في العقد الأخير، لم تعد الصحافة مهنة مستقرة كما عُرفت لعقود طويلة، فبين التحوّل الرقمي المتسارع، وهيمنة المنصات، وصعود الذكاء الاصطناعي، يجد الصحفي نفسه أمام واقع مهني جديد يعيد تعريف دوره، وأدواته، وحتى أمنه الوظيفي.

هذه تحوّلات لا تُقرأ كنظرية مستقبلية، بل كوقائع يومية تعيشها غرف الأخبار حول العالم.

تسريحات جماعية وإغلاق أقسام كاملة

من أبرز ملامح التحوّل القاسي في المهنة موجات التسريح الواسعة التي طالت مؤسسات إعلامية كبرى كانت حتى وقت قريب رمزا للاستقرار المهني.

في الولايات المتحدة، أعلنت "منصة بازفيد" الإخبارية في 2023 إغلاق قسم الأخبار بالكامل، بعد سنوات من التراجع المالي، رغم حصوله سابقا على جائزة بوليتزر.

الأمر ذاته تكرر بصيغ مختلفة داخل مؤسسات تقليدية مثل "واشنطن بوست" التي شهدت برامج تقاعد مبكر وتسريحات متتالية، في مؤشر على أن الصحافة الورقية والرقمية معا لم تعودا محصنتين من الأزمات.

في أوروبا، لم تكن الصورة أفضل فقد خفّضت مؤسسات إعلامية في بريطانيا وألمانيا وإسبانيا حجم غرف الأخبار، وأغلقت أقساما متخصصة مثل التحقيقات أو الصحافة الدولية، باعتبارها "مكلفة" ولا تحقق عائدا إعلانيا مباشرا.

في المملكة المتحدة أعلنت مجموعة ريتش (Reach plc) وهي واحدة من أكبر ناشري الصحف في البلاد، عن خطة لإلغاء نحو 600 وظيفة خلال عام 2025، من بينها 321 وظيفة تحريرية.

وتشمل المجموعة عناوين صحفية بارزة مثل ديلي ميرور (Daily Mirror)، وديلي إكسبريس (Daily Express)، ومانشستر إيفنينغ نيوز (Manchester Evening News).

وجاء القرار في إطار إعادة هيكلة واسعة تهدف إلى تقليص الكلفة والتحول نحو المحتوى المرئي والفيديو والمنصات الرقمية، على حساب التغطيات النصية التقليدية وغرف الأخبار الموسعة.

هذه القرارات لم تكن مرتبطة فقط بتراجع الإيرادات، بل أيضا بتحول نماذج الأعمال لصالح المنصات الكبرى التي تستحوذ على الإعلانات والبيانات.

وسائل إعلام مختلفة عملت على تقليص عدد الصحفيين على مدار أعوام (رويترز) صعود الصحفي المستقل ومنصات النشرات البريدية إعلان

في مقابل هذا الانكماش، ظهر مسار مهني جديد، الصحفي المستقل الذي يبني جمهوره بنفسه، خارج المؤسسة التقليدية.

منصات مثل "سابستاك" (Substack) تحولت إلى ملاذ لصحفيين تركوا مؤسساتهم طوعا أو قسرا، وقرروا مخاطبة الجمهور مباشرة عبر نشرات بريدية مدفوعة أو مجانية.

أسماء صحفية بارزة في الولايات المتحدة وبريطانيا انتقلت إلى هذا النموذج، مستفيدة من الثقة المتراكمة بينها وبين جمهورها.

لكن هذا "التحرر" المهني ليس بلا ثمن، فالصحفي هنا يتحمّل مخاطر السوق وحده، فالدخل غير مستقر مع غياب الحماية القانونية، والاعتماد الكامل على مزاج الجمهور والخوارزميات.

صحفيون لجؤوا إلى منصة "سابستاك" لإنشاء نموذجهم الصحفي الخاص (سابستاك)

لم يعد دور الصحفي محصورا في جمع التصريحات وكتابتها. اليوم، يتوقع من الصحفي أن يكون محللا للبيانات، قادرا على التعامل مع قواعد ضخمة، ومتمكنا من أدوات التحقق الرقمي، خصوصا في زمن التزييف العميق والمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

الضغط النفسي والاحتراق المهني في غُرف الأخبار

كل هذه التحولات تركت أثرا عميقا على الصحة النفسية للصحفيين، وظهرت دراسات مهنية في أوروبا وأمريكا الشمالية أكدت ارتفاع معدلات الاحتراق المهني، خصوصا بين الصحفيين الشباب والعاملين في التغطيات العاجلة والنزاعات.

وتعمل غُرف الأخبار اليوم بإيقاع أسرع وموارد أقل وجمهور أكثر عدائية على المنصات. كذلك الصحفي مطالب بالسرعة والدقة معا، ويتعرض في الوقت نفسه لهجمات رقمية وتشكيك مستمر في مصداقيته.

كما أُنشئت برامج دعم نفسي داخلية في مؤسسات دولية بعد تسجيل حالات انسحاب جماعي من المهنة أو انتقال الصحفيين إلى مجالات أقل ضغطا مثل العلاقات العامة أو صناعة المحتوى التجاري.

مهنة تتغير.. لا تختفي

رغم الصورة القاتمة، لا يمكن القول إن الصحافة في طريقها إلى الزوال، ما يحدث هو إعادة تشكيل جذرية للمهنة من وظيفة مستقرة داخل مؤسسة إلى ممارسة مرنة تتطلب مهارات متعددة، ووعيا رقميا، وقدرة على التكيف.

الصحفي في المستقبل لن يكون أقل أهمية، بل أكثر مركزية، بشرط أن يمتلك أدوات العصر، وأن تحميه أُطر أخلاقية ومؤسساتية جديدة تعترف بأن الصحافة ليست مجرد محتوى، بل خدمة عامة في زمن الفوضى المعلوماتية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • برجس الشمري.. كيف تحولت TikTok إلى واحدة من أعلى المنصات قيمة في العالم؟
  • مقدمات نشرات الأخبار المسائية ليوم الثلاثاء 2/6/2026
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب يعلن حضوره حفل العشاء الجديد لمراسلي البيت الأبيض في 24 يوليو
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • إحباط إسرائيليّ... ماذا قالت الصحافة في تل أبيب عن هجمات حزب الله بالمسيّرات؟
  • الاحتلال يدعي إحباط تهريب أكياس تبغ إلى قطاع غزة
  • وزير العمل يبحث مع نظيريه الجزائري والسوداني التعاون في مجال التدريب المهني
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • «الرقابة المالية» تقرر تخفيض مقابل خدمات مصر المقاصة لمنصات وثائق الاستثمار العقاري