لماذا يجب أن نشجع التفكير المختلف؟
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
أ. د. حيدر أحمد اللواتي **
هناك اعتقاد شائع لدى الكثيرين بأنَّ رأي غالبية العلماء يجب أن يُعتبر قاعدة لا غنى عنها، وأن الإجماع العلمي هو الضامن الأكيد لصحة الأفكار والنظريات، إن هذا الاعتقاد ينبع من فكرة أن العدد الكبير من المؤيدين يعني صحة الفكرة، وأن الاتفاق الجماعي يشكل معيارا للحقيقة العلمية.
قد يكون الأمر كذلك في بعض الأحيان وربما في غالبها، لكن الواقع التاريخي والعلمي يوضح أمرا آخر في غاية الأهمية وهو أن الاكتشافات الكبرى والتحولات الجوهرية في العلم حدثت عندما تجرأ أحد العلماء وتحدى الإجماع السائد، وكسر القيود الفكرية التي فرضها الإجماع مما مكنه من فتح آفاق جديدة في فهم العالم غيَّرت وجه البشرية، بل نستطيع أن نقول إن الرفاه الذي تنعم به البشرية اليوم إنما هو بسبب جرأة هؤلاء العلماء الذين لم يعيروا الإجماع أو رأي الأغلبية قيمة إذا خالف ما توصلوا إليه من نظريات علمية.
ولا بُد أن نوضح هنا أمرا ذا أهمية وهو أننا لا نعني بالتفكير المختلف، أن يرجح النظرية الأقل شهرة بين العلماء على الأخرى والتي تحظى بتأييد أقل، فذلك مستوى من التفكير المختلف لكننا نتحدث هنا عن مستوى أعلى من الاختلاف، إننا نتحدث عن تفكير مبدع وفكرة جديدة لم تخطر ببال العلماء من قبل، هذا النوع من التفكير هو الذي نُسلط الضوء عليه، وهو الذي له أثر كبير على تطور العلوم.
لنأخذ مثالًا على ذلك من الفيزياء والكهرباء: العالم نيكولا تسلا، الذي كان صاحب رؤية ثورية حول الكهرباء والطاقة، واجه رفضًا وانتقادًا من علماء عصره الذين تمسكوا بالنظريات السائدة آنذاك، لكن تسلا لم يكن مجرد مخترع، بل كان مفكرًا مُتقدمًا على زمانه بفكرته التي غيّرت شكل العالم، وهي التيار المُتردد، ففي ذلك الوقت، كان التيار المستمر الذي دافع عنه توماس إديسون هو النظام المقبول والمستخدم على نطاق واسع، وكان معظم العلماء والمهندسين يعتقدون أنه الحل الأمثل لنقل الكهرباء.
لكن تسلا رأى الأمور بشكل مختلف، فقد أدرك أن التيار المتردد هو الأكثر كفاءة لنقل الكهرباء لمسافات طويلة، وهو ما كان مخالفًا للإجماع العلمي والصناعي في ذلك الوقت، ولم يقتصر الأمر على اختلاف تقني، بل تحول إلى صراع حاد بينه وبين إديسون، الذي استخدم كل نفوذه ليس فقط للدفاع عن التيار المستمر، بل أيضًا لإثارة الرأي العام ضد تسلا.
إديسون اتبع أساليب دعائية مكثفة لتشويه سمعة تسلا وأفكاره، فقام بإطلاق حملات إعلامية هدفها خلق خوف وعدم ثقة في التيار المتردد، إذ عرض تجارب مثيرة مثل صعق حيوانات بالكهرباء باستخدام التيار المتردد ليُظهره كخطر قاتل على البشر، لم تكن هذه الحملات مجرد منافسة علمية، بل تعدت ذلك لتتحول الى حرب شخصية تسعى من النيل من تسلا مباشرة والتقليل من شأنه أمام الجمهور والمستثمرين.
رغم كل هذه الحملات، استمر تسلا في تطوير تقنيته، ونجح في إثبات أن التيار المتردد هو الحل الأفضل، مما أدى إلى ثورة في مجال الطاقة الكهربائية، إن قصته تعكس كيف يمكن للإجماع العلمي أن يقيد التطور والابتكار عندما يُفرض بشكل صارم دون مساحة للتجريب والتشكيك، وكيف أن الصراعات الشخصية والمصالح الاقتصادية قد تلعب دورًا في تأخير قبول الأفكار الجديدة التي تغير وجه العالم.
يوهانز كبلر يعد هو الآخر مثالا بارزا على مخالفة الإجماع العلمي الذي كان سائدا في عصره، فقد تحدى الأفكار القديمة التي كانت تفرض أن الكواكب تدور في مدارات دائرية، كبلر استخدم ملاحظاته الدقيقة ليثبت أن المدارات ليست دائرية بل بيضاوية، إن هذا التحدي للإجماع العلمي آنذاك فتح الطريق لفهم أعمق لحركة الأجرام السماوية، ومهد الطريق لنيوتن وقوانينه التي غيرت مسار العلم برمته.
الطب أيضًا شهد مواقف مُماثلة؛ على سبيل المثال، إدوارد جينر الذي اكتشف لقاح الجدري واجه مقاومة من المجتمع الطبي الذي كان متشبثًا بالأفكار التقليدية عن المرض والشفاء، وُلد جينر في إنجلترا عام 1749، وعمل كطبيب في قرية صغيرة، حيث لاحظ أن النساء العاملات في حلب الأبقار واللواتي أصبن بمرض خفيف يُعرف بالجدري البقري لم يصبن بمرض الجدري البشري، وقد دفعته هذه المُلاحظة إلى تجربة جريئة عام 1796؛ إذ أخذ مادة من بثرة جدري بقري وحقنها في جسد صبي صغير، وبعد تعافيه عرض الصبي عمدًا لمرض الجدري البشري، لكنه لم يصب به، لقد شكلت هذه التجربة نقطة تحول في الطب وأثبتت إمكانية الوقاية من الأمراض المعدية عبر التلقيح، ورغم نجاح هذه التجربة، واجه جينر رفضًا شديدًا من العلماء الذين اعتبروا فكرته خطيرة وغير علمية، ولم يسمحوا له بمُناقشة عادلة لأفكاره، لكنه استمر في نشر أبحاثه حتى انتشرت فكرته عالميًا وأنقذت ملايين الأرواح.
هذه الأمثلة وغيرها تظهر أن الإجماع العلمي أو رأي غالبية العلماء ليس مقياسًا للحقيقة، وأنه في كثير من الأحيان كان يمثل حاجزًا أمام التقدم، فالعلم يتقدم عندما يجرؤ بعض العلماء على التفكير خارج الصندوق، والتشكيك في المعتقدات الراسخة، وتجريب أفكار جديدة حتى وإن كانت تواجه رفض الأغلبية.
لذا، يجب أن نُقدر دور المخالفين والمبدعين الذين لا يخشون تحدي الإجماع، لأنهم هم من يفتحون أبواب المعرفة ويقودون البشرية إلى فهم أعمق وأشمل للعالم، ولا يعني ذلك القبول بأفكارهم ونظرياتهم؛ بل المطلوب أن يفسح لهم المجال لطرحها ومناقشتها، دون خوف أو تقليل من شأنهم، فالإجماع يمكنه أن يكون نقطة انطلاقة، لكنه ليس نهاية البحث، والعلم الحقيقي يحتاج إلى جرأة التفكير الحر والابتكار المستمر.
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني
في إطار توجه الدولة المصرية نحو دعم الصناعة الوطنية وتعميق التصنيع المحلي، وتعزيز دور الجامعات في خدمة قضايا التنمية المستدامة، تواصل المؤسسات الأكاديمية أداء دورها الحيوي في الربط بين البحث العلمي واحتياجات سوق العمل والإنتاج، بما يسهم في بناء اقتصاد تنافسي قائم على الابتكار والمعرفة.
ومن هذا المنطلق، تأتي الفنون التطبيقية باعتبارها أحد أهم المجالات القادرة على تطوير الصناعة الوطنية، من خلال الدمج بين الإبداع والتكنولوجيا والتصميم، وتحويل الأفكار إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وثقافية قادرة على المنافسة محليًا ودوليًا.
وتحت رعاية الدكتور السيد قنديل رئيس جامعة العاصمة “جامعة حلوان سابقًا”، وريادة الدكتور عماد أبو الدهب نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث ودعم الدكتور شريف حسن عبد السلام عميد كلية الفنون التطبيقية، وبإشراف الدكتورة إيمان أبو طالب وكيل الكلية للدراسات العليا والبحوث، تنظم كلية الفنون التطبيقية المؤتمر العلمي الدولي الثامن تحت عنوان:
“الفنون التطبيقية وتوطين الصناعة: شراكة من أجل مستقبل مستدام”
وذلك خلال يومي 9 و10 سبتمبر 2026، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمصممين والخبراء الصناعيين وممثلي مؤسسات الإنتاج والاستثمار، في إطار دعم التوجهات الوطنية نحو التنمية الصناعية المستدامة وتعزيز التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الصناعي.
ويهدف المؤتمر إلى تسليط الضوء على أهمية الفنون التطبيقية كأحد المحركات الأساسية لدعم الصناعة الوطنية، من خلال تطوير جودة المنتجات، وتعظيم الاستفادة من الخامات المحلية، وربط الابتكار بالإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق المختلفة، إلى جانب مناقشة التجارب الناجحة في توطين الصناعة وبناء شراكات فعالة تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
وأكد الدكتور السيد قنديل رئيس جامعة العاصمة، أن الجامعة تولي اهتمامًا كبيرًا بدعم البحث العلمي التطبيقي وربطه بالقضايا التنموية والصناعية، مشيرًا إلى أن المؤتمر يمثل منصة علمية مهمة تجمع بين الفكر الأكاديمي والخبرة الصناعية، بما يسهم في تقديم رؤى مبتكرة تدعم خطط الدولة في توطين الصناعة وتعزيز الاقتصاد الوطني. وأضاف أن الجامعات أصبحت شريكًا أساسيًا في بناء مستقبل الصناعة من خلال إعداد كوادر قادرة على الابتكار والإنتاج والمنافسة.
وقد أوضح الدكتور عماد أبو الدهب أن المؤتمر يعكس توجه جامعة العاصمة نحو دعم البحث العلمي التطبيقي وربطه باحتياجات الصناعة والتنمية، مشيرًا إلى أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية بما يسهم في دعم توطين الصناعة ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري، مؤكدًا أن المؤتمر يمثل منصة مهمة لتبادل الخبرات وبناء شراكات تدعم الابتكار والتنمية المستدامة.
ومن جانبه، أوضح الدكتور شريف حسن عبد السلام عميد كلية الفنون التطبيقية، أن المؤتمر يأتي استكمالًا لدور الكلية الرائد في دعم الصناعة والإبداع التطبيقي، مؤكدًا أن الفنون التطبيقية تمثل حلقة الوصل الحقيقية بين التصميم والإنتاج، وأن الكلية تسعى من خلال المؤتمر إلى تعزيز التعاون مع القطاعات الصناعية المختلفة وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين والمبدعين لتقديم حلول تصميمية وتكنولوجية تسهم في تطوير الصناعة المصرية وتحقيق الاستدامة.
فيما أشارت الدكتورة إيمان أبو طالب إلى أن المؤتمر العلمي الدولي الثامن يمثل فرصة مهمة لتبادل الخبرات والرؤى العلمية بين الباحثين والمتخصصين من مختلف المجالات، مؤكدة أن المؤتمر يركز على دعم الصناعات الإبداعية وربط التراث بالتصنيع الحديث، إلى جانب تشجيع الأبحاث التطبيقية التي تسهم في خدمة الصناعة الوطنية وتعزيز دور الابتكار في تحقيق التنمية المستدامة.
ويتناول المؤتمر عددًا من المحاور الرئيسية، يأتي في مقدمتها محور “الفنون التطبيقية ودعم الصناعة الوطنية والتنمية الإنتاجية”، والذي يناقش دور التصميم التطبيقي في توطين الصناعة وتعزيز قدرتها التنافسية، وتطوير الخامات المحلية وتعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية، بالإضافة إلى إعداد الكوادر المتخصصة القادرة على تلبية احتياجات سوق العمل الصناعي، وتعزيز التكامل بين الجامعات والمصانع في مجالات البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا.
كما يناقش المؤتمر محور “مستقبل الصناعة المستدامة والاقتصاد الإنتاجي”، والذي يتناول استراتيجيات الاقتصاد الدائري ودورها في دعم التصميم وتعزيز الصناعة الوطنية، وريادة الأعمال الصناعية القائمة على الابتكار، إلى جانب قضايا الاستدامة البيئية والتصنيع الأخضر وترشيد الموارد، فضلًا عن الجودة والمواصفات القياسية ودورها في تحسين المنتج المحلي.
ويتضمن المؤتمر أيضًا محور “الصناعات الإبداعية وربط التراث بالتصنيع الحديث”، الذي يسلط الضوء على تطوير الحرف التقليدية وتحويلها إلى صناعات تنافسية، وتوظيف الهوية المصرية في تصميم المنتجات المعاصرة، ودور الصناعات الثقافية والإبداعية في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة.
وفي إطار استقبال الملخصات البحثية، أعلنت كلية الفنون التطبيقية عن فتح باب المشاركة في المؤتمر أمام الباحثين والمتخصصين، على أن يستمر استقبال الملخصات حتى 31 مايو 2026، حيث دعت الكلية الباحثين الراغبين في المشاركة إلى تحميل نماذج الملخصات العربية والإنجليزية وملف بيانات الباحث والإرشادات العامة، واستكمال البيانات المطلوبة وإرسالها عبر الرابط الإلكتروني الخاص بالمؤتمر.
وأكدت الكلية أنه سيتم نشر البحوث المشاركة في “مجلة علوم التصميم والفنون التطبيقية” باللغتين العربية أو الإنجليزية، أو “مجلة الفن والتصميم والموسيقى” باللغة الإنجليزية، بما يعكس حرص الكلية على دعم الإنتاج البحثي المتميز وتعزيز دوره في خدمة الصناعة الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة.
لينك تحميل ملفات المؤتمر:
https://aartshelwanedu-my.sharepoint.com/:f:/g/personal/emanaboutaleb_a-arts_capu_edu_eg/IgCdRHcRegJxRJU2P5pJBz4oAU-W-CHoMXFmeP2KBvlGs8w?e=AahsFf
رابط التسجيل والمشاركة بالمؤتمر:
https://docs.google.com/.../1FAIpQLSczHxRB5Sj.../viewform.