من الفكرة إلى التتويج.. هامات تروي قصص ابتكار يصنع الإبداع
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
جسدت المشاريع الفائزة في برنامج "صنّاع الأفكار ــ هامات" صورة حيّة لقدرة العقول العُمانية على تحويل التحديات إلى فرص عبر مبادرات تنموية انطلقت من احتياجات واقعية، وتطورت إلى نماذج قابلة للتطبيق تحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وبيئية. وبين السياحة التجريبية، وإدارة الموارد بالتقنيات الذكية، والبحث العلمي المرتبط بالمستقبل الرقمي برزت ثلاث قصص نجاح صنعت لحظة التتويج.
مخيم النيم تجربة يعيشها السائح لا يكتفي بمشاهدتها
في مسار المحافظات؛ حيث جاء فوز فريق «مخيم النيم» تتويجًا لفكرة أعادت تعريف العلاقة بين الزائر والمكان. وقدم إسحاق بن هلال الشرياني رئيس مجلس إدارة "نُزل الدار" المشروع بوصفه استجابة مباشرة لملاحظة تتكرر في المشهد السياحي بمحافظة الداخلية حيث يغادر السائح سريعًا رغم ثراء المقومات.
وأوضح الشرياني أن الهدف كان إطالة مدة الإقامة عبر تجربة تجعل الزائر يعيش تفاصيل الحياة الريفية العُمانية بكل عناصرها من الزراعة وتربية المواشي إلى إعداد الطعام من منتجات المزرعة والتعرف على الحرف التقليدية. وأشار إلى أن الاسم مستوحى من شجرة محلية تُعرف بـ"الشريش" في تعبير رمزي عن التجذر في البيئة والهوية.
ويمتد المشروع إلى بعد استدامي واضح لا يقف عند حدود الضيافة، بل مع خطة لزراعة عشرة آلاف شجرة بدأ تنفيذها فعليًا بزراعة أربعة آلاف في المرحلة الأولى. ويرى الشرياني أن التجربة قابلة للتوسع مستقبلًا في مواقع أخرى بما يدعم الاقتصاد المحلي، ويوفر نموذجًا جديدًا للسياحة الأصيلة.
مبين للحلول.. الذكاء الاصطناعي في خدمة المياه
وفي مسار الشركات برز فريق "مبين للحلول" بمشروع تقني يتعامل مع أحد أهم الملفات الحيوية: كفاءة شبكات المياه.
ويروي ناصر الجهضمي عضو الفريق رحلة التأهل التي بدأت وسط منافسة كبيرة قبل الوصول إلى منصات العرض النهائية مؤكدًا أن قوة المشروع تكمن في بساطته وقابليته للتطبيق.
واعتمدت فكرة المشروع على مستشعرات ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الشبكات وقياس الضغط واكتشاف الاختلالات مبكرًا، الأمر الذي يقلل الفاقد، ويرفع كفاءة التشغيل. وبيّن الجهضمي أن الفريق طوّر نموذجًا أوليًا خضع لاختبارات مبدئية، والعمل مستمر لتحويله إلى منتج تشغيلي متكامل. وأكد أن الفوز يمثل حافزًا لمواصلة الابتكار، وتقديم حلول وطنية تسهم في استدامة الموارد وتعزيز البنية الأساسية.
التوأم الرقمي.. البحث العلمي يعانق الواقع
أما في مسار الجامعات فقد جاء تتويج مشروع "التوأم الرقمي" ثمرة عمل بحثي طويل.
وقال الدكتور يعقوب بن مبارك الرحبي محاضر بكلية التربية والآداب بجامعة صحار أن الفكرة بدأت عبر منصة "إيجاد" قبل أن تدخل مراحل تطوير متقدمة ضمن البرنامج.
وأشار إلى أن الفريق أعاد صياغة أجزاء كبيرة من المشروع خلال التدريب المصاحب بما يتلاءم مع المتطلبات التقنية الحديثة موضحًا أن روح الفريق التي جمعت تميم القاسمي وسندس الرحبي كانت عنصرًا حاسمًا في بلوغ منصة التتويج.
ويرى الرحبي أن هذا الفوز يعكس أهمية ربط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية، وتمكين الطلبة والباحثين من تحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية تخدم الاقتصاد والمجتمع.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر