السياق التاريخي والزمني في حادثة تحويل القبلة
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
تُعد حادثة تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة انعطافة تاريخية كبرى جسدت استقلال الشخصية الإسلامية وتمايزها العقدي، لم يكن الأمر مجرد تغيير اتجاه مكاني، بل كان امتحانًا إلهيًا لليقين، واستجابةً لرغبة نبوية شريفة، وإعلانًا لوسطية الأمة وارتباطها بالإرث الإبراهيمي العتيق.
حادثة تحويل القبلة
اتفق أهل العلم على أن تحويل القبلة كان في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة ، ولكن تعددت الأقوال في وقتيتها على أقوال منها:
قال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين.
وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدلّ على ذلك، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ بَعْدُ». [أحمد (٣٢٧٠)].
وقيل: في شعبان منها. قال ابن إسحاق: بعد غزوة عبد اللَّه بن جحش، ويقال: صرفت القِبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة.[ "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٠٦)]، وحكى هذا القول ابن جرير، من طريق السّدّيّ بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة. [ "تاريخ الطبري" (٢/ ٤١٦)].
قال الجمهور الأعظم؛ إنّها صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد، عن الواقديّ أنّها حوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظرٌ، واللَّه أعلم. [ "تاريخ الطبري" (٢/ ٤١٦)، "شذرات الذهب" (١/ ١١٤)].
تحويل القبلة في القرآن الكريم
خلّد القرآن الكريم هذه اللحظة في سورة البقرة، موضحًا تقلب وجه النبي صلى الله عليه وسلم في السماء انتظارًا للوحي، واستجابة الله لرغبته:
حدثنا محمد بن مسلم الزهري قال: أوّل ما نسخ من القرآن من سورة البقرة القبلة. كانت نحو بيت المقدس، تحولت نحو الكعبة، فقال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة: ١١٥]، نسخ بقوله تعالى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٤٤] .[ابن شهاب الزهري، الناسخ والمنسوخ، ص١٨].
تلبية الرغبة النبوية: صلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل بيت المَقْدِس من أول مقدمه المدينة سبعة عشر شهرًا وصلت الأَنْصَار قبل بيت المَقْدِس سنتين قبل هجرة النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ لجبريل- عليه السلام وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فَقَالَ جبريل- عليه السلام إِنَّمَا أَنَا عَبْد مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذَلِكَ، وصعد جبريل إلى السماء، وَجَعَل النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل- عليه السلام بما سَأَلَ.
فأنزل اللَّه- عز وجل فِي رجب عِنْد صلاة الأولى قبل قتال بدر بشهرين: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ﴾ [البقرة: ١٤٤] .[د. عبدالله شحاته ، تفسير مقاتل بن سليمان، ص١٤٤].
أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ﴾ [البقرة: ١٤٤] قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقلِّبُ وجهَه إلى السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها.[جامع البيان، الطبري، ج٢، ص٦٥٧].
﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ لَیَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]
قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُقَدَّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وَمَعْنَى ﴿تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]: تَحَوُّلُ وَجْهِكَ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، الزَّجَّاجُ: تَقَلُّبُ عَيْنَيْكَ فِي النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَخَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ إِذْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِتَعْظِيمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا كَالْمَطَرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ، وَمَعْنَى ﴿تَرۡضَىٰهَاۚ﴾ تُحِبُّهَا. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ إِذَا صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى قِبَلِ الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ ﴾ [البقرة: ١٤٤]. [القرطبي، تفسير القران العظيم،ج٢، ص١٥٨]
الاختبار والابتلاء: أوضح القرآن أن هذا التغيير كان امتحانًا لتمييز المؤمن الصادق من المتشكك: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِی كُنتَ عَلَیۡهَاۤ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن یَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن یَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِۚ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: “وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه.[الطبري، جامع البيان،٣/١٥٥].
﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِی كُنتَ عَلَیۡهَاۤ إِلَّا لِنَعۡلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣]: اختبار إيماني ليعلم الله مدى إيمانكم ومن سيطيع الرسول فيما جاءه من الله ومن سينقلب على عقبيه. . فكأن أمر تحويل القبلة سيحدث هزة إيمانية عنيفة في المسلمين أنفسهم، فيعلم الله من يستمر في إيمانه واتباعه لرسول الله، ومن سيرفض ويتحول عن دين الإسلام.[الشيخ الشعراوي، تفسير الشعراوي، ص٦٢٨].
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: تحويل القبلة حدث تحويل القبلة ذكرى تحويل القبلة صلى الله علیه وسلم تحویل القبلة ف ی ٱلس
إقرأ أيضاً:
فضل إلقاء السلام والمصافحة بالدلائل من السنة النبوية
من المقرر شرعًا أن السلامُ على الناس والمصافحة فيما بينهم من السنن الحسنة التي يغفر الله تعالى بها الذنوب، وهذا ما قررته السنة النبوية المطهرة؛ فعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن"، وابن أبي شيبة في "المصنف".
فضل المصافحةوعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، وابن شاهين في "الترغيب".
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللهِ، يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ وَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهُمَا وَمَا تَأَخَّرَ» أخرجه أبو يعلى الموصلي في "المسند"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والشجري في "ترتيب الأمالي".
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَتَصَافَحَا كَانَ أَحِبَّهُمَا إِلَى اللهِ تَعَالَى أَحْسَنُهُمَا بِشْرًا لِصَاحِبِهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "شعب الإيمان".
الرد على دعوى أن المصافحة بعد الصلاة بدعة
أما دعوى عدم جواز المصافحة عقب الصلاة؛ لأنها بدعة، فهذا قول مردود؛ وذلك لأن للعلماء في تعريف البدعة شرعًا مسلكين:
المسلك الأول: وهو مسلك الإمام العز ابن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعة، وجعلها تدور مع أحكام الشرع التكليفية الخمس.
والمسلك الثاني: جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة والمندوبة والمباحة والمكروهة بدعًا كما فعل الإمام العز ابن عبد السلام، وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على المحرَّمة، وعلى ذلك جماهيرُ الفقهاء.