الصحافة في زمن التحوّلات.. تسريحات واسعة وأدوار جديدة للصحفيين
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
في العقد الأخير، لم تعد الصحافة مهنة مستقرة كما عُرفت لعقود طويلة، فبين التحوّل الرقمي المتسارع، وهيمنة المنصات، وصعود الذكاء الاصطناعي، يجد الصحفي نفسه أمام واقع مهني جديد يعيد تعريف دوره، وأدواته، وحتى أمنه الوظيفي.
هذه تحوّلات لا تُقرأ كنظرية مستقبلية، بل كوقائع يومية تعيشها غرف الأخبار حول العالم.
من أبرز ملامح التحوّل القاسي في المهنة موجات التسريح الواسعة التي طالت مؤسسات إعلامية كبرى كانت حتى وقت قريب رمزا للاستقرار المهني.
في الولايات المتحدة، أعلنت "منصة بازفيد" الإخبارية في 2023 إغلاق قسم الأخبار بالكامل، بعد سنوات من التراجع المالي، رغم حصوله سابقا على جائزة بوليتزر.
الأمر ذاته تكرر بصيغ مختلفة داخل مؤسسات تقليدية مثل "واشنطن بوست" التي شهدت برامج تقاعد مبكر وتسريحات متتالية، في مؤشر على أن الصحافة الورقية والرقمية معا لم تعودا محصنتين من الأزمات.
في أوروبا، لم تكن الصورة أفضل فقد خفّضت مؤسسات إعلامية في بريطانيا وألمانيا وإسبانيا حجم غرف الأخبار، وأغلقت أقساما متخصصة مثل التحقيقات أو الصحافة الدولية، باعتبارها "مكلفة" ولا تحقق عائدا إعلانيا مباشرا.
في المملكة المتحدة أعلنت مجموعة ريتش (Reach plc) وهي واحدة من أكبر ناشري الصحف في البلاد، عن خطة لإلغاء نحو 600 وظيفة خلال عام 2025، من بينها 321 وظيفة تحريرية.
وتشمل المجموعة عناوين صحفية بارزة مثل ديلي ميرور (Daily Mirror)، وديلي إكسبريس (Daily Express)، ومانشستر إيفنينغ نيوز (Manchester Evening News).
وجاء القرار في إطار إعادة هيكلة واسعة تهدف إلى تقليص الكلفة والتحول نحو المحتوى المرئي والفيديو والمنصات الرقمية، على حساب التغطيات النصية التقليدية وغرف الأخبار الموسعة.
هذه القرارات لم تكن مرتبطة فقط بتراجع الإيرادات، بل أيضا بتحول نماذج الأعمال لصالح المنصات الكبرى التي تستحوذ على الإعلانات والبيانات.
في مقابل هذا الانكماش، ظهر مسار مهني جديد، الصحفي المستقل الذي يبني جمهوره بنفسه، خارج المؤسسة التقليدية.
منصات مثل "سابستاك" (Substack) تحولت إلى ملاذ لصحفيين تركوا مؤسساتهم طوعا أو قسرا، وقرروا مخاطبة الجمهور مباشرة عبر نشرات بريدية مدفوعة أو مجانية.
أسماء صحفية بارزة في الولايات المتحدة وبريطانيا انتقلت إلى هذا النموذج، مستفيدة من الثقة المتراكمة بينها وبين جمهورها.
لكن هذا "التحرر" المهني ليس بلا ثمن، فالصحفي هنا يتحمّل مخاطر السوق وحده، فالدخل غير مستقر مع غياب الحماية القانونية، والاعتماد الكامل على مزاج الجمهور والخوارزميات.
لم يعد دور الصحفي محصورا في جمع التصريحات وكتابتها. اليوم، يتوقع من الصحفي أن يكون محللا للبيانات، قادرا على التعامل مع قواعد ضخمة، ومتمكنا من أدوات التحقق الرقمي، خصوصا في زمن التزييف العميق والمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.
الضغط النفسي والاحتراق المهني في غُرف الأخباركل هذه التحولات تركت أثرا عميقا على الصحة النفسية للصحفيين، وظهرت دراسات مهنية في أوروبا وأمريكا الشمالية أكدت ارتفاع معدلات الاحتراق المهني، خصوصا بين الصحفيين الشباب والعاملين في التغطيات العاجلة والنزاعات.
وتعمل غُرف الأخبار اليوم بإيقاع أسرع وموارد أقل وجمهور أكثر عدائية على المنصات. كذلك الصحفي مطالب بالسرعة والدقة معا، ويتعرض في الوقت نفسه لهجمات رقمية وتشكيك مستمر في مصداقيته.
كما أُنشئت برامج دعم نفسي داخلية في مؤسسات دولية بعد تسجيل حالات انسحاب جماعي من المهنة أو انتقال الصحفيين إلى مجالات أقل ضغطا مثل العلاقات العامة أو صناعة المحتوى التجاري.
مهنة تتغير.. لا تختفيرغم الصورة القاتمة، لا يمكن القول إن الصحافة في طريقها إلى الزوال، ما يحدث هو إعادة تشكيل جذرية للمهنة من وظيفة مستقرة داخل مؤسسة إلى ممارسة مرنة تتطلب مهارات متعددة، ووعيا رقميا، وقدرة على التكيف.
الصحفي في المستقبل لن يكون أقل أهمية، بل أكثر مركزية، بشرط أن يمتلك أدوات العصر، وأن تحميه أُطر أخلاقية ومؤسساتية جديدة تعترف بأن الصحافة ليست مجرد محتوى، بل خدمة عامة في زمن الفوضى المعلوماتية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
مختار جمعة: يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دعا الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، إلى استثناء الطلاب المتفوقين غير القادرين على سداد المصروفات الدراسية من قرارات حجب النتائج، مؤكدًا أن الحفاظ على حقهم في التعليم ودعم تفوقهم العلمي يمثل واجبًا وطنيًا ومجتمعيًا لا يقل أهمية عن أي استثمار في مستقبل الدولة.
وقال “جمعة” في تعليق له على قرار حجب درجات الطلاب غير المسددين للمصروفات الدراسية، إن من الضروري مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر غير القادرة، مقترحًا استثناء الطلاب المتفوقين من هذا الإجراء تقديرًا لتفوقهم العلمي، أو أن تتولى مؤسسات المجتمع المدني وكبار رجال الأعمال سداد المصروفات المستحقة عنهم، باعتبار أن التعليم يمثل أولوية قصوى وقاطرة التقدم لأي أمة.
وأكد وزير الأوقاف السابق، أنه يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة، سواء بصورة فردية عن طالب بعينه أو بصورة جماعية عن مجموعة من الطلاب المتعثرين، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يمكن أن تضطلع به أيضًا وزارة التضامن الاجتماعي أو المؤسسات الخيرية المختلفة، في إطار مسؤوليتها المجتمعية تجاه دعم التعليم.
وشدد على أن الدولة المصرية تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وهو ما يستوجب أن يصبح دعم العملية التعليمية أولوية لدى جميع مؤسسات الدولة، وكذلك لدى مؤسسات المجتمع المدني وأهل الخير والقادرين من أبناء الوطن.
وأشار إلى أن حرمان طالب متفوق من استكمال مسيرته التعليمية بسبب عجز أسرته عن سداد المصروفات يمثل خسارة كبيرة للمجتمع بأكمله، متسائلًا عن الأثر النفسي الذي قد يتركه هذا الحرمان على الطالب، في مقابل ما يمكن أن يشعر به إذا وجد من يمد له يد العون ويفتح أمامه أبواب الأمل لاستكمال تفوقه الدراسي.
واستشهد وزير الأوقاف السابق، بأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي كان قد دعا فيها إلى رعاية طلاب الأزهر المكفوفين، مؤكدًا أن دعم المتفوقين ورعاية الموهوبين استثمار حقيقي في مستقبل الوطن، وأن الطالب الذي نساعده اليوم قد يصبح غدًا عالمًا بارزًا أو قائدًا ناجحًا يسهم في نهضة بلاده.
وشدد على أن الاستثمار في المعرفة والتعليم الجيد هو أعظم أنواع الاستثمار على مستوى الفرد والمجتمع، مشددًا على أن دعم الطلاب المتفوقين، خاصة من غير القادرين، يجب أن يحظى بأولوية خاصة لما يمثله من استثمار مباشر في مستقبل مصر وأجيالها القادمة.