صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-02@23:32:00 GMT

بِكَم بِكَم.. قَحّاطة باعوا الدَّم!

تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT

بِكَم بِكَم.. قَحّاطة باعوا الدَّم!

بِكَم بِكَم.. قَحّاطة باعوا الدَّم!

إبراهيم هباني

في السياسة، كما في علم النفس، لا تكفي النوايا الحسنة لفهم السلوك. أحياناً نحتاج إلى تشخيص أكثر دقة يفسر، كيف يمكن لضحايا آلة القتل أن يتبنّوا خطاب جلّاديهم؟ وكيف يرفع لاجئون فرّوا من مجازر حكومةٍ وجيش وميليشيات الإخوان شِعاراً يتّهم الآخرين ببيع الدم، بينما كان الدم نفسه هو ما دفعهم إلى الهروب؟

اللافت أنّ الشعار الإخواني “بِكَم بِكَم… قَحّاطة باعوا الدّم” لم يولد من وقائع، بل من حاجةٍ دائمة إلى عدوّ يبرر  الفشل ويُغطّي الجريمة.

الجديد، والمثير للسخرية، أن الشعار نفسه صار يُستعمل اليوم في شوارع أوروبيّة، على ألسنة من طلبوا الحماية من آلة الحرب والتعسف..، ثم عادوا ليهاجموا القوى المدنيّة كلّما اقتربت خطوة من مسعى دولي لإيقاف الحرب العبثيّة.

ولتفكيك هذا الشعار، لا بدّ من وضعه في سياقه الحقيقي. فالمقصود به، في الأصل، دماء ضحايا مجزرة فضّ الاعتصام أمام القيادة العامّة للجيش، التي وقعت في ظلّ حكم المجلس العسكري الانتقالي. وهي واقعة لم تعد محل جدل أو تأويل، بعدما أقرّ الناطق باسم المجلس حينها، في مؤتمرٍ صحفي نُقل عبر التلفزيون السوداني وتناولته وسائل الإعلام العالميّة، بأنّ المجلس وقياداتٍ أمنيّة وقوّات الدعم السريع والنائب العام أقرّوا قرار فضّ الاعتصام، وحدث ما حدث.

من هنا، فإن توجيه الشعار اليوم ضدّ قوى مدنيّة تطالب بوقف الحرب والمساءلة لا يعكس شجاعةً سياسيّة، بل قلباً صريحاً للوقائع، ومحاولةً لإعادة تدوير المسؤوليّة.

المشهد، بعد ذلك، يصبح أكثر وضوحاً.

قوى مدنيّة تحاول، بما تبقّى من أدوات، وقف نزيف بلدٍ يتآكل، وحماية كرامة شعبٍ يتكدّس في مخيّمات النزوح. في المقابل، أصوات تتّهم هذه القوى ببيع الدم، بينما الدم المسفوح في دارفور، وجبال النوبة، والخرطوم، والجزيرة، وسنّار، لا يزال بلا عدالة وبلا اعتذار.

دارفور ليست هامشاً عابراً في هذه القصّة. هي جزءٌ أصيل من نهضة السودان ووحدته، وقدّمت الغالي والنفيس من أجل الوطن الواحد. كما أنّ السودان، في هذه المحنة، لا يتجزّأ: من الثغر العزيز حيث سِيَر البطولة، إلى جبال النوبة، إلى سنّار رمز الدولة، إلى الشمال المنشدّ للحرّية، إلى الوسط الذي شهد له التاريخ منذ تحرير الخرطوم ومعركة النهر. هذه ليست جغرافيا شعارات، بل ذاكرة تضحيات.

وحين ترتفع أصوات التشويش من هنا وهناك، فلن تُغيّر كثيراً ، ما يفعله بعض الزعامات، وما يقوله بعض الساسة، لن يمحو بطولات أهل الشرق، ولن يشطب مجد الأنصار، ولا دماء الأبطال من قائمة الشرف الوطني. التاريخ عنيد؛ لا يُعاد كتابته بمن يصرخ أكثر، بل بمن يثبت أكثر.

المفارقة الأقسى أنّ الذين يتبنّون خطاب الجلّاد اليوم يظنّون أنّهم يمارسون سياسة. والحقيقة أنّهم يقعون فيما يمكن تسميته، بلا قسوة، متلازمة ستوكهولم السياسيّة: تماهٍ مع القوّة التي آذتهم، وتبرير لها، وعداء لمن يحاول كسر الدائرة. إنّها ليست شجاعة، بل حيرة؛ وليست موقفاً بل هروباً من مواجهة الحقيقة.

الحقيقة، باختصار، أنّ هؤلاء أصبحوا عبئاً. على وحدة شعبٍ رائد وملهم. لا يمثّلونه، ولا يعبّرون عن أوجاعه، ولا يقدّمون حلًّا. أمّا قطار الثورة والوعي السوداني، فماضٍ بهدوءٍ وصبر إلى محطّته الأخيرة: تأسيس وطنٍ حرّ ديمقراطي عادل، لوطن لا يُدار بالشعارات الزائف ، ولا تُباع فيه الدماء أصلًا، لأن الحرب نفسها تكون قد توقفت.

الوسومإبراهيم هباني السودان السياسة المحاسبة النوايا الحسنة علم النفس قحاطة قوى مدنيّة مجزرة فض الاعتصام وقف الحرب

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: السودان السياسة المحاسبة النوايا الحسنة علم النفس قحاطة قوى مدني ة مجزرة فض الاعتصام وقف الحرب

إقرأ أيضاً:

الاستشاري: بناء الدولة على طاولة تكالة واللافي

استقبل رئيس مجلس الدولة الاستشاري، محمد تكالة، اليوم الإثنين الموافق 1 يونيو 2026، نائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، بمقر المجلس في العاصمة طرابلس.

وبحسب بيان تكالة، تناول اللقاء مستجدات المشهدين السياسي والأمني في البلاد، حيث جرى تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الراهنة، وبحث السبل الكفيلة بتعزيز حالة الاستقرار الوطني وترسيخ أسس التوافق بين مختلف الأطراف الليبية، بما يسهم في دعم مسار التسوية السياسية الشاملة.

كما ناقش الجانبان آليات الدفع بالعملية السياسية نحو مراحل أكثر تقدماً، وصولاً إلى توافق وطني جامع يُفضي إلى إنهاء المراحل الانتقالية، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية تستجيب لتطلعات الشعب الليبي في بناء مؤسسات مستقرة وفاعلة، وفق البيان.

وأكد اللقاء أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بين مؤسسات الدولة، بما يعزز وحدة الموقف الوطني ويسهم في بلورة حلول واقعية ومستدامة للأزمة السياسية، ترتكز على الأطر الدستورية والقانونية، وتحفظ سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وتخدم المصلحة الوطنية العليا، بما يرسخ الأمن والاستقرار ويدعم مسيرة بناء الدولة، وفق قوله.

مقالات مشابهة

  • نتائج صادمة.. أدوية لعلاج فقر الدم تظهر فعالية غير متوقعة في محاربة الأورام
  • اعتماد برنامجين تدريبيين لسرطان الدم بمركز أورام طنطا من المجلس الصحي المصري
  • بعد لحمة العيد.. مشروب يساعد على طرد حمض اليوريك وخفض الضغط
  • غزة: دخول 4 شاحنات غاز اليوم وتوزيعها على أكثر من 10 آلاف مستفيد
  • محافظ الشرقية يُتابع انتظام الخدمات المقدمة للمترددين على مستشفى أبو كبير المركزي
  • بيسكوف يطرح طريقة لإنهاء العملية العسكرية الروسية بحلول نهاية اليوم
  • رجي بحث مع عربيد ملف الانتشار اللبناني وتعزيز التعاون الاقتصادي
  • باعوا السيارات بمستندات مزيفة.. تأجيل محاكمة «مافيا التوكيلات المزورة» لـ 10 يونيو
  • الاستشاري: بناء الدولة على طاولة تكالة واللافي
  • البنجر على مائدتك بانتظام.. ماذا يفعل بمستويات ضغط الدم؟