مرة أخرى يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تحديات غير طبيعية، في ظل ما تسميه حكومة بنيامين نتنياهو حاجة إسرائيلية لـ"زيادة طبيعية" للمستوطنات، التي أخذت تقضم وتهضم أراضي الضفة الغربية.

ولم يكن عادياً أن ترتسم في الضفة الغربية لوحة شديدة القتامة، امتزج فيها الإمعان الاسرائيلي في الاعتداء على الفلسطينيين، بنسخة جديدة من الاستيطان الاستعماري، يرجح مراقبون أن تكون رياحاً مثيرة لموجة تصعيد، مهما تأخرت إلا أنها آتية لا ريب.

وفيما عانت الضفة الغربية من "إهمال استيطاني مزمن" بفعل انشغال العالم بتداعيات ومآلات الحرب الإسرائيلية الطاحنة على قطاع غزة، أخذ الكيان الإسرائيلي يعاند كل المساعي والمبادرات السياسية، بل بدا وكأنه يستعير التداعيات الكارثية لحربه على قطاع غزة، ويضعها في قلب الضفة الغربية.

ولئن يبذل الفلسطينيون في الضفة الغربية كل الجهود لاستعادة عافيتهم بعد الضمور الذي أصابهم بفعل الحرب على غزة، التي وضعتهم في مهب ظروف معيشية واجتماعية صعبة، إلا أن أنهم لم يضمنوا البقاء بمنأى على عاصفة غزة، بحيث أخذ يتردد صداها في الضفة، من خلال أخطر قرار إسرائيلي حيال الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967.

فماذا يعني القرار الإسرائيلي؟ وما هي خطورته؟.. إنه يعني إلغاء اعتراف الكيان الإسرائيلي بكل القوانين الناظمة للضفة الغربية بموجب اتفاق أوسلو المبرم عام 1993، وما سبقه من قوانين وصكوك ملكية وخرائط عثمانية، ووصاية أردنية، ولعل أخطر ما فيه، إلغاء كل القرارات الدولية الخاصة بالقدس والضفة الغربية منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، ما يعني إصدار شهادة "وفاة" لحل الدولتين.

طوفان استيطان

الضم الزاحف عبر المسار السريع للاستيطان، يسمح للمستوطنين بإقامة بؤر استيطانية في قلب التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية، تحت ادعاءات تاريخية دينية، كما يجري في "قبر يوسف" في نابلس، ومقام النبي ذي الكفل في قرية كفل حارس، والمقام الديني المملوكي "قبة راحيل" في بيت لحم، وقصر هشام في أريحا، والمنطقة الأثرية في قرية سبسطية بنابلس، دون مراعاة لما يرافق ذلك من هدم مقامات دينية، أو إغلاق أسواق ومحال تاريخية، كما يجري في البلدة القديمة من مدينة الخليل، ما يعني تقييد النباء في الضفة الغربية، والتملك الفردي للمستوطنين دون قيود.

وفي مواجهة طوفان الاستيطان والضم والتهجير القادم لا محال، يرجح خبراء ومختصون أن يصل الاستيطان إلى أكثر من 80 في المائة من مساحة الضفة الغربية، حسب خطة الوزير الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريش، والذي لا يتوقف عن مواصلة الحفر تحت أساسات السلطة الفلسطينية، للإطاحة بها.

وبقراره وضع اليد على سجلات الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وسحب صلاحيات النباء والترخيص من الفلسطينيين، وفي المقابل منح المستوطنين الحق بالتملك والبناء والسيطرة على الموارد، المقرونة بإجراءات السطو على أموال الفلسطينيين، إنما يرمي الاحتلال الإسرائيلي لإلغاء الهوية الوطنية، وتحويل أصحاب الأرض الشرعيين إلى مقيمين عليها!.

نسف اتفاقيات

في السلطة الفلسطينية، التي بالكاد أخذت تتلمس طريقها لامتلاك سيادتها على كامل أراضيها، واستعادة مقوماتها، ومعاندة جاذبية السقوط الذي يريده الكيان الإسرائيلي، اعتبر نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، القرار الإسرائيلي بأنه يعمق مساعي الضم بالضفة الغربية، وينسف الاتفاقيات الدولية، ويفتح أبواب التصعيد مشرعة، بتقويض أي أفق سياسي.

الشيخ يرى في القرار أيضاً، نسف لحل الدولتين الذي نادت به الأسرة الدولية، ويجر المنطقة برمتها إلى دوامة التوتر وزعزعة الاستقرار، مطالباً الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، بالتدخل العاجل لوقف هذا التغول الإسرائيلي.

ومن الوجهة السياسية، يقرأ مراقبون في الإجراءات الإسرائيلية الجديدة، استعجال إسرائيلي لممارسة كل أشكال التنكيل بالفلسطينيين في الضفة الغربية، وإشاعة اليأس في صفوفهم، وصولاً للتهجير على غرار ما جرى في قطاع غزة، وكل ذلك في إطار المحاولات الإسرائيلية إطباق الخناق على السكان، وقطع أنفاسهم بخلق حالة من الإنسداد السياسي.

فيرى المحلل السياسي محمـد دراغمة، أن القرار الإسرائيلي يزيل كل العوائق والقيود أمام الضم الإسرائيلي للضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين أمام التهويد، وتفتح الباب واسعاً للانتقال بالتغول الاستيطاني من المناطق الفلسطينية المصنفة (ب) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، إلى قلب التجمعات الفلسطينية المصنفة (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية، ما يعني إلغاء اتفاق أوسلو بكل ما يترتب عليه من تبعات سياسية وقانونية.

ويمضي: "الآن يستطيع الإسرائيليون الاستيطان في قلب الضفة الغربية، بإدعاء وجود آثار تاريخية ودينية إسرائيلية، وبناء تجمعات إستيطانية على مقربة من هذه المقامات، واستنساخ تجربة البلدة القديمة في مدينة الخليل، المهجورة بشكل شبه كامل من الفلسطينيين، وتعج بالبؤر الاستيطانية، ويغلق جيش الاحتلال سوقها التجاري وجميع الطرق المؤدية إليها، بما يقود إلى تجفيف مصادر المعيشة للسكان، ودفعهم للهجرة، والإقامة في مناطق خارج البلدة القديمة".

واقع الحال

وثمة حالة من القلق تنتاب الفلسطينيين، من أن تتحول مدن مثل بيت لحم ونابلس في الضفة الغربية إلى "خليل ثانية" التي تحولت إلى "قدس ثانية" من حيث التوسع الاستيطاني والتهويد الممنهج، ما يعني تشييع اتفاق أوسلو إلى مثواه الأخير، وبدء إجراءات الضم والتهجير.

وبموجب القرار الإسرائيلي، يمكن للمستوطنين الحصول على سجلات الأراضي الفلسطينية، والاستيلاء عليها، ولن يخضع هؤلاء (بعد القرار) لأية قيود على شراء الأراضي، إذ بإمكان المستوطنين التملك في عموم المناطق الفلسطينية، التي باتت مفتوحة أمام أطماعهم التوسعية، كما يمكن لجيش الاحتلال أن يهدم أية بناية سكنية في قلب مدينة رام الله (على سبيل المثال) بحجة أنها مقامة على آثار يهودية، علماً بأن أرض فلسطين التاريخية لا تكاد تخلو بقعة فيها من الآثار.

وما بين صدمة في واقع الحال، وتهجير أخذ يلوح في الأفق، لا يخفي الفلسطينيون مخاوفهم من المحاولات الإسرائيلية المحمومة، الرامية إلى تذويبهم، بحيث يدفعهم قطار التهجير من وراء "الخط الأخضر" في الضفة الغربية، وعلى تخوم "الخط الأصفر" في غزة، ويرمي بهم في المجهول.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: القرار الإسرائیلی فی الضفة الغربیة ما یعنی فی قلب

إقرأ أيضاً:

هيئة الاستيطان الفلسطينية: العدو الصهيوني يستولي على أراضٍ شرقي بيت لحم

الثورة نت/..

كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية ، اليوم الثلاثاء، عن إصدار سلطات العدو الإسرائيلي أمرا عسكريا جديدا بالاستيلاء على 300 دونم من أراضي المواطنين شرق بيت لحم.

وأكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، في تصريح صحفي حسب وكالة سند الفلسطينية للأنباء، أن الأمر الجديد يشكل ثالث أوامر الاستملاك التي تُصدرها سلطات العدو منذ بداية عام 2026.

وأوضح “شعبان” أنَّ هذا الأمر في منطقة جبل الفريديس (الهيروديون) الواقعة على أراضي عرب التعامرة شرق محافظة بيت لحم. وذلك تحت مسمى “الاستملاك لأغراض عامة” و”تطوير الموقع الأثري”.

ويأتي ذلك “بحسب شعبان” في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى فرض السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لخدمة المشاريع الاستيطانية، من خلال تجيير منظومة الأوامر العسكرية الرامية إلى نزع ملكية الأراضي.

وقال إنَّ هذا الأمر يعد سادس أوامر الاستملاك التي تستهدف مواقع أثرية وتراثية فلسطينية في جملة الأعوام القليلة الماضية أبرزها: موقع أخليوس في محافظة أريحا، ودير سمعان ودير قلعة في محافظة سلفيت، وموقع سبسطية في محافظة نابلس والنبي صاموئيل مؤخرا شمال القدس.

وحذّر أنَّ هذا مؤشر واضح على تصاعد استخدام العدو للرواية الأثرية والتاريخية أداة للاستيلاء على الأرض وتعزيز مشاريع الضم وفرض الوقائع الاستيطانية على الأرض الفلسطينية المحتلة.

وأضاف “شعبان” أن الموقع المستهدف بالأمر الحالي سبق أن أعلنت سلطات العدو عام 2024 ما مجموعه 171 دونما من الأراضي المحيطة بالموقع “أراضي دولة”، قبل أن تعود اليوم لتوسيع نطاق سيطرتها من خلال استملاك على الموقع ذاته مضيفة إليها أكثر من 130 دونما.

وتابع: “ويصبح مجموع الاستيلاء الإجمالي 300 دونم تشمل المنطقة ذاتها وأراضي أخرى محيطة بها، ما يكشف عن خطة متدرجة وممنهجة تهدف إلى إحكام السيطرة على كامل الحيز الجغرافي للموقع ومحيطه، من خلال استدعاء المسميات المختلفة للاستيلاء”.

وشدد أن سياسة الاستملاك التي تنفذها سلطات العدو في الضفة الغربية تمثل إحدى أخطر الأدوات المستخدمة لفرض الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية.

وأشار إلى أن هذه السياسة “تستند إلى تشريعات وإجراءات أحادية الجانب يفرضها العدو على الأرض المحتلة، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية”.

وبيّن أن استهداف المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل يندرج في إطار محاولة إعادة تشكيل المشهد التاريخي والثقافي الفلسطيني.

إضافةً إلى ربط هذه المواقع بالمشروع الاستيطاني الاستيطاني، بما يساهم في عزلها عن محيطها الفلسطيني وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي واستيطاني تخدم الرواية الإسرائيلية.

وأكد “شعبان” أن هذا القرار يأتي في سياق أوسع من الإجراءات التي تنفذها حكومة العدو بهدف تعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وفرض وقائع جغرافية وقانونية جديدة تمهد لمزيد من مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه ومقدراته.

مقالات مشابهة

  • الهلال الأحمر المصري يستقبل الدفعة 45 من المصابين الفلسطينيين
  • وزير الخارجية الأمريكي: ترامب يعارض تغيير الوضع في الضفة الغربية
  • هيئة الاستيطان الفلسطينية: العدو الصهيوني يستولي على أراضٍ شرقي بيت لحم
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • الاحتلال يصعد ضد المزارعين الفلسطينيين.. حرائق وتجريف واعتقالات في الخليل وجنين ونابلس
  • العدو الإسرائيلي يصدر ويجدد أوامر اعتقال إداري لـ62 فلسطينياً من الضفة
  • وزارة الداخلية: تطبيق القوانين هو الأساس بإدارة «ملف الهجرة»
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 206 لدعم الأشقاء الفلسطينيين
  • الاحتلال يتجه لبناء 2721 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية
  • الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة «زاد العزة» 204 لدعم الأشقاء الفلسطينيين