من بورديو إلى قسمة ونصيب.. كيف تحوّلت برامج الواقع إلى سلطة ثقافية؟
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
قد يثير فضول الشاب العربي اليوم نجوم برامج الواقع أكثر مما يثيره صنّاع الفكر، بل وربّما أكثر من صنّاع الحداثة أنفسهم، أولئك الذين مهّدوا لغزو المنصّات الرقمية بمضامينها الجديدة. فهل نحن أمام تبدّلٍ طبيعيّ في الأذواق بتبدّل الأجيال أم أمام نوع من "تبلّد" فكري يرفض التصالح مع الثورة الرقمية، فلا يقدّم بديلا نقديّا للسّائد المبتذل؟ وهل ما يزال مسموحا للمفكّرين البقاء في أبراجهم العاجية، مكتفين بدور النقّاد الرافضين للظواهر الإعلامية الجديدة التي تُشيّئ المجتمع، أم أنّ المطلوب اليوم هو اقتحام هذه الفضاءات وتقديم بدائل قادرة على المنافسة؟
أسئلة كثيرة تقفز إلى الذهن كلّما ظهرت حلقة جديدة من برنامج "قسمة ونصيب"، الذي تدفع الخوارزميات إلى انتشاره وغزوه مختلف المنصّات الرقمية، ومعه سابقًا برنامج "الأسد الحقيقي".
تحظى هذه البرامج بنسبة مشاهدة عالية، وتفاعلات كثيفة، وتعليقات وتصاميم تُكرّس شهرة المشاركين والمشاركات فيها. ولو سألنا اليوم شابًا من الجيل الجديد عن اسم مفكّر، ثم عن اسم أحد مشاهير هذه البرامج، لأجاب تسعة من كلّ عشرة عن الاسم الثاني، وربما جهلوا الأوّل تماما.
فعليّا، تثير برامج الواقع المعروضة على منصّات رقمية مثل يوتيوب، ومن بينها "قسمة ونصيب" و"الأسد الحقيقي"، أسئلة تتجاوز الترفيه إلى ما هو أكثر خطورة: أيّ وعيٍ تُنتجه هذه البرامج؟ وأيّ نموذج إنساني تحاول ترسيخه؟
هل الترفيه سلطة ثقافية؟
يخطئ من يختزل الإشكال في التطوّر التقني الذي سمح بانتشار المنصّات الرقمية، وحوّل يوتيوب إلى ما يشبه تلفزيونًا جديدًا. فجوهر الإشكال لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في أنماط استخدامها وفي كيفيّة توظيفها لإنتاج مضامين. نحن هنا أمام أحد تجلّيات هذا الاستخدام، حيث يبدو برنامج "قسمة ونصيب" أشبه بمعسكر مغلق، يخضع لقواعد صارمة وعقود مُلزمة، يتحوّل فيها المشاركون إلى منفّذين لأدوار محدّدة سلفًا. من الملابس إلى طبيعة المواضيع المطروحة، ومن شكل العلاقات إلى إدارة الخلافات، كلّ شيء قابل للإخراج والتوجيه. أمّا من يخرج عن القواعد المرسومة، فمصيره الإقصاء.
تسليع الجسد والعاطفة
يُقدَّم الجسد، ولا سيما جسد المرأة، محتوى للفرجة والانتقاء، في مشاهد لا تخلو من الإهانة، وتُعيد إلى الأذهان صور سوق النخاسة أو “الحرملك” في الدراما التاريخية. ورغم أنّ هذا التمثيل يُسوَّق تحت عناوين الحرية والانفتاح، فإنّه في جوهره يعيد إنتاج علاقات سلطة غير متكافئة، تُقدَّم في قالب ترفيهي ناعم.
يخطئ من يختزل الإشكال في التطوّر التقني الذي سمح بانتشار المنصّات الرقمية، وحوّل يوتيوب إلى ما يشبه تلفزيونًا جديدًا. فجوهر الإشكال لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في أنماط استخدامها وفي كيفيّة توظيفها لإنتاج مضامين.واللافت أنّ هذه الممارسات لا تمرّ دائمًا دون مقاومة. فقد شكّل انسحاب إحدى المشاركات واحتجاجها العلني على طريقة تقديم الفتيات في الموسم الأوّل من برنامج «الأسد الحقيقي» حدثًا أثار جدلًا واسعًا. غير أنّ الإشكال، في النهاية، لا يكمن في الأفراد، بل في المنظومة التي تُنتج هذا النوع من المضامين.
"التلاعب بالعقول" في سياق عربي مأزوم
تزداد خطورة هذه البرامج حين نضعها في سياقها الزمني والسياسي. ففي وقتٍ تتصدّر فيه مشاهد الإبادة في فلسطين، والانهيار الاقتصادي في أكثر من بلد عربي، إلى جانب أزمات المناخ والحروب الذكية، تُغرق هذه المضامين جزءًا من الشباب في تفاصيل عاطفية مفتعلة وصراعات يومية فارغة. وهكذا يتحوّل الترفيه إلى أداة لتفعيل سلطة الهيمنة والعنف الرمزي، عبر إبعاد الجمهور عن القضايا الكبرى، واستنزاف طاقته الانفعالية في فضاءات لا تشبهه، ولا تشبه بيئته الاجتماعية والثقافية.
بورديو والعنف الرمزي في العصر الرقمي
النتيجة المحتملة، على المدى البعيد، لا تقتصر على تغيّر الذوق العام، بل تتجاوز ذلك إلى تفريغ الهوية من مضمونها، وتحويل الانتماء إلى مجرّد موقع جغرافي بلا عمق ثقافي. ويمكن فهم هذه الظاهرة بالعودة إلى مفاهيم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، ولا سيما مفهوم "العنف الرمزي"، أي ذلك العنف غير المرئي الذي يُمارَس عبر اللغة والصورة والإعلام. فعندما تُقدَّم أنماط معيّنة من العيش، والملبس، والعلاقات، على أنّها "طبيعية" و"عصرية"، فإنّها تُفرض بوصفها الخيار الوحيد أو الأفضل، بما يؤدّي إلى تكريس انتشارها وطمس الخصوصيات الثقافية للأفراد والجماعات والبيئات، ومن ثمّ للبلدان بأسرها.
تعمل هذه البرامج أيضًا على مستوى ما سمّاه بورديو «الهابيتوس»، أي منظومة الاستعدادات والميول التي تتشكّل لدى الفرد عبر التنشئة والتجربة. ومع التكرار اليومي، تتحوّل القيم الاستهلاكية، وثقافة الفراغ، والسعي إلى الشهرة السريعة، إلى ممارسات بديهية لا تُناقش.
هيمنة ثقافية أم مثاقفة؟
غالبًا ما يُدافَع عن هذه البرامج باسم الانفتاح والمثاقفة، غير أنّ الفرق كبير بين المثاقفة بوصفها حوارًا ندّيًا بين الثقافات، وبين الهيمنة الثقافية التي تعني ذوبان الذات داخل نموذج مهيمن. فمعظم هذه البرامج ليست سوى نسخ معرَّبة عن صيغ غربية، تُستورد في نسخها الأًصليّة دون أي تحوير مناسب لهذه البيئة أو تلك، لتُفرض في سياقات اجتماعية تختلف جذريًا عن سياقها الأصلي وتكون أداة من أدوات كثيرة لطمس الهويّة.
قد يكون من السهل تحميل الشباب وحدهم المسؤولية، غير أنّ هؤلاء هم جزء من منظومة إعلامية تبحث عن الربح، ومنظومة اقتصادية تُكافئ التفاهة، ومنظومة ثقافية تعاني فقرًا واضحًا على مستوى طرح البدائل المضادّة للسّائد المفرغ فكريّا.
لو كان بيير بورديو بيننا اليوم، لربما أعاد النظر في تحليله للإعلام، وأدرج المنصّات الرقمية بوصفها أدوات مركزية في إعادة إنتاج الهيمنة. لكنّ السؤال الأهم ليس: ماذا كان سيقول بورديو؟ بل: كيف يمكن للسّياسات الثقافية العمومية العربيّة أن تتحمّل مسؤوليتها في انتاج ثقافة مضادّة، قادرة على بناء العقل العربي في سياقه الحداثي دون السّقوط في فخّ طمس الهويّة، وبوسائط تخلو من الرّقابة والوعظ وقريبة من خصوصيّة الأجيال الجديدة؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي تقارير أخبار ثقافية العربي ثقافة ثقافة عرب منصات رقمية تغطيات سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هذه البرامج قسمة ونصیب التی ت
إقرأ أيضاً:
“مطارات المغرب” تُنهي عهد الورق وتُعمم بطاقة الإركاب الرقمية
أعلنت “مطارات المغرب” (المكتب الوطني للمطارات سابقًا) عن إطلاق نظام جديد يتيح للمسافرين استعمال بطاقة إركاب رقمية بالكامل عبر الهواتف الذكية، دون الحاجة إلى طباعة أي وثائق ورقية.
وأوضحت المؤسسة، في بلاغ لها اليوم الخميس، أن النظام الجديد، الذي يحمل اسم “Pax Check”، يندرج ضمن سلسلة الحلول الرقمية المبتكرة التي تهدف إلى تبسيط تجربة السفر وجعلها أكثر سلاسة وفعالية، حيث أصبح بإمكان المسافرين الولوج إلى قاعات الإركاب واجتياز مختلف مراحل المراقبة عبر بضع نقرات فقط على هواتفهم المحمولة.
وأكد البلاغ أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات المتسارعة في سلوك المسافرين، الذين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على الخدمات الرقمية في مختلف مراحل الرحلة، من حجز التذاكر وإنجاز إجراءات السفر إلى متابعة مستجدات الرحلات الجوية بشكل فوري.
ويعتمد نظام “Pax Check” على دمج بطاقة الإركاب ضمن مسار رقمي متكامل، حيث يتوصل المسافر، بعد استكمال إجراءات السفر عبر الإنترنت من خلال تطبيق شركة الطيران، برمز استجابة سريعة (QR Code) مؤمن، يتم استخدامه عند مختلف نقاط العبور داخل المطار. كما تقوم شركات الطيران بالتحقق المسبق من الوثائق المطلوبة وفق الضوابط التنظيمية المعمول بها، مما يضمن انسيابية أكبر في التنقل ويقلل من زمن الانتظار.
وترى “مطارات المغرب” أن هذا الابتكار سيساهم في الحد من تداول الوثائق الورقية، وتحسين تدفق المسافرين داخل المحطات الجوية، إلى جانب الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة، مع الحفاظ على أعلى مستويات السلامة والأمن واحترام المعايير الوطنية والدولية المعتمدة في قطاع الطيران.
وأشارت المؤسسة إلى أن تعميم النظام سيتم بشكل تدريجي ليشمل مختلف شركات الطيران التي استوفت الشروط التقنية والتشغيلية والتنظيمية المطلوبة، بما يضمن نجاح الانتقال نحو نموذج سفر أكثر رقمنة ومرونة.
ويُعد اعتماد بطاقة الإركاب الرقمية خطوة استراتيجية ضمن رؤية أوسع لتطوير المطارات المغربية ومواكبة النمو المتواصل لحركة النقل الجوي، في أفق بناء تجربة سفر حديثة تعتمد على التكنولوجيا وتستجيب لتطلعات المسافرين في العصر الرقمي.
Pax Checkالتحول الرقميالتكنولوجياالسفر الذكيالطيران المدنيالمسافرونالمطارات المغربيةالنقل الجوي 0 شارك FacebookTwitterWhatsAppالبريد الإلكترونيLinkedinTelegramطباعةالسابق بوست
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما زال مريضاً؟
القادم بوست
تقارير إكوادورية تضع الركراكي ضمن أبرز المرشحين لقيادة منتخب الإكوادور
قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف اخر الاخبارالحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة…
اخر الاخباركازاخستان تختار مراكش مقراً لقنصليتها الشرفية الجديدة بالمغرب
اخر الاخبارقطاع الداخلية يتصدر قائمة الإدارات الأكثر موضوعاً للتظلمات سنة 2025
اخر الاخباروسيط المملكة يسجل ارتفاعاً بـ25% في عدد الملفات وسط تنامي لجوء المواطنين إلى الوساطة…
السابق التالي اترك رد إلغاء الردلن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
احفظ اسمي والبريد الإلكتروني وموقع الويب في هذا المتصفح للمرة الأولى التي أعلق فيها.
مملكة tv
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما…
أمريكا تضرب قلب إيران وطهران تشعل الخليج… الاتفاق انهار فهل بدأت…
فوزي لقجع إلى رئاسة الحكومة؟ هل وجدت الأحزاب المنقذ بعدما فشلت في…
وهبي يتحدى المحامين.. هل إصلاح العدالة يخدم المواطن أم الدولة؟
الندوة الصحفية لمحمد وهبي من بعد المونديال… واش اعترف بالأخطاء؟…
السابق التالي 1 من 477حوادث
اخر الاخباركارثة بكل المقاييس.. حلبة امتحان السياقة بمراكش تفتقر لأبسط شروط الاستقبال وتضاعف…
عبد القيوم ABDELKAYOUM يوليو 23, 2026 0 عبد القيوم ا مملكة بريس تحولت تجربة اجتياز امتحان الحصول على رخصة السياقة بمراكش، بالنسبة لعدد من المترشحين، إلى…انتشال أكثر من 30 جثة قبالة سواحل الداخلة بعد تعلقها في شباك مراكب…
يوليو 23, 2026فتح تحقيق قضائي في مزاعم تسريب أجوبة مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة…
يوليو 22, 2026لدغة أفعى تنهي حياة طفلة رغم أسبوع من العلاج المكثف
يوليو 22, 2026 السابق التالي 1 من 1٬601أخبار ملكية
اخر الاخبارالملك محمد السادس يهنئ السيسي بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليوز ويؤكد متانة الروابط…
مملكة بريس /س يوليو 23, 2026 0الجواهري يستعرض أمام الملك حصيلة الاقتصاد الوطني
يوليو 20, 2026الملك محمد السادس يهنئ ملك إسبانيا بعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس…
يوليو 20, 2026جلالة الملك يخص الوزير الأول الفرنسي والوفد المرافق بمأدبة غداء رسمية…
يوليو 16, 2026 السابق التالي 1 من 650 Pollsهل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟
نعم لاعرض النتائج
مملكة بريس من نحن هيئة التحرير سياسة الخصوصية اتفاقية الاستخدام أرسل مقال إتصل بنا تصنيفات سياسة مجتمع الدولية قضايا عامة حوادث ثقافة جميع الحقوق محفوظة لجريدة مملكة بريس 2026