عربي21:
2026-07-23@21:29:02 GMT

أردوغان في القاهرة والرياض.. وسؤال الأمن الإقليمي

تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT

في لحظات التحول الكبرى لا تكون الزيارات السياسية مجرّد بروتوكول، بل إشارات على تغيّر أعمق في خرائط الإدراك والمصلحة. من هذه الزاوية يمكن قراءة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى كلٍّ من المملكة العربية السعودية ومصر، لا بوصفها جولة علاقات عامة، بل كمحاولة لالتقاط لحظة إقليمية مضطربة تبحث فيها القوى المركزية عن مخارج من مأزق الانكشاف الاستراتيجي الذي فجّرته حرب غزة.



فما بعد غزة ليس كما قبلها؛ الحرب لم تكشف فقط وحشية المشروع الصهيوني، بل عرّت في الوقت ذاته هشاشة النظام الإقليمي العربي-الإسلامي، وعجزه عن الفعل الجماعي، وارتهانه لمعادلات خارجية باتت أقل قدرة على فرض الاستقرار، وأكثر ميلا لإدارة الفوضى. في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، لا باعتباره وظيفة خارجية أو مظلة دولية، بل كمسؤولية مشتركة لقوى إقليمية كبرى تمتلك الوزن الجغرافي، والقدرة العسكرية، والشرعية السياسية.

تركيا، والسعودية، ومصر، تمثل -رغم اختلاف نظمها السياسية وتباين أولوياتها- أضلاع مثلث لا يمكن تجاوزُه في أي معادلة إقليمية جادة. تركيا تمتلك قوة عسكرية صلبة وخبرة مناورة بين الشرق والغرب، وتبحث عن تثبيت دورها كفاعل مستقل لا تابع. والسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والسياسي في العالم العربي، وتخوض منذ سنوات عملية إعادة تموضع كبرى تهدف إلى تقليل كلفة الصراعات المفتوحة، وبناء نفوذ قائم على الاستقرار والاستثمار. أما مصر، فهي عقدة الجغرافيا العربية، وبوابة الأمن القومي في شرق المتوسط والبحر الأحمر، وأي اختلال فيها ينعكس مباشرة على الإقليم بأسره.

زيارة أردوغان تأتي في لحظة بدا فيها أن الخلافات السابقة -من ملفات الإخوان إلى صراعات شرق المتوسط- لم تعد أولوية مقارنة بتحديات أخطر: تفكك دول، وتمدد صراعات، وانسداد أفق التسويات. هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام تقارب تكتيكي مؤقت فرضته ضغوط اللحظة، أم بداية مسار لإعادة بناء حدٍّ أدنى من التنسيق الاستراتيجي؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها لا تخلو من مؤشرات. فالدول الثلاث تشترك، رغم كل شيء، في مخاوف أساسية: انهيار النظام الإقليمي، وتمدد الحروب بالوكالة، وتحول الكيان الصهيوني إلى قوة منفلتة لا تردعها قواعد. كما تشترك في إدراك متزايد بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة كافية، لا للأمن ولا للاستقرار، في ظل انشغال واشنطن بتوازنات عالمية أوسع، وتراجع استعدادها لدفع كلفة الهيمنة المباشرة.

من هنا، يبرز الحديث -ولو بحذر- عن إمكان توسيع هذا التقارب ليشمل دولا أخرى مثل باكستان، وإندونيسيا، والجزائر. باكستان تمثل قوة نووية وخبرة عسكرية، وإندونيسيا ثقلا ديمغرافيا وأخلاقيا في العالم الإسلامي، والجزائر عقيدة سيادية رافضة للتبعية. انضمام هذه الدول -ولو في إطار تنسيقي- من شأنه أن يحوّل أي تقارب ثلاثي إلى نواة توازن أوسع، لا يقوم على التطابق الأيديولوجي، بل على تقاطع المصالح.

غير أن الحديث عن "ناتو إسلامي" يبقى، في صيغته الصلبة، أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع القابل للتحقق. فالفوارق بين الدول المعنية كبيرة: في العقائد العسكرية، وفي تعريف التهديد، وفي الاستعداد لتحمل التزامات جماعية. الأرجح أن ما يمكن بناؤه ليس تحالفا عسكريا مغلقا، بل إطارا مرنا للتنسيق السياسي والأمني، يبدأ بملفات محددة: أمن الممرات البحرية، ومنع تفكك الدول، وكبح التصعيد الصهيوني.

العقبات، بطبيعة الحال، كثيرة؛ داخليا، هناك تراكمات من عدم الثقة، وحساسيات سيادية، وخشية من أن يُفسَّر أي تقارب باعتباره تنازلا سياسيا أو اصطفافا جديدا غير محسوب. إقليميا، ستنظر إيران بعين القلق إلى أي تحالف يُفهم منه أنه موجّه ضد نفوذها، وقد تسعى إلى إرباكه عبر أدوات غير مباشرة. أما الكيان الصهيوني، فلن يقف مكتوف اليدين أمام أي محاولة لبناء توازن إقليمي يحدّ من حريته المطلقة في الفعل، وسيسعى -كما فعل تاريخيا- إلى الاختراق أو التفكيك.

دوليا، ستتعامل الولايات المتحدة بحذر مزدوج: فهي لا ترغب في فوضى شاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تشجّع قيام تحالفات مستقلة بالكامل عن مظلتها، وأوروبا ستوازن بين مصالحها الاقتصادية وقلقها الأمني، بينما قد ترى روسيا والصين في أي تقارب إقليمي فرصة لإعادة توزيع النفوذ، لا بدافع أخلاقي، بل بمنطق المصلحة.

لهذا، فإن نجاح أي مسار تحالفي محتمل مرهون بشروط واضحة: أولها التدرج، لا القفز إلى صيغ كبرى قبل بناء الثقة، وثانيها حصر الهدف في حماية الاستقرار الإقليمي، لا تصدير نماذج سياسية أو الدخول في صراعات أيديولوجية، وثالثها الفصل بين الخلافات السياسية الثنائية وبين ضرورات الأمن الجماعي، ورابعها خطاب خارجي ذكي يربط أي تنسيق جديد بمنع الانهيار، لا بتحدي النظام الدولي.

في المحصلة، زيارة أردوغان إلى السعودية ومصر قد لا تكون إعلان تحالف، لكنها بالتأكيد ليست تفصيلا عابرا. هي تعبير عن إدراك متزايد بأن المنطقة تقف على حافة مرحلة جديدة: إما استمرار التفكك تحت إدارة خارجية، أو محاولة -ولو متعثرة- لبناء قدر من المناعة الذاتية. السؤال الحقيقي ليس هل يمكن بناء هذا التحالف، بل هل تملك القوى الإقليمية الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن؟ وهل تتعلم من دروس غزة قبل أن تتحول المأساة إلى قاعدة دائمة؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء أردوغان السعودية تركيا مصر تحالف مصر تركيا السعودية أردوغان تحالف قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة صحافة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟

منذ أشهر، والمرحلة العليا من صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس» عالقة في مدار بيضاوي الشكل حول الأرض، دون أن تتمكن من العودة إلى الغلاف الجوي كما كان مقررا، والآن أصبح من المؤكد أن هذا الصاروخ سيرتطم بالقمر في الخامس من أغسطس المقبل، في حدث نادر يترقبه علماء الفلك بشغف، حيث يعتزمون الاستفادة منه لدراسة سطح القمر وآثار الاصطدامات، حسبما ذكرت روسيا اليوم.

ووفقا لورقة علمية جديدة، سيرتطم الصاروخ بمنطقة مضاءة بالشمس قرب فوهة «أينشتاين» على سطح القمر، عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش من يوم 5 أغسطس، ومن المتوقع أن يتمكن العلماء باستخدام التلسكوبات الأرضية والمراصد الفضائية من رصد وميض الاصطدام، وسحابة الغبار المتصاعدة، والفوهة التي سيحدثها الصاروخ.

بدأت القصة في 15 يناير 2025، عندما أطلقت شركة «سبيس إكس» الصاروخ من مركز كينيدي للفضاء التابع لناسا، حاملا مركبتي هبوط إلى القمر. وبعد أن نجح الصاروخ في وضع المركبتين في مسارهما نحو القمر، كان من المفترض أن تعود المرحلة العليا من الصاروخ وتدخل الغلاف الجوي للأرض لتحترق، لكنها فشلت في ذلك وظلت عالقة في مدارها.

وفي أبريل الماضي، حذر المحلل المداري المستقل بيل غراي العالم من هذا الاصطدام الوشيك، بعد أن استخدم برنامجه الخاص لتتبع مدار الصاروخ وحساب مساره المستقبلي. وتوقع أن يرتطم الصاروخ بالقمر بسرعة هائلة تبلغ 5400 ميل في الساعة (8700 كم في الساعة)، أي أسرع بسبع مرات من سرعة الصوت، وهو الآن أحد مؤلفي الورقة العلمية التي تصف الحدث.

الصاروخ الذي يبلغ طوله 12 مترا وعرضه 4 أمتار ووزنه 4 أطنان، هو في الأساس قشرة معدنية مجوفة. وعندما يرتطم بسطح القمر، سيتحطم بالكامل، محدثا فوهة جديدة يتراوح عرضها بين 20 و30 مترا. كما سيثير كميات هائلة من الغبار، حيث سيمتد عمود الغبار الناتج لعدة كيلومترات فوق سطح القمر.

وقبل الاصطدام بلحظات، سيمر الصاروخ على بعد بضعة كيلومترات فقط من المركبة الفضائية الكورية «المتتبع القمري كوريا باثفايندر» «Korean Pathfinder Lunar Orbiter»، المعروفة اختصارا بـ KPLO، والتي قد تتمكن من جمع بعض البيانات عن الصاروخ أثناء سقوطه، لكن ذلك غير مؤكد، أما المركبة المدارية الاستطلاعية للقمر التابعة لناسا، Lunar Reconnaissance Orbiter، فلن تكون في المكان المناسب وقت الاصطدام، ولن تتمكن من متابعة الحدث.

ولن يتمكن جميع سكان الأرض من رؤية هذا الحدث، فالرؤية تتطلب ظلاما تاما واستخدام تلسكوب، ونظرا لأن الاصطدام سيحدث عند الساعة 06:44 بتوقيت جرينيتش، فإن المراقبين في أمريكا الجنوبية وأجزاء من أمريكا الشمالية «عدا الساحل الغربي» سيكونون في أفضل موقع لمشاهدته، حيث سيكون القمر فوق الأفق في تلك المناطق أثناء الظلام.

وينصح الخبراء الراغبين في الرصد بإجراء تجارب تدريبية فى اليوم السابق للاصطدام، للتأكد من أن معداتهم تعمل بشكل صحيح ومعرفة كيفية الحصول على أفضل رؤية.

ورغم أن الصاروخ هو مجرد حطام فضائي، فإن فرصة رصد اصطدامه بالقمر في الوقت الفعلي هي فرصة ذهبية لعلماء الفلك، فهذا الحدث سيساعدهم على فهم كيفية تشكل الغبار والأعمدة الناتجة عن الاصطدامات القمرية، كما سيمكنهم من دراسة مخاطر الحطام الفضائي على الأجرام السماوية.

بالإضافة إلى ذلك، سيساعدهم هذا الاصطدام في تحسين طرقهم لحساب مواقع ارتطام الأجسام بالقمر بدقة، وهو أمر قد يفيد في تجارب الزلازل القمرية المستقبلية.

اقرأ أيضاًالقمر العملاق يقترب من الجوزاء.. حدث فلكي بارز يمنح 6 أبراج فرصا استثنائية

أطول كسوف كلي للشمس خلال القرن.. مصر تستعد لحدث فلكي نادر في 2027

الشمس لا تخطئ موعدها على وجه رمسيس الثاني.. مصر تستعد لظاهرة فريدة بمعبد أبو سمبل

مقالات مشابهة

  • المقاومة الفلسطينية تنفذ 24 عملية ضد العدو الصهيوني بينها عمليتا طعن
  • أردوغان يتابع الصفقة بنفسه | محمد صلاح يقضي إجازته في اليونان .. وبشكتاش يترقب كلمة الحسم
  • منيف عماش الحربي: إيران حركت الحوثيين للعودة إلى التفاوض بعد تراجع نفوذها الإقليمي
  • نجلاء العسيلي : تأمين السلع الاستراتيجية يعكس قوة الدولة وقدرتها على حماية المواطنين
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • ليبيا تدين تهديدات «الحوثيين» للسعودية: يهدد الاستقرار الإقليمي
  • ترامب: إيران تريد التفاوض لكنها غير مستعدة لاتفاق في الوقت الحالي
  • أردوغان يشن هجوماً حاداً على نتنياهو: “رأس شبكة إبادة ومصيره سيكون كمصير هتلر”.