثبات نفسه في الأندية الكبرى. إيريك لاميلا (ميسي الجديد في ريفر بليت): عانى من إصابات وضغوط المقارنة. منير الحدادي (ميسي الجديد في لاماسيا): لم يحقق التوقعات العالية التي وُضعت له وانتهى به المطاف في ليغانيس. إنسو فاتي (برشلونة) خرج من حسابات هانسي فليك ويلعب معارا في موناكو.الآن، جاء الدور على موهبة أرسنال الصاعدة، ماكس دومان الذي يصر المدرب ميكيل أرتيتا على إطلاق اسم "ميسي الجديد" عليه، فهل يخالف التوقعات وينجو من لعنة المقارنة بالأسطورة الأرجنتينية؟
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات میسی الجدید الکثیر من
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.