في ممارستها للدبلوماسية، اتخذت الاستراتيجية العربية والفلسطينية خلال عامي حرب الإبادة على غزة واقعية معاكسة لمصالحها، في ضوء مخاطر قائمة ومباشرة من عدوان إسرائيلي يسعى لسحق الفلسطينيين والقضاء على كل آمالهم بالتحرر منه، وربما لو رجع البعض للاستماع لتصريحات وزراء حكومة نتنياهو وله شخصيا، قبل وبعد جرائم الإبادة، ودقق جيدا في جملة السياسات القائمة الآن في الضفة والقدس وغزة، سيجد كثيرا من الشواهد والأمثلة التي تسحق الواقعية العربية والفلسطينية التي تواجه إسرائيل، فهذا النهج في مجاراة الواقع الذي تسلح به الفلسطينيون لثلاثين عاما، بدعم عربي وغربي يجاري هذا النهج ويدعمه، أدى تماما إلى الخضوع للواقع الإسرائيلي، وإلى التخلي عن البدائل الموجودة، وعن المراجعات المطلوبة لهذا النهج للتخفيف من الخسائر المتلاحقة التي منيت بها السياسة العربية والحركة الوطنية الفلسطينية على جبهة التصدي للجرائم الإسرائيلية
أهمية استعادة استراتيجية عربية، مؤثرة وفاعلة، في ظل التغييرات التي تشهدها المنطقة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وتغول المشروع الصهيوني على بقية أرض فلسطين، مع التحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بمواقف وسياسات ومصالح محددة الهدف والملامح، خصوصا مع تزايد التحشيد الأمريكي الإسرائيلي لضرب إيران، واستمرار حرب الإبادة في غزة وتهديد لبنان وسوريا.
لقد بدا، في كثير من التفسيرات النقيضة عربيا وفلسطينيا، أن هناك فهما واضحا وكاملا لطبيعة السياسة الإسرائيلية، وكشف سابق لمرامي الالتصاق الأمريكي بالسياسة الإسرائيلية، وكل الشواهد المقدمة عن الدعم الأمريكي لإسرائيل، تحتكم لاعتبارات سياسية وأمنية وأيديولوجية ودينية واستعمارية، لذلك تبرير جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة، ودعم سياسات الإرهاب الاستيطاني في الضفة والقدس، بموقف أمريكي لم يتزعزع، قوبلت بسياسة عربية وفلسطينية مندحرة، حتى عن فكرة إيمانها وتمسكها بالسلام العادل والشامل، وفق القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية 2002، وأصبحت الاستراتيجية العربية الفردية والجماعية تعايش صانع القرار الأمريكي ومتغيراته المنقلبة بمزاجية واستعلائية.
سبقت هذه الاستراتيجية مواقف عربية من جرائم الإبادة المستمرة حتى اللحظة؛ حالة من الانسحاق التام للسياسات العربية، بتقزيم فظيع للأدوار العربية المفترض دفاعها عن قضية شعب يتعرض لسحق استعماري غير مسبوق، وكانت النتيجة المباشرة توسع التهديد الإسرائيلي المباشر للأمن العربي كله، من مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن، إلى السعودية وقطر والصومال والسودان.
انكشاف المطامع الصهيونية، ومرامي جرائمها، والتلاعب بالألفاظ وتحريف الحقائق وتزويرها، مع مبدأ المراوغة الإسرائيلية في حرب الإبادة على غزة، واستخدام ترامب وأركان إدارته القاموس الصهيوني، في مخاطبة العرب والعالم.. دفع كل ذلك بالسياسي العربي والفلسطيني إلى دروب استهلك فيها جهده الظاهر عن التمسك بثوابت الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودفعت البعض لليأس من القضية نفسها باللجوء للتحالف مع إسرائيل، متجاوزا مفهوم العلاقة السياسية، وتوجيه اللوم لضحايا الاحتلال لمقاومتهم إجرامه، وإظهار إمكانية ابرام "معاهدة سلام" بعيدا عن الحقوق الفلسطينية على أساس تفهم متطلبات الأمن الإسرائيلي.
جانب القوة المفقود، فلسطينيا وعربيا، تكرر البحث عنه والإضاءة عليه على مدار عقود من نخب عربية وفلسطينية، بضرورة التمسك بالحد الأدنى من استراتيجية فلسطينية وعربية، لبلوغ غايات سلام تنهي الاحتلال، وتسترد الأرض والحقوق، والتمسك بحد أقصى من قوة ذاتية تكون لها فاعلية على المستوى الدولي بمنطق قانوني رادع للغطرسة الصهيونية.
لكن، من دون منهج التعامل مع سياسة التوسع الإسرائيلي ومواجهة العدوان المتواصل، بكل الأشكال، ومنها الشكل المحبب نظريا لبعض استراتيجيات عربية وفلسطينية "الصراع الدبلوماسي" والقانوني، واستنفارهما بكافة الأشكال، ورصد مصادر القوة لتحقيق عائد منها، بتفعيل مقاطعة ومحاسبة الاحتلال عن كل جرائم الحرب والإبادة المنتهجة؛ فلن يتحقق سوى نفخ مستمر بكل الشعارات التي جرى تنفسيها بقنابل الجرائم الإسرائيلية التي قضت على كل آمال تحقيق السلام المزعوم، وعليه تكرار البحث عن استراتيجية عربية للقضية الفلسطينية، بثوابت وعوامل لم تعد صالحة من كثرة تكرارها الفاشل، وإسقاط الخيارات الأخرى التي حذر من إهمالها كثير من الفلسطينيين والعرب، وساهمت بخلل شديد لصالح قوة الغطرسة والتوسع الصهيوني على حساب الحقوق الفلسطينية.
يتلخص ملمح تحذير السياسة العربية لإسرائيل باستراتيجية مفتتة الخيارات والأهداف، مما يعمق الإحساس بوطأة ضمور واضمحلال تأثير السياسة العربية المناصر للقضية الفلسطينية، وتضاءل الأمل من تغيير منشود ينتظره ضحايا الاستعمار الصهيوني في فلسطين من عمقهم العربي. ولذلك، فإنه في ضوء القناعة بالطبيعية العنصرية الفاشية للعقل الصهيوني، لتحقيق فكرة التطهير العرقي، وتكريس نظام الفصل العنصري بدولة "يهودية" دون سكانها الأصليين لمنع قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيا وبشريا.
تقع على الجانب الفلسطيني مسؤولية أساسية لإحياء الأمل لدى الشارع الفلسطيني والعربي، بالتحرك الصحيح للمعالجة المطلوبة، من منطلق حقيقة أن تعبئة الجهود وتوحيدها لتفكيك البنية الاستعمارية لنظام الأبارتايد الصهيوني هي الخطوة الأولى لدحر الاحتلال، وتعتمد بالأساس على تقدير الشارع الفلسطيني وقوته الذاتية، لا المشاركة بقمعه، وتوظيف ما تحقق بسقوط سردية إسرائيل حول العالم، ما يتيح الفرصة لتقويم حقيقي لمدى نجاح نموذج سياسي وكفاحي مختلف، مسؤوليته فلسطينية أولا وأخيرا، وهذا البعد من التقويم هو مفتاح عملية بناء سياسي عربي مؤثر ويصد كثيرا من الانهيارات التي نعايش بعضها اليوم كترجمة لتحذيرات قرع جرسها قبل أكثر من عقدين.
x.com/nizar_sahli
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الفلسطينيين الصهيوني فلسطين ابادة صهيوني قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة رياضة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جرائم الإبادة حرب الإبادة
إقرأ أيضاً:
“الأحرار”: ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب
الثورة نت/..
اعتبرت حركة الأحرار الفلسطينية، اليوم الثلاثاء، ربط إيران المباحثات مع واشنطن بوقف العدوان على غزة ولبنان، موقف مسؤول وانتصار لحقوق الشعوب.
وأعربت الحركة، في تصريح صحفي وصل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، عن تقديرها للموقف الذي اتخذته الجمهورية الإسلامية الإيرانية بربط استئناف المباحثات مع الولايات المتحدة الأمريكية بوقف العدوان على قطاع غزة ولبنان.
وأكدت أن هذا الموقف يعكس التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وقالت إن “إصرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أن تتصدر معاناة الشعوب المستهدفة أولويات أي حراك سياسي أو تفاهمات دولية، يعكس وحدة قضايا المنطقة وإدراكًا لحجم المأساة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني والشعب اللبناني، ورفضًا لتجاهل المجتمع الدولي جرائم الحرب المتواصلة التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق المدنيين الأبرياء”.
وأضافت: “نرى في هذا الموقف رسالة واضحة بأن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار العدوان والقتل والحصار، وأن وقف هذه الجرائم وإنهاء معاناة الشعوب يجب أن تتقدم على أي اعتبارات سياسية أخرى”.
ودعت حركة الأحرار الفلسطينية، المجتمع الدولي والقوى المؤثرة إلى اتخاذ مواقف عملية وجادة تسهم في وقف العدوان، وحماية الشعبين الفلسطيني واللبناني، ووضع حد لحالة العجز الدولي تجاه ما يتعرض له شعوب المنطقة من جرائم ومعاناة مستمرة.