نحن الذين لم نمت بعد.. قصص توثق مأساة البقاء والفقد في غزة
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
غزة – "نحن الذين لم نمت بعد" للكاتبة ناهد العفيفي ليس كتابا عن الموت بقدر ما هو شهادة عن الحياة حين تجرد من طمأنينتها، وعن البشر الذين بقوا واقفين رغم الانكسار، وعن الأرواح التي تعلمت كيف تعيش وهي مثقلة بالأسئلة والخسارات. إنه صوت الذين نجوا بأجسادهم، لكن قلوبهم ظلت معلقة عند الذين لم يعودوا.
في صفحات الكتاب الذي نشرته مكتبة كوزال للنشر والتوزيع في بورصة بتركيا، تتجاور الحكايات والوجوه والأسماء، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى وثائق إنسانية، لا لتبكي الماضي فقط، بل لتقول "إن البقاء ليس دائما نجاة، وإن الحياة أحيانا تكون شكلا آخر من أشكال المقاومة".
تقول العفيفي للجزيرة نت: "هذا الكتاب محاولة لالتقاط نبض الذين لم يموتوا، لكنهم تغيروا إلى الأبد؛ الذين ما زالوا يبحثون عن معنى للحياة وسط الركام، ويكتبون أسماء أحبتهم على الذاكرة كي لا يغيبوا مرتين".
"ولدت فكرته بعد نزوحي الأخير من غزة إلى مواصي خان يونس، وكانت تجربتي الأولى في الخيام بمثابة صاعقة لم يستوعبها عقلي. لم أكن أنام في الليالي الأولى، وأسأل أهل المخيم: هل تنامون؟ وكيف تنامون؟ وجدت نفسي أنزوي في الخيمة لأصف ما تراه عيني ويشعر به قلبي".
وأضافت: "بدأت كتابة تجاربي الشخصية بأسلوب أدبي توثيقي، وبعد تشجيع من زملائي وأخص منهم مدير تربية وتعليم رفح أشرف عابدين ومعلمتي أمل القيق قررتُ أن أجمعها في كتاب ليبقى شاهدا على ذاكرة الحرب وتفاصيلها، ويرى العالم الواقع كما يعيشه أهله. وكان نهجي في الكتابة هو التوثيق الأدبي بطريقة تجذب القارئ وتدفعه إلى مواصلة القراءة حتى نهاية القصة".
وتحت عنوان "نصيبنا من الحرب" كتبت العفيفي: "كنا نعلم، وإن تجاهلنا، أن للحرب أنيابا لا تفرق بين قلب وقلب، وأن لكل منا فيها نصيبا، مهما اختلفت الأقدار وتباينت المصائر. منا من ظن أنه نجا حين حملته قدماه بعيدا عن الدمار، لكنه لم ينجُ من وجع الغربة ولا من شعور الطريد، ممزقا بين وطن فقده ووطن لا يحتضنه، ومنا من طحنته الحرب كآلة لا تعرف الرحمة".
إعلانبين صفحات هذا الكتاب تتجسد حكايات نابضة بالحياة، ومشاهد راسخة في الذاكرة لا تمحوها الأيام، لتظل شهادة حية على إنسانية تختبر في أقسى الظروف، حين تُرى غزة أرضا تنزف، ويترك المظلومون لمصير الموت والصمت.
تتلخص فكرة الكتاب وتفاصيله في قصص اجتماعية مؤثرة عاشها أهل غزة، كل في مكانه وزمانه وظروف حياته، مسرودة بأسلوب جذاب ومشوق ومعبر. وكل قصة هي حكاية حقيقية، أبطالها يعيشون بيننا، نعرفهم ونعرف أخبارهم، ونعرف أن هذه القصص تخصهم؛ فهي ليست من وحي الخيال، بل سيرة لحياة أحدهم في كل قصة.
نداء من قلب الحكاياووصف الكاتب والناقد الأدبي يسري الغول للجزيرة نت فكرة الكتاب وتجربة الكاتبة بقوله: إننا "أمام صوت أدبي واعد يمتلك قدرة نادرة على تحويل الألم إلى شهادة، والمعاناة إلى نص حي ينبض بالصدق. فقد استطاعت الكاتبة توثيق التجربة الفلسطينية عبر كتابها "نحن الذين لم نمت بعد" بلغة قوية ومتزنة، تحاكي الواقع بعمق، وتلتقط تفاصيل التجربة الشخصية بوعي إنساني وجمالي في آن واحد".
"وهي التي عاشت مرارة النزوح، ولامست وجع الفقد، وشهدت الموت والدمار، فكتبت لا لتروي الحكاية فحسب، بل لتقرع جدران الصمت، وتوجه نداء للعالم: استيقظوا، نحن بشر ننتمي إلى عالمكم، لسنا غرباء عن إنسانيتكم، ولسنا صورا عابرة في نشرات الأخبار، ولا كائنات تختزل في لغة الكراهية التي يروجها أعداؤنا لتبرير قتلنا".
وأضاف: "قصصها تحاكي الجانب الوجداني والإنساني بعمق مؤثر، فتفتح نافذة على حياة محاصرة بالألم لكنها مفعمة بالأمل، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه كائنا يحلم ويحب ويقاوم، ويصر على الحياة رغم كل محاولات الإلغاء. إنها كتابة لا تكتفي بوصف المأساة، بل تكشف جوهرها، وتمنح الضحايا صوتا، وتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، والكتابة إلى مساحة للنجاة والكرامة".
وجسدت الكاتبة معاناة الأطفال عبر تصوير وجعهم بوصفه وجعا جماعيا لا يخص فردا بعينه، بل وطنا كاملا. وتحت عنوان "فقط في غزة" كتبت مشاهد موجعة تختصر المأساة في صورتها الأكثر قسوة: "في غزة وحدها، أصبحنا وملك الله لا ينازع، لكن الألم صار نصيبنا وحدنا. لم يعد الأب يحمل على كتفه حقيبة مدرسية لطفله، بل يحمل جسده الصغير ملفوفا بالكفن، وقد سبقه إلى السماء شهيدا. في غزة فقط، لا يرافق الآباء أبناءهم إلى المدارس، بل يشيعونهم إلى المقابر، حيث تستبدل الحقيبة بالكفن، ويستبدل الدرس بالفقد، ويستبدل الصباح بنداء الرحيل".
"لم يعد للمدارس صوت، ولا للسجلات معنى، وصار الوطن بأكمله مرآة لليتم والتشريد. شعب إن أردت وصفه فقل: شعب يتيم، موجوع، مطرود من طمأنينته، بلا وطن يحميه، ولا ضمير عالمي يلتفت إلى ألمه. لا بكاء يكفي، ولا صراخ يسمع، سوى صمت ثقيل، ودموع معلقة في العيون، وسماء ضاقت بأرواح الشهداء. أصبحنا وحدنا… يا وحدنا".
البحث عن البقاء"نحن الذين لم نمت بعد" شهادة أدبية على معاناة بدأت ولم تنتهِ، حيث القلم ليس مجرد أداة للكتابة بل وسيلة لمحاولة البحث عن البقاء وتعبير عن نجاة وصرخة في وجه القهر والعجز والصمت. هذا ما قاله الكاتب أكرم الصوراني للجزيرة نت.
إعلانوأضاف: "الكتاب يضم قصصا من لحم ودم ومشاهد محفورة في ذاكرة المؤلفة واشتباكها مع مقولات سائدة؛ على سبيل مقولة محمود درويش الشهيرة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" وتعيد العفيفي صياغتها بمرارة موجعة وقاسية لتعكس واقعها الجديد قائلة: "على هذه الأرض ما لا تتحمله طاقة بشر ولا يستوعبه عقل ولا يخضع لقواعد منطق".
وأوضح أن العفيفي نجحت بترجمة وجعها ووجعنا ووجع غزة، عندما جعلت من نصها خطابا بصوت الشعب، وصرخة إنسانية أدبية ناجحة، استطاعت من خلالها أن تحول الرماد والركام إلى نصوص باقية، لتبرهن أن الأدب وقت الحرب هو أداة للنجاة ومحاولة البحث عن الكيان والهوية المفقودة تحت الأنقاض.
بدوره، اعتبر الكاتب والأديب شجاع الصفدي أن الكاتبة نسجت خيوط الحكايات في كتابها بطريقة إبداعية ترصد الذكريات والأحلام وتعزز الأمل، وقال للجزيرة نت: "كل حكاية كتبتها فندت كذبة الغد الأفضل، وسحبتنا مثل سيل عملاق مع التفاصيل، تلك الحقيقة التي جسدها واقع غزة الذي عاشته بمرارة طافحة".
وأضاف: "في كل قصة سردتها العفيفي تركت ندوبها على روح القارئ الذي عاش التفاصيل، بينما خلقت مقاربة ومحاكاة لمن هم خارج المقتلة، ليتصوروا حجم الكارثة التي حلت بهذه المدينة".
ويعد كتاب "نحن الذين لم نمت بعد" شاهد عصر على الحكاية، كتبته العفيفي لتخوض صراعها مع الأمكنة والذكريات؛ فهو ملاذها الوحيد لتترك إرثها من الحقيقة على جدار عالم ظالم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات للجزیرة نت فی غزة
إقرأ أيضاً:
الكوليرا والمسيّرات.. وباء وسلاح يعمقان مأساة نازحي دارفور
دارفور، الخرطوم – في مخيمات النزوح بإقليم دارفور، حيث تتكدس العائلات تحت الخيام الممزقة وتعيش على مياه ملوثة، تعود الأوبئة لتضرب بقوة حاصدة أرواحا كانت قد نجت من القصف والرصاص.
ففي الوقت الذي تواصل فيه المعارك إعادة رسم خريطة الصراع في غرب السودان، يموت المئات بصمت بسبب الأمراض في واحدة من أكثر مناطق العالم تضرراً بالحرب.
ومع دخول موسم الأمطار، تحذر منظمات صحية عالمية وناشطون محليون من كارثة إنسانية وشيكة، حيث تتحول برك المياه الراكدة إلى بؤر وبائية وتختلط مياه الشرب بمياه الأمطار، في ظل غياب شبه كامل للخدمات الصحية الأساسية.
أزمة متفاقمةووفقا لإحاطة صحفية لمنظمة الصحة العالمية في جنيف يوم 10 يوليو/تموز 2026، سُجّلت أكثر من 1330 حالة إصابة مؤكدة بالكوليرا و114 حالة وفاة، مع توقعات بارتفاع الحصيلة مع دخول موسم الأمطار.
وأكد ممثل المنظمة في السودان الدكتور شبل صهباني، خلال هذه الإحاطة، أن معدل الوفيات بين المصابين يبلغ حاليا 13.7%، وهو مستوى "مرتفع للغاية"، مشيرا إلى أن التفشي يتركز في إقليمي دارفور وكردفان، حيث لا يزال وصول العاملين في مجال الإغاثة والرعاية الصحية إليهما مقيدا بشدة.
ودعا صهباني إلى تعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، خاصة في مدن مثل الأبيض وكادقلي والدلنج التي تعاني من حصار خانق يمنع وصول الإمدادات الطبية والغذائية، مؤكدا أن استمرار القتال يجعل من المستحيل التعامل مع هذا الوباء بالشكل المطلوب.
ولكن هذه الأرقام، حسب مصادر ميدانية، لا تمثل سوى جزء يسير من الحقيقة، فالعديد من المناطق المتضررة لا تزال خارج نطاق الرقابة الوبائية، والوفيات التي تحدث في المخيمات النائية أو في الطريق أثناء النزوح غالبا ما تمر دون أن تصل إلى سجلات منظمة الصحة العالمية.
وقال المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور آدم رجال للجزيرة نت، إن مخيمات النزوح في مختلف أنحاء الإقليم تشهد أزمة إنسانية وصحية متفاقمة تجاوزت حدود التحمل البشري، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
إعلانوأوضح رجال أن انتشار الأمراض المعدية، بما فيها الكوليرا والملاريا والحصبة والإسهالات الحادة، يأتي في ظل توقف معظم المرافق الصحية عن العمل، محذرا من أن الوضع يتصاعد بسرعة نحو كارثة إنسانية كبرى.
وشدد على أن الأطفال والنساء هم الفئات الأكثر تضررا، حيث وصلت معدلات سوء التغذية بينهم إلى مستويات مثيرة للقلق، مشيرا إلى أن نقص الغذاء والمياه النظيفة والمأوى ساهم في ارتفاع معدلات الوفيات، إلى جانب تزايد حالات الصدمات النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، مما يزيد من هشاشة المجتمعات النازحة.
"تدمير ممنهج"من جانبه، قال الناشط الإنساني والحقوقي بغرب دارفور حمدي عثمان للجزيرة نت إن قوات الدعم السريع دمرت آبار المياه عبر طائرات مسيرة في مناطق كلبس وبئر أم سليبة والقرى المجاورة شمال مدينة الجنينة، محولة مياه الشرب إلى سلاح في الحرب.
وفاقم هذا "التدمير الممنهج لمصادر المياه" -وفق عثمان- الأزمة الإنسانية بشكل كبير وتسبب في نقص حاد في مياه الشرب النظيفة، مما ساهم في تفشي الكوليرا والتيفوئيد والملاريا في صفوف النازحين الذين فروا من تلك المناطق.
وأضاف الناشط الحقوقي أن النازحين من كلبس وبئر أم سليبة والقرى المجاورة يعيشون الآن تحت الأشجار في العراء، في ظل أوضاع إنسانية مأساوية، فيما تمكن بعضهم من الوصول إلى شرق تشاد بحثا عن الأمان.
وتابع "النازحون يشربون من مياه ملوثة ويأكلون ما تجود به عليهم السماء. الكوليرا ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من المعاناة التي يعيشها إنسان دارفور منذ أكثر من عقدين". وأوضح أن فرق الإحصاء والطوارئ لم تقم بإجراء إحصاء دقيق للمصابين بسبب تردي الأوضاع الأمنية، على حد قوله.
ودعا عثمان المجتمع الدولي إلى ضرورة ضمان وصول المنظمات الدولية وفتح ممرات آمنة للإغاثة، محذرا من أن استمرار الوضع سيؤدي إلى كارثة صحية تفوق قدرة أي جهة على احتوائها، خاصة مع استخدام قوات الدعم السريع لالطائرات المسيرة بشكل مكثف في استهداف البنى التحتية المدنية.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول اتهامها بتدمير آبار المياه واستهداف المدنيين، إلا أنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير. وكانت القوات قد نفت سابقا استهدافها للمدنيين والبنى التحتية المدنية.
في المقابل أعلن وكيل وزارة الصحة الاتحادية المكلف مصعب محمد، عن رصد عدد من الحالات المرضية في ولاية الخرطوم لأشخاص قادمين من ولاية شمال كردفان. وأكد أن جميع الحالات التي تم التعامل معها قد تماثلت تماماً للشفاء بعد تلقيها الرعاية الصحية اللازمة.
وفيما يتعلق بتقييم الموقف الصحي العام، أكد وكيل الوزارة -في تصريحات خاصة للجزيرة نت- خلو ولاية الخرطوم كليا من مرض الكوليرا في الوقت الراهن، مشيرا إلى أن الحالات المسجلة سلفا كانت وافدة من منطقة المزروب بشمال كردفان وليست إصابات داخلية.
وأوضح أنه تم تسجيل إصابات بالمرض في كل من ولايتي شمال كردفان وغرب كردفان، وذلك وفقا للتقارير والبيانات التي جمعتها فرق الرصد الميداني التابعة للوزارة في تلك المناطق.
إعلانوأكد محمد استمرار متابعة الحالات المسجلة في ولايتي شمال وغرب كردفان، والتي تجاوز تراكمي الإصابات فيهما 1,547 حالة، بناء على أحدث تقارير التقصي التي أعدتها الفرق الميدانية.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن وزارة الصحة الاتحادية تعمل بجهوزية عالية عبر غرف الطوارئ الموزعة في مختلف الولايات من أجل تقديم الاستجابة السريعة وتنسيق الجهود الميدانية للحد من انتشار المرض والسيطرة عليه.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 33 مليون شخص إلى المساعدة، بينهم 21 مليونا بحاجة إلى خدمات صحية، فيما يبلغ عدد النازحين 13.4 مليون شخص.
كما تُسهم حركة النزوح المستمرة واكتظاظ مراكز الإيواء في رفع مخاطر انتشار العدوى، لا سيما مع تسجيل أكثر من 127 حالة وفاة مرتبطة بالوباء في نطاق كردفان خلال الموجة الأخيرة.
وتتضاعف هذه المخاطر مع حلول موسم الأمطار التي تزيد من احتمالية اختلاط مياه السيول بمصادر الشرب؛ وهو ما يضع السلطات الصحية في حالة استنفار دائم لتنفيذ التدخلات العاجلة ومنع تحول الحالات الوافدة إلى بؤر تفش جديدة.