سوريا- تتحرك الحكومة السورية لطي واحد من أكثر الملفات الأمنية والإنسانية تعقيدا في شمال شرقي البلاد، عبر خطة تهدف إلى تفكيك مخيمات تؤوي نساء وعوائل مقاتلي تنظيم الدولة، في مقدمتها مخيما الهول وروج بمحافظة الحسكة.

ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع استلام وزارة الداخلية السورية إدارة المخيمات من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في خطوة تعكس سعيا لإعادة بسط السيطرة الحكومية على هذا الملف الشائك، وسط مراقبة دولية حذرة وتساؤلات حول فرص النجاح والتحديات المرافقة.

وترى الحكومة السورية أن استمرار وجود هذه المخيمات بصيغتها الحالية يشكل ثغرة أمنية خطِرة، في ظل حوادث عنف متكررة ومحاولات هروب ونشاط خلايا نائمة داخل المخيمات، حيث تعتبر دمشق أن قوات "قسد" فشلت خلال السنوات الماضية في معالجة الملف جذريا، مكتفية بإدارة أمنية محدودة زادت من تعقيد الأزمة.

 

معظم القاطنين في مخيم الهول بسوريا من النساء والأطفال (الأوروبية)

علاج مجتمعي

وتبدو نظرة الحكومة السورية أقرب إلى المعالجة الإنسانية المجتمعية، بعيدا عن الحل الأمني كخطوة أولى للبدء بتفكيك المخيمات، لا سيما الهول، من خلال تأهيل وإدماج الأسرة السورية المحتجزة داخل المخيم.

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، في تصريحات إعلامية سابقة، إن إدارة مخيم الهول ستكون مختلفة عما كانت عليه في السابق، مشيرا إلى الانتقال لتحويله من بؤرة غير إنسانية تساهم في زيادة التوتر وتوليد الإرهاب، إلى ملف علاج مجتمعي شامل لأسر أفراد تنظيم الدولة.

وبحسب البابا، فإن من غير الممكن معاقبة أطفال وزوجات منتسبي تنظيم الدولة وتحميلهم الذنب، موضحا أن لدى الحكومة طريقة معالجة جديدة تقتضي الدمج المجتمعي لهؤلاء ليعودوا أفرادا منتجين في سوريا.

وتأسست مخيمات شمال شرقي سوريا، ولا سيما مخيما الهول والروج، بعد انهيار سيطرة تنظيم الدولة عام 2019، لتتحول لاحقا إلى تجمعات ضخمة تضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، بينهم سوريون وعراقيون وآلاف الأجانب.

إعلان

ووفقا لبيانات الأمم المتحدة، يؤوي المخيمان أكثر من 28 ألف شخص، بينهم نحو 6 آلاف أجنبي في الهول ونحو ألفي أجنبي في روج، ما يجعل الملف ذا أبعاد أمنية دولية تتجاوز الحدود السورية، بالتزامن مع مسار اتفاق لدمج "قسد" في الدولة السورية عسكريا وإداريا.

 

تجمعت مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب "قسد" من الحسكة (رويترز)ملف متشابك ومعقد

وتتزايد المؤشرات على تحول مقاربة الدولة السورية من إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريا، حيث يكتسب هذا التحول أهمية خاصة مع تداخل البعد الأمني بملف تنظيم الدولة، وتعقيدات الواقع الإنساني، وحسابات الفاعلين المحليين.

ويرى الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عبد الحي عرابي، أن تفكيك هذه المخيمات بات مسعى جديا لدى الحكومة السورية، في ظل ما تمثله من تهديد مباشر للأمن القومي.

وأوضح عرابي، في حديث للجزيرة نت، أن ملف المخيمات يعد من أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا، لكونه يجمع بين إرث تنظيم الدولة، والأبعاد الإنسانية، وحسابات "قسد".

ويشير إلى أن "قسد"، رغم مسار الإدماج في مؤسسات الدولة السورية، قد توظف أي انفجار أمني محتمل داخل المخيمات كورقة ضغط لتأجيل هذا المسار.

ويرجح عرابي أن الدولة السورية انتقلت من مرحلة التخطيط والدراسة إلى بدء التنفيذ العملي، مدفوعة بحاجتها الملحة لإنهاء هذا الملف الأمني الحساس.

ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن الحكومة تبدي نية وتصريحات جادة للعمل على تفكيك المخيمات وإنهاء هذا الملف، مشيرا إلى وجود خطوات عملية ضمن تخطيط ميداني، مستدركا أن الأمر يتطلب أكثر من فرض طوق أمني أو ضبط أمني تقليدي.

وقال علوان -في حديث للجزيرة نت- إن هذا الملف لا يمكن لأي جهة معالجته بمفردها، بما في ذلك الحكومة السورية، مشددا على أنه يحتاج إلى جهود إقليمية ودولية مشتركة، إضافة إلى وقت طويل وإجراءات معقدة للوصول إلى حلول مستدامة.

استعادة الرعايا

وفي ظل تعقيدات ملف مخيمات شمال شرقي سوريا، يبرز ملف الأجانب المرتبطين بتنظيم الدولة كأحد أكثر القضايا حساسية وإشكالية، لما يحمله من أبعاد أمنية وقانونية ودولية متشابكة.

وبين تردد بعض الدول في تحمل مسؤولياتها، ومبادرات محدودة من دول أخرى، تتزايد الدعوات لمعالجة هذا الملف وفق مقاربات أكثر جدية.

يؤكد الكاتب والباحث عرابي أن بعض الدول لا تزال ترفض استعادة رعاياها من مخيمات شمال شرقي سوريا، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، في حين قامت دول في آسيا الوسطى، مثل كازاخستان وأوزبكستان، باستعادة معظم رعاياها.

وقال عرابي، إن الأشخاص الذين ثبت تورطهم واستمرارهم في دعم تنظيم الدولة يجب أن تتم محاكمتهم من قبل دولهم، منتقدا لجوء بعض الدول إلى سحب الجنسية عن رعاياها وتركهم بلا أي وضع قانوني واضح.

وشدد على ضرورة فرض استعادة الرعايا من المخيمات عبر تفاهمات واضحة، أو من خلال برامج تأهيل فكري ودمج داخل سوريا، تمهيدا لإعادتهم إلى دولهم وفق مقترحات تقدمها تلك الدول للحكومة السورية.

إعلان

وكما يرى عرابي، اعتبر علوان أن تعاون الدول في استعادة رعاياها لا يزال ضعيفا جدا، لافتا إلى أن الملف يحمل أبعادا سياسية وأمنية معقدة، وقد يشهد خروقات محدودة في حال وافقت بعض الدول على استعادة رعاياها ومحاكمتهم، لكن هذه الاحتمالات تبقى ضعيفة.

وأوضح أن أي خطة واقعية يجب أن تُبنى على افتراض غياب تعاون الدول المعنية، والعمل على إشراكها في معالجة الملف داخل الأراضي السورية، بدلا من الاكتفاء بالمطالبات الدبلوماسية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تُمثل محاكمة جرائم الحرب السورية المرتقبة في النمسا لحظةً فارقةً في الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة مسؤولين سابقين في نظام الأسد على الانتهاكات المزعومة التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية السورية. 

بحسب تقرير نيويورك تايمز، من المقرر أن يمثل ضابطا الأمن السوريان السابقان، خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة، أمام المحكمة في فيينا بعد أن قضيا أكثر من عقد من الزمن في النمسا، حيث مُنح كلاهما حق اللجوء.

تُتيح هذه القضية، وهي الأولى من نوعها ضد مسؤولين سابقين في نظام الأسد في النمسا، للضحايا والشهود السوريين فرصةً نادرةً لمواجهة الأفراد الذين يتهمونهم بالتعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال السنوات الأولى للانتفاضة السورية.

النمسا تفتح قضية تاريخية ضد مسؤولين سوريين سابقين

يُعدّ خالد الحلبي، العميد السابق وأحد أرفع المسؤولين في حكومة الرئيس السابق بشار الأسد الذين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب أمام محكمة أوروبية، محور محاكمة جرائم الحرب السورية.

شغل الحلبي، البالغ من العمر 63 عامًا، منصب رئيس أمن الدولة في مدينة الرقة بين عامي 2011 و2013، وهي فترة اتسمت بقمع واسع النطاق للاحتجاجات المناهضة للحكومة. ويزعم المدعون العامون أنه لعب دورًا في قمع حركة الاحتجاج وأشرف على ممارسات شملت التعذيب وسوء المعاملة.

كما يُحاكم أيضًا مصعب أبو ركبة، البالغ من العمر 54 عامًا، وهو مقدم سابق شغل منصب رئيس التحقيقات في مديرية شرطة الرقة الجنائية قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة مكتب الأمن السياسي، وهو فرع استخباراتي تابع لوزارة الداخلية السورية.

يقيم الرجلان في النمسا منذ عام 2015 بعد حصولهما على حق اللجوء.

 التهم تتركز على تعذيب المتظاهرين وإساءة معاملتهم

وفقًا للائحة الاتهام التي أعدها مدّعو فيينا، يواجه المتهمون تهمًا تشمل التعذيب، والإكراه الشديد، والإكراه الجنسي، والإيذاء الجسدي، والتي يُزعم أنها ارتُكبت في إطار جهود قمع حركة الاحتجاج في سوريا.

من المتوقع أن تستدعي النيابة العامة 18 شاهدًا سوريًا، من بينهم متظاهرون سابقون، وأطباء، ومسؤولون حكوميون سابقون، يدّعون أنهم اعتُقلوا وعُذّبوا أثناء الاستجواب.

من المتوقع أن تصف شهادات الشهود حالات ضرب، وصعق بالكهرباء، واعتداءات جنسية، وسوء معاملة مطوّلة، يُزعم أنها وقعت في مكاتب يسيطر عليها المتهمون.

وتنص لائحة الاتهام على أن بعض المعتقلين عانوا من كسور في العظام، وتعرضوا للتعذيب باستخدام أداة تُعرف باسم "البساط الطائر"، وهي عبارة عن جهاز خشبي مصمم لثني السجناء في أوضاع مؤلمة قد تُسبب إصابات خطيرة في العمود الفقري.

ويزعم المدّعون أن الضحايا تحملوا فترات طويلة من المعاناة استمرت لأسابيع.

المتهمان ينفيان ارتكاب أي مخالفات

سبق أن نفى الرجلان، عبر ممثليهما القانونيين، إساءة معاملة المعتقلين.

بعد نشر لائحة الاتهام، امتنع محامو الحلبي وأبو ركبة عن التعليق علنًا على الادعاءات.

السعي لتحقيق العدالة في غياب محكمة دولية

وتسلط محاكمة جرائم الحرب السورية الضوء على كيف أصبحت المحاكم الوطنية جهات رئيسية لمحاكمة الجرائم المرتبطة بالنزاع في سوريا.

وأُعيقت الجهود الرامية إلى إنشاء آلية قانونية دولية لسوريا خلال الحرب بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مبادرات كانت ستسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في البلاد.

ونتيجة لذلك، رفعت دول، من بينها ألمانيا والسويد، والآن النمسا، دعاوى قضائية بموجب مبادئ الولاية القضائية العالمية التي تسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان وقوعها.

كما بدأت الحكومة السورية الحالية، بقيادة أحمد الشرع بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، باتخاذ إجراءات قانونية ضد مسؤولي النظام السابقين داخل سوريا.

تحقيقٌ دام عقدًا من الزمن

وتُعدّ قضية الحلبي وأبو ركبة ثمرة سنوات من العمل الدؤوب الذي قام به نشطاء سوريون ومنظمات حقوقية ومحققون دوليون.

وأمضت لجنة العدالة والمساءلة الدولية أكثر من عقد في جمع الأدلة ضد الحلبي. ووفقًا لممثلي اللجنة، فقد أُبلغت السلطات النمساوية بوجوده في البلاد منذ عام 2016.

ووصفت نيرما جيلاسيتش، المتحدثة باسم اللجنة، المحاكمة بأنها دليل على إمكانية تحقيق المساءلة حتى بعد التأخيرات الطويلة.

وأشارت إلى أن الحلبي يُعدّ من بين كبار المسؤولين السوريين السابقين الذين يواجهون المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.

وعمل المحققون أيضًا على تحديد هوية الشهود المنتشرين في أنحاء أوروبا ودعمهم، والذين لا يزال الكثير منهم يعاني من صدمات نفسية نتيجة لتجاربهم خلال النزاع.

صلة بالموساد تُضيف بُعدًا جديدًا للقضية

من أبرز جوانب محاكمة جرائم الحرب السورية الكشف عن صلات مزعومة بين الحلبي وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد).

وأشارت معلومات ظهرت خلال قضية منفصلة في محكمة نمساوية إلى أن الحلبي كان، على ما يبدو، مصدرًا استخباراتيًا للموساد، بينما كان يشغل في الوقت نفسه مناصب رفيعة في جهاز الأمن السوري.

أشارت الأدلة المقدمة في تلك القضية إلى أن جهات اتصال استخباراتية نمساوية وإسرائيلية ساعدت الحلبي في الوصول إلى النمسا والحصول على اللجوء عام 2015.

في عام 2023، وجه المدعون النمساويون اتهامات لعدد من مسؤولي المخابرات واللجوء النمساويين السابقين بتسهيل هذه العملية.

رغم تبرئة أربعة مسؤولين، وبقاء خامس مطلوبًا بموجب مذكرة توقيف دولية، أكدت الإجراءات علنًا وجود الحلبي في النمسا، وأعادت تسليط الضوء على أنشطته خلال الحرب.

لم تُعلّق الحكومة الإسرائيلية ولا الموساد علنًا على الادعاءات المتعلقة بتورطهما.

الضحايا يسعون إلى محاسبة طال انتظارها

بالنسبة للعديد من السوريين المشاركين في القضية، تُمثل المحاكمة فرصة نادرة للمطالبة بالمحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية المدمرة في البلاد.

وأحد أبرز المُدّعين، المحامي السوري أسياد الموسى، تعرّف على أبو ركبة لأول مرة في مخيم للاجئين بالنمسا عام 2014. أبلغ الموسى السلطات عن وجوده، واستمر في التعاون مع المحققين طوال العقد التالي.

وفي معرض حديثه عن الإجراءات المرتقبة، قال الموسى إن السوريين عاشوا سنوات من الخوف في ظل مؤسسات أمنية قوية، وأعرب عن أمله في أن تتحقق العدالة أخيرًا.

أهمية تتجاوز النمسا

تتجاوز أهمية محاكمة فيينا حدود النمسا. باعتبارها إحدى أهم المحاكمات الأوروبية التي تورط فيها مسؤولون سابقون من عهد الأسد، تُبرز هذه القضية الجهود الدولية المتواصلة لمعالجة جرائم الحرب المزعومة التي ارتُكبت خلال النزاع السوري.

كما تُظهر محاكمة جرائم الحرب السورية الدور المتنامي للمحاكم المحلية في تحقيق المساءلة في ظل غياب الآليات الدولية.

بالنسبة للناجين والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان، تُمثل هذه الإجراءات فرصةً لوضع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة تحت المجهر القضائي بعد سنوات من التحقيق والإعداد القانوني.

مع بدء الإدلاء بالشهادات في فيينا، يُتوقع أن تُصبح هذه المحاكمة فصلاً بالغ الأهمية في مسيرة تحقيق العدالة لجرائم الحرب الأهلية السورية.

مقالات مشابهة

  • مقترح بخطة تمتد 60 يوما تنسحب خلالها إسرائيل من لبنان
  • تعميم صورة سيّدة مجهولة الهويّة عُثر عليها على مقربة من الحدود اللبنانية – السورية
  • روبيو: فتح مضيق هرمز مجانا مقابل رفع الحصار عن إيران
  • روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا
  • 5% من الأرباح إلى الخزانة .. كيف تراهن الحكومة على شركات الدولة لزيادة الموارد؟
  • الحج: حجز موعد زيارة الروضة يسهِم بتنظيم الزيارة وأدائها بطمأنينة  
  • اتحاد شباب المصريين يشيد بتنظيم السعودية لموسم الحج 2026
  • خطة أمريكية جديدة لاحتواء التصعيد.. هل تنجح مبادرة وقف النار بين لبنان وإسرائيل؟
  • برلماني: حملات التشكيك في قيم الانتماء والتضحية جزء من حروب نفسية تستهدف تفكيك الوعي الوطني وإضعاف الدول
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية