سلطنة عُمان تحتفي بالشخصيات العُمانية المؤثرة عالميا المدرجة في برامج اليونسكو
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
نظمت كلية العلوم الشرعية بمسقط اليوم ندوة علمية بعنوان "إضاءات من المنتج الفكري واللغوي للشخصيات العُمانية اللغوية المدرجة في اليونسكو"، بمشاركة 6 باحثين، بحضور الدكتور محمود بن عبد الله بن محمد العبري أمين اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم.
وذلك مشاركة لاحتفاء سلطنة عُمان اليوم بالشخصيّات العُمانيّة المؤثّرة عالميّا المُدرجة في برامج اليونسكو والجهود التي تبذلها المؤسسات الثقافية المعنية في جمع وتوثيق الآداب والمدوّنات العُمانية التي ألّفتها شخصيات عُمانية بارزة لمع نجمها عبر مئات السنين.
من الإدراج إلى الآثار
وشارك في الندوة التي أدارها الدكتور أحمد بن عبيد التمتمي كل من الدكتور يونس بن جميل النعماني من اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم، بورقة حملت عنوان " الشخصيات العمانية في اليونسكو: من الإدراج إلى الآثار" ذكر فيها أن برنامج «ذاكرة العالم» التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) يُعد من أبرز البرامج الدولية المعنية بإبراز الشخصيات والأحداث التاريخية المؤثرة في مجالات التربية والثقافة والعلوم، والعمل على حفظ الذاكرة الحضارية للإنسانية من خلال توثيق الإسهامات الفكرية والعلمية التي تركت أثرا ممتدا عبر الزمن.
وأوضح أن هذا البرنامج يأتي ضمن منظومة اليونسكو الثقافية، وقد صدر بموجب القرار رقم (5) من الدورة الرابعة والسبعين بتاريخ 16 سبتمبر 1974؛ حيث يختص بتنظيم الأنشطة المتعلقة بالتراث الوثائقي العالمي، وتعزيز التعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية ذات العلاقة، ومنها منظمة الإيسيسكو، ومنظمة الألكسو، وغيرها من الجهات المعنية بالتربية والثقافة والعلوم.
وأشار النعماني إلى أن برنامج «ذاكرة العالم» يهدف إلى تسليط الضوء على الإسهامات الإنسانية الكبرى بعيدا عن الجوانب السياسية والعسكرية، إذ يركّز على العلماء والمفكرين والمبدعين الذين قدموا إنجازات واضحة في خدمة المعرفة البشرية، وأسهموا في بناء التراث العلمي والثقافي العالمي.
وبيّن أن البرنامج يعتمد معايير دقيقة لإدراج الشخصيات؛ إذ يشترط أن تكون الشخصية قد توفيت، وألا تكون على قيد الحياة، كما يجب أن يكون قد مضى على ميلادها خمسون عاما أو مضاعفات ذلك، إضافة إلى ضرورة أن يتجاوز تأثيرها حدود الوطن ليكون لها حضور عالمي واضح وإسهام نافع للبشرية جمعاء.
وأضاف أن سلطنة عمان ولله الحمد حققت حضورا مهما في هذا البرنامج؛ حيث تم حتى الآن إدراج تسع شخصيات عمانية بارزة، إلى جانب حدث تاريخي واحد، وهو ما يعكس عمق الإرث الحضاري العماني وإسهاماته المتجذرة في مسيرة الثقافة والعلوم، وذكر أن من أبرز الشخصيات التي تم إدراجها كالخليل بن أحمد الفراهيدي رائد علم النحو والعَروض، والطبيب والصيدلاني راشد بن عميرة ، والعالم المصلح الشيخ نور الدين السالمي، إضافة إلى الشاعر الكبير أبو مسلم البهلاني، والملاح العماني الشهير أحمد بن ماجد، وعدد من العلماء والمؤرخين الذين تركوا بصمات واضحة داخل عمان وخارجها.
ملحمة عمان
كما ألقى الدكتور أحمد علي لقم ورقة حملت عنوان «البعدان الفني والخلقي في قصيدة ملحمة عمان للشيخ الشاعر عبد الله بن علي الخليلي»؛ حيث قال بأن هذا البحث يأتي بوصفه قراءة نقدية تطبيقية تسعى إلى إبراز التفاعل العميق بين الجمال الفني والرسالة الأخلاقية في هذه القصيدة الملحمية، التي تُعد من أبرز النصوص الشعرية التي جسدت الهوية العمانية في بعدها الحضاري والثقافي والإنساني.
وأوضح أن أهمية هذه الورقة تنبع من كونها نموذجا لدراسة القصيدة العربية الحديثة من زاويتين متكاملتين، هما البعد الفني بما يتضمنه من صورة وإيقاع وبناء جمالي، والبعد الخلقي بما يحمله النص من قيم إنسانية واجتماعية؛ حيث يتبدى الفن في هذه الملحمة بوصفه أداة سامية لخدمة الأخلاق وترسيخ المبادئ الكبرى في وجدان الأمة، وأشار إلى أن الدراسة تسعى إلى الكشف عن مظاهر التشكيل الفني في القصيدة، من خلال تحليل الصورة الشعرية، والحركة الداخلية للنص، والرموز الوطنية، والتوظيف اللوني والدلالي، فضلا عن استقراء منظومة القيم التي بثها الشاعر في نصه مثل العدل والوفاء والنور والرحمة والتماسك الاجتماعي.
وبيّن أن البحث اعتمد على جملة من المناهج النقدية الحديثة، منها المنهج الوصفي التحليلي، والمنهج النفسي والاجتماعي، والتحليل البنيوي والاستقرائي، ضمن رؤية تكاملية تربط بين جماليات التعبير الشعري ودلالاته الأخلاقية والاجتماعية، وأضاف أن الجانب الفني في الملحمة يتجلى بوضوح من خلال اختيار بحر الرجز، وهو بحر ملحمي معروف بإيقاعه السريع وحركته المتدفقة، مما يمنح النص طاقة تعبيرية عالية تتناسب مع الطابع البطولي واستنهاض الهمم، كما تبرز بنية الصورة الشعرية عبر التشخيص وبث الروح في الجمادات، إذ يجعل الشاعر التاريخ ناطقا والزمان شاهدا والمجد ناهضا، ويمنح المكان بعدا حيا يصوّر الوطن كأنه كائن نابض بالحياة.
وأكد أن الشاعر وظّف رموزا وطنية كثيفة، فالجبال تصبح علامة للثبات، والبحر رمزا للسيادة، والنخل دلالة على العطاء والكرم، إلى جانب توظيف لوني يعكس قوة التمثل الشعوري مثل خضرة الجبال وحمرة الدماء، في مزاوجة بين جمال الطبيعة وعمق التضحية، موضحا أن البعد النفسي والانفعالي في القصيدة يجعلها صوتا جماعيا يتحدث باسم الأمة، حيث تتداخل الانفعالات الفردية بالانفعالات الجمعية، ويبرز استحضار البطولات والاعتزاز بالجذور وتحويل الحزن إلى قوة والانكسار إلى عزة، بما يعكس وعيا نفسيا عميقا لدى الشاعر في مخاطبة الوجدان العام.
المجاز العارج والدارج
وقدمت الدكتورة شفيقة وعيل من جامعة نزوى، ورقة بحثية حملت عنوان «بين المجاز العارج والمجاز الدارج: أنطولوجيا الشعرية عند أبي مسلم البهلاني» تأتي في سياق السعي إلى بناء رؤية نقدية عربية تنطلق من التراث المعرفي الإسلامي، وتتجاوز حدود المناهج المستوردة التي كثيرا ما تُقرأ بها النصوص العربية بمعزل عن خصوصيتها القرآنية والكلامية والروحية، وأوضحت أن تجربتها العلمية، منذ بداياتها في الجزائر ضمن الدراسات الدينية والكلامية، قادتها إلى قناعة مفادها أن تأسيس منهج عربي حقيقي ينبغي أن ينطلق من القرآن الكريم بوصفه أصلا معرفيا يؤسس للوعي واللغة والرؤية الوجودية، وأن دراسة المجاز في الشعر لا يمكن فصلها عن هذا العمق الذي يشكل الخلفية الكبرى للبلاغة العربية.
وبيّنت أن الورقة تقترح انتقالا من النظر إلى المجاز بوصفه مجرد أداة بلاغية أو صورة لغوية، إلى اعتباره جسرا أنطولوجيا بين مستويين من الوجود، هما عالم الغيب وعالم الشهادة، حيث يعيش المسلم في اللحظة الواحدة ضمن هذين البعدين معا، فيؤمن بالله تعالى ويتعامل في الوقت ذاته مع الواقع المحسوس، فيتشكل المجاز هنا كحركة معنوية تربط بين المرئي وغير المرئي، وأضافت أن هذه الرؤية تجعل المجاز أفقا وجوديا لا يقتصر على الزينة البيانية، بل يصبح طريقة لفهم العالم، ومفتاحا لتفسير العلاقة بين الحقيقة في الشاهد والحقيقة في الغيب، ومن ثم تتحول البلاغة إلى أداة إدراك، وليست مجرد صناعة لفظية.
وأكدت الدكتورة شفيقة أن اختيار أبي مسلم البهلاني مجالا للتطبيق لم يكن اعتباطيا، إذ يمثل نموذجا فريدا يجمع بين علم الكلام من جهة، والروحانية والسلوك الصوفي من جهة أخرى، وهو ما يمنح شعره طاقة خاصة في بناء المجاز بوصفه حركة صاعدة نحو التعالي، أو حركة نازلة نحو التجسيد، وأشارت إلى أن الورقة تميز بين نمطين من المجاز، هما المجاز العارج الذي يصعد بالمحسوس إلى المجرد، ويحوّل اللغة إلى أفق تأملي يفتح على المعاني الغيبية، والمجاز الدارج الذي ينزل بالمعنى المتعالي إلى المجال الحسي القريب، مع الاحتياط الدائم لمقام التنزيه وعدم التشبيه، وهو ما يرتبط في العمق بالجدل الكلامي حول قياس الشاهد على الغائب وحدود التأويل.
مظاهر الإيقاع
وشارك أشرف بن محمد النعماني بورقته البحثية المعنونة بـ«مظاهر الإيقاع في نونية أبي مسلم البهلاني»، مبينا أنها تقوم على محورين رئيسين؛ يتناول الأول المصطلحات الأساسية التي يتضمنها عنوان الورقة، فيما يركز الثاني على الكشف عن أبرز مظاهر الإيقاع التي تتجلى في هذه القصيدة الشهيرة.
وأوضح أن أبا مسلم البهلاني يُعد من أبرز أعلام الشعر والفكر في عُمان، وهو القاضي ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني، وقد نشأ في بيئة علمية راسخة، وتلقى معارفه الأولى في بلدته، ثم انتقل إلى زنجبار حيث استقر هناك وأسهم في صناعة مشهد علمي وأدبي مؤثر، وتتلمذ عليه عدد من طلاب العلم، من بينهم ابنه، وابن أخيه سالم بن سليمان البهلاني الذي كان له حضور بارز في الحياة الثقافية، وأشار إلى أن أبا مسلم كان مناصرا لدولة الإمام سالم بن راشد الخروصي رحمه الله عند قيامها، وقد أنشأ في تلك المرحلة عددا من القصائد الحماسية ذات البعد الديني والسياسي، ومن أشهرها هذه النونية التي عُرفت كذلك بأسماء متعددة مثل «قصيدة الفتوى»، و«يا للرجال»، وقد وردت هذه العناوين في بعض الطبعات والمخطوطات.
وبيّن الباحث أن القصيدة كُتبت في زنجبار بقصد استنهاض القبائل العُمانية لنصرة الإمام سالم، وقد كان لها أثر بالغ في تحريك العواطف وبعث الحماسة، حتى إن أبا مسلم أشار في رسائله إلى ضرورة نشرها وإشاعتها بين شيوخ القبائل لما تحمله من قوة تأثير في النفوس، وانتقل أشرف النعماني إلى مفهوم الإيقاع، موضحا أن هذا المصطلح قد يعتريه شيء من الغموض لاختلاف الباحثين في تحديده، إذ يرى اتجاهٌ أنه ظاهرة صوتية خالصة لا تتجلى إلا في النغم والوزن، بينما يذهب اتجاه آخر إلى توسيع مفهوم الإيقاع ليشمل مظاهر أعم تتصل بالحياة والفكر والروح، وأكد أنه في هذه الورقة يسير على اعتبار الإيقاع ظاهرة صوتية في المقام الأول.
وأوضح أن الإيقاع في القصيدة ينقسم إلى نوعين: إيقاع ثابت، وإيقاع متحرك، فالإيقاع الثابت هو ما يرتبط بالقضايا العروضية الملزمة للشاعر، كالوزن والقافية والتزام نظام البحر الشعري، وقد جاءت نونية أبي مسلم على البحر البسيط، بقافية مطلقة وروي متحرك، مما يمنحها جرسا موسيقيا واضحا واستمرارا صوتيا قويا، ومن مظاهر الإيقاع الثابت كذلك ما يعرف بالتصريع في مطلع القصيدة؛ حيث يتشابه شطرا البيت الأول في الوزن والروي، وهو تقليد جمالي درج عليه الشعراء لإحداث وقع افتتاحي قوي، كما أشار إلى ظاهرة التدوير، وهي اشتراك الشطرين في كلمة واحدة تنقسم بينهما وفق مقتضيات الوزن، مما يضفي على الإيقاع انسيابا واتصالا.
ثم انتقل الباحث إلى الإيقاع المتحرك أو الداخلي، وهو الذي لا تفرضه قواعد العروض، وإنما يتجلى من خلال براعة الشاعر في بناء التكرار والتنغيم والتماثل الصوتي داخل النص، وهو المجال الذي تظهر فيه الخصوصية الأسلوبية لأبي مسلم، ومن أبرز مظاهر الإيقاع الداخلي الترديد، وهو إعادة اللفظ مع إضافة دلالة جديدة في السياق الثاني، كما في الجمع بين البياض الحقيقي والبياض المجازي، ومن مظاهره كذلك التكرار الذي يأتي للتوكيد وبعث الحماسة، كما في ترديد النداء «يا للرجال» في مواضع متعددة من القصيدة.
كتاب الأزمنة
وقدّم إبراهيم بن عيسى البوسعيدي ورقة بحثية مشتركة مع الدكتورة سعاد بنت سعيد الدغيشية بعنوان «المعالجة اللغوية للآيات القرآنية في كتاب الأزمنة للمبرّد»، تناولت جانبا دقيقا من جوانب التداخل بين الدرس اللغوي والتراث القرآني في واحد من الكتب التراثية النادرة التي لم تحظ بالعناية الكافية رغم أهميتها العلمية، وأوضح البوسعيدي أن كتاب «الأزمنة» للمبرّد يُعدّ مؤلفا فريدا في موضوعه، إذ يعالج ما يتصل بزمن الإنسان وتقسيمات الليل والنهار وأوصاف العرب الدقيقة للأوقات والساعات، بما يكشف عن ثراء الحسّ اللغوي عند القدماء، وسعة تعبيرهم عن التحولات الزمنية وما يرتبط بها من مشاعر وتجارب إنسانية.
وبيّن أن خصوصية الكتاب لا تكمن في كونه تفسيرا للقرآن الكريم، وإنما في استحضاره لآيات القرآن الكريم استشهادا واستنارة داخل السياق اللغوي؛ حيث يتعامل المبرّد مع النص القرآني بوصفه معينا عربيا أعلى، تستثمر دلالاته في فهم اللغة والزمان معا، لا مجرد شاهد لغوي محدود الوظيفة، وأشار إلى أن الدراسة قُسّمت إلى مسارين متكاملين: مسار يعالج الآيات من الناحية اللفظية؛ حيث يستدل المبرّد باستعمال القرآن على بيان العربية أو يستضيء باستعمال العرب لفهم ما ترشد إليه الألفاظ القرآنية، ومسار آخر يعالجها من الناحية المعنوية؛ حيث تتحول الآيات إلى مفاتيح لفهم حقائق الزمن وأسراره، وإلى مدخل للتأمل في المعنى الكوني والروحي الذي تحمله مفردات الليل والنهار.
وضرب مثالا باستحضار المبرّد لقوله تعالى "وجعلنا الليل لباسا" لتفسير صورة شعرية تصف الليل بسواده وكأنه غطاء ينسدل على الكون، مبينا كيف ينطلق من الاستعارة القرآنية لتوسيع أفق الدلالة في النصوص الأدبية، كما عرض مثالا آخر في تفسير معنى "المبيت"؛ حيث نفى أن يكون المبيت مرادفا للنوم، مؤكدا أنه يدل على الفعل الذي يقع ليلا، مستشهدا بقوله تعالى "يبيتون غير الذي تقول"، ليكشف عن تصحيح لغوي ظل شائعا عبر العصور، وتوقف عند استنتاج المبرّد لأسبقية الليل على النهار في التصور الكوني من خلال تقديم الليل في الآيات، ومن خلال دلالة النهار بوصفه “سراجا” لا يُحتاج إليه إلا لدفع الظلمة، وهو توظيف للآية لا بوصفها شاهدا بل بوصفها مفتاحا لمعرفة أعمق.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: والثقافة والعلوم الع مانیة أبی مسلم وأوضح أن من خلال ع مانیة المبر د من أبرز إلى أن فی هذه
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..