قرى تمتد على أطراف محافظات الجمهورية، تعيش خارج حسابات المسئولين حتى فقدوا أبسط حقوقهم فى الحصول على المياه والخدمات، حتى أصبح العطش ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحوّل إلى نمط حياة قاسى يطارد الأهالى من بيوتهم إلى حقولهم، ومن الترع الملوثة إلى أحواض الصرف الصحى.
من غرب الإسكندرية حيث يجف البنجر والقمح وتُطارد الأسر «جركن المياه»، إلى صعيد مصر حيث تشرب قرى كاملة من الترع أو تُحاصرها مياه الصرف، تتشابه الحكاية وتختلف الجغرافيا، بينما يبقى الماء الغائب هو العنوان الأبرز لمعاناة تهدد الصحة والزراعة وكرامة الإنسان، وتكشف خللًا صارخًا فى عدالة توزيع أبسط حقوق الحياة.
أحواض الصرف الصحى تحاصر «جعفر الصادق» بأسوان
بعد انقطاع استمر أربعة أيام متتالية لمياه الشرب، أطلق أهالى قرية جعفر الصادق التابعة لمركز كوم أمبو شمال محافظة أسوان نداء استغاثة عاجل، فى ظل أزمة بيئية وصحية خطيرة باتت تهدد حياتهم وحياة سكان عدد من القرى المجاورة، نتيجة تسرب مياه الصرف الصحى واختلاطها بمخرات السيول وصولًا إلى مياه نهر النيل.
وبحسب روايات الأهالى، تعود جذور الأزمة إلى امتلاء أحواض الصرف الصحى بالقرية دون وجود أى آلية لتصريف المياه الزائدة، ما أدى إلى انهيار الحواجز الترابية التى كانت تفصل بين مياه الصرف ومخرات السيول. ومع هطول الأمطار، اندفعت المياه الملوثة عبر هذه المخرات وصولًا إلى نهر النيل، الأمر الذى دفع شركة مياه الشرب إلى قطع الخدمة بشكل كامل خشية تلوث المياه، حفاظًا على صحة المواطنين.
وأكد شريف عبدالحميد، أحد أبناء قرية جعفر الصادق، أن الأهالى تحملوا انقطاع مياه الشرب لمدة أربعة أيام كاملة، قبل أن تعود بشكل جزئى فقط فى اليوم الخامس. وأوضح أن سبب الانقطاع يرجع إلى مخاوف المسؤولين من اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحى المتسربة عبر مخرات السيول.
وأشار إلى أن أحواض الصرف الصحى الحالية تم إنشاؤها منذ نحو أربعة أعوام، ومع تكرار امتلائها لا يوجد أى بديل أو خطة للتعامل مع الفائض، ما يجعل الأزمة تتكرر بصورة مستمرة دون أى حلول جذرية.
من جانبه، أوضح الحسن محمد عبدالظاهر، أحد الأهالى، أن جسرًا ترابيًا كان يفصل مياه الصرف عن مخرات السيول، إلا أن امتلاء الأحواض تسبب فى انهياره بالكامل، لتتدفق المياه الملوثة إلى المخرات ومنها إلى نهر النيل.
وأضاف أن مياه الصرف غمرت طريق المقابر وخط السكة الحديد، وامتدت حتى وصلت إلى وحدة الإطفاء، ما أدى إلى تأجيل افتتاح مبنى الإطفاء الجديد بسبب الأضرار التى لحقت به جراء الأزمة.
وفى السياق ذاته، شدد كريم محمد، أحد المواطنين، على ضرورة التحرك الفورى لإيجاد حلول جذرية ومستدامة، مؤكدًا أن الاكتفاء بالإجراءات المؤقتة لن ينهى معاناة الأهالى. واقترح حلين رئيسيين، أولهما إنشاء غابة شجرية لاستيعاب الفائض من مياه الصرف الصحى، والثانى -والذى وصفه بالحل الأمثل- يتمثل فى مد خطوط مواسير إلى محطة صرف صحى كبرى، سواء بمحطة قرية سلوا أو بمحطة مشروع «حياة كريمة» بقرية الكاجوج، لمعالجة المياه بشكل آمن وإعادة استخدامها.
وأكدت مديحة، إحدى القيادات النسائية بالقرية، أن الأزمة تمثل ملفًا بالغ الخطورة لأى مسؤول، نظرًا لارتباطها المباشر بصحة وحياة المواطنين فى قرية جعفر الصادق والقرى المجاورة، وهى أبو عيد، الحجندية، العليقات، الشطب، وسلوى.
وأضافت أنها توجهت إلى ديوان محافظة أسوان والتقت بأحد المسؤولين، وقدمت له شرحًا تفصيليًا للأزمة، إلا أن الاستجابة اقتصرت على تنظيف الأحواض فقط دون معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة.
وأكدت أن المشكلة لا تزال قائمة حتى الآن، وتحتاج إلى تدخل عاجل وحاسم قبل أن تتفاقم آثارها الصحية والبيئية، وتتحول إلى كارثة تهدد حياة الآلاف.
سادت حالة من الغضب والاستياء بين أهالى عدد من قرى ومناطق محافظة دمياط، على خلفية تفاقم أزمة انقطاع مياه الشرب لعدة أيام متواصلة، دون التوصل إلى حلول جذرية تنهى معاناة المواطنين، فى مشهد بات يتكرر مع كل موسم زيادة فى الاستهلاك، إلا أن تزامنه هذه المرة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك ضاعف من حدة الأزمة، وألقى بأعباء إضافية على كاهل الأسر.
فى قرية السيالة، وتحديدًا بمنطقة الصيادين، أكد عدد من الأهالى أن مياه الشرب منقطعة منذ أكثر من ثلاثة أيام متواصلة، فى الوقت الذى اكتفت فيه شركة مياه الشرب بالدفع بسيارات «الفنطاس» كحل مؤقت، لا يلبى الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للأسر، سواء للشرب أو الاستخدامات المنزلية الأساسية.
وقال سالم رجب، صاحب ورشة موبيليا، وأحد المتضررين من الأزمة: «بقالى أسبوع من غير ميه، قدمنا شكاوى كتير ومفيش حل، داخلين على شهر رمضان ومش عارفين نعيش»، معبرًا عن حالة الإحباط التى تسود بين المواطنين فى ظل استمرار الأزمة دون بوادر انفراج.
وأضاف أن الأزمة لم تقتصر على الانقطاع الكامل للمياه فقط، بل امتدت فى بعض الفترات إلى تراجع ملحوظ فى جودة المياه عند عودتها، سواء من حيث الطعم أو الرائحة، مطالبًا بضرورة تطهير المصارف والعمل على معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، خاصة مع عجز المواطنين عن الاستحمام أو تدبير أبسط شؤونهم اليومية.
ولم تقتصر معاناة انقطاع المياه على قرية السيالة وحدها، وشكا أهالى عزبة البرج، وقرى البصارطة، والعنانية، والشعراء، إلى جانب عدد من قرى وعزب مركز كفر سعد، فضلًا عن مناطق دمياط الجديدة ورأس البر، من ضعف شديد أو انقطاع كامل لمياه الشرب لساعات طويلة، تصل أحيانًا إلى يوم كامل.
وتسبب ذلك فى حالة من الشلل شبه التام للأنشطة اليومية، وتضرر عدد من المطاعم والمقاهى، كما تأثرت المساجد بعد نفاد خزانات المياه، ما زاد من معاناة الأهالى، خاصة مع الاستعداد لاستقبال شهر رمضان.
وتروى نهى الشاذلى، موظفة من قرية السنانية، معاناتها اليومية قائلة: «بنقعد نسهر لحد الفجر علشان نملأ الجراكن، دى حياة مرهقة وغير آدمية»، فى تعبير صريح عن حجم المعاناة التى يعيشها المواطنون بشكل يومى.
وعبر الأهالى عن قلقهم الشديد من تغير طعم ورائحة المياه فى بعض المناطق المشار إليها، رغم تأكيدات الجهات الرسمية بسلبية نتائج التحاليل، الأمر الذى أسهم فى زيادة حالة القلق وفقدان الثقة لدى الشارع الدمياطى.
من جانبه، أكد المهندس مجدى عطالله، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحى بدمياط، أن الشركة تتابع الأزمة على مدار الساعة، مشيرًا إلى أن الانقطاعات تتركز فى أطراف القرى والمناطق المرتفعة، نتيجة زيادة معدلات الاستهلاك وتهالك بعض خطوط المياه القديمة.
وأوضح رئيس الشركة أن العمل جارٍ حاليًا على توصيل خطوط مياه جديدة، مع الدفع بسيارات «الفنطاس» لدعم المناطق الأكثر تضررًا لحين الانتهاء من أعمال الإحلال والتجديد، مؤكدًا أن عدد المنازل المتأثرة محدود، ويتم التعامل مع الشكاوى تباعًا، مشددًا على وجود خطة عاجلة لتطوير محطات المياه والشبكات، إلى جانب استقبال جميع شكاوى المواطنين وفحصها ميدانيًا، قائلًا: «نعتذر للمواطنين عن أى معاناة، ونعمل على تنفيذ حلول جذرية ومستدامة تضمن وصول مياه شرب آمنة ومستقرة لكل بيت فى محافظة دمياط».
رحلة البحث عن «جركن مياه».. بنجر السكر بين عطش البيوت وبوار الحقول
يوقع اتفاقية تعاون تدريبى للمعهد ThinkProp فى أبوظبىيوق
تُعد منطقة بنجر السكر، الواقعة فى أقصى غرب محافظة الإسكندرية، ضمن نطاق العامرية وبرج العرب، واحدة من أكثر المناطق معاناة من أزمة «الحرمان المائي» المزمن، حيث تحولت مشكلة نقص مياه الشرب من أزمة عابرة إلى واقع يومى قاسٍ يطارد آلاف الأسر فى القرى والنجوع المنتشرة بالمنطقة.
ورغم أن منطقة «بنجر السكر» تُعرف بأنها سلة غذاء مهمة لمحافظة الإسكندرية، فإن آلاف المزارعين والسكان يعيشون هناك واقعًا مريرًا، بعد أن تحولت «ترعة النصر» وخطوط مياه الشرب إلى مجرد ذكريات، تاركة خلفها أرضًا تشققت من الجفاف، وأهالى يطاردون «جركن المياه» لمسافات طويلة، ومحاصيل استراتيجية مهددة بالبوار.
وترصد «الوفد» فى السطور التالية معاناة الأهالى من داخل البيوت، فى قرى بنجر السكر الممتدة بظهير العامرية وبرج العرب، أصبح مشهد الأطفال والنساء وهم يحملون «الجراكن» فوق رؤوسهم أو يجرونها على عربات «الكارّو» بحثًا عن طلمبة حبشية أو «فنطاس» مياه، هو المشهد اليومى المعتاد، فى منطقة تضم أكثر من 50 قرية ونجعًا، يعيش سكانها مأساة حقيقية مع العطش.
قال منعم السيد، مزارع، إن المياه لا تصل إلى «الحنفيات» فى العديد من القرى إلا لساعات محدودة جدًا خلال الفجر، بينما تنقطع تمامًا فى بعض القرى النائية لعدة أيام متواصلة، موضحًا أن الأهالى يضطرون للسهر طوال الليل انتظارًا لوصول المياه، من أجل ملء «الجراكن» والبراميل والقدور، لاستخدامها فى الطهى والشرب والغسيل طوال اليوم، فى ظل غياب شبه كامل لمياه الشرب النقية.
وقال سعد سليمان، عامل، إن بعض الأهالى يلجأون لاستخدام مياه «الترع» والمصارف فى الأغراض المنزلية، وهو ما يهدد بانتشار الأمراض، وعلى رأسها الفشل الكلوى، لافتًا إلى أن القادرين ماديًا يضطرون إلى شراء مياه الشرب من «الفناطيس» الجوالة بأسعار مرتفعة، ما يمثل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على كاهل الأسر الريفية محدودة الدخل.
وقال عمرو إبراهيم، مزارع، إن «الأرض ماتت واقفة»، بعد أن أنفق المزارعون آلاف الجنيهات على التقاوى والأسمدة، ليشاهدوا اليوم المحصول يذبل أمام أعينهم بسبب عدم وصول المياه إلى نهايات الترع والمساقى.
وأكد أن محصول بنجر السكر يواجه كارثة حقيقية، باعتباره محصولًا يحتاج إلى مناوبات رى منتظمة لضمان جودة السكر وحجم الدرنات، إلا أن انقطاع المياه لأسابيع طويلة أدى إلى تقزم المحصول وتلف مساحات شاسعة، ما يهدد بتوقف توريده للمصانع وضرب الموسم فى مقتله.
وقال منعم الصياد، مزارع، إن الأزمة لم تتوقف عند محصول البنجر فقط، بل امتدت إلى «سنابل القمح» التى بدأت تعانى من العطش فى مرحلة نمو حرجة، ما ينذر بتراجع إنتاجية الفدان فى واحدة من أهم المناطق الموردة للقمح بمحافظة الإسكندرية.
وأشار إلى عدم عدالة توزيع «مناوبات الري»، حيث يتم سحب المياه فى بدايات الترع من قبل أصحاب المزارع الكبيرة، بينما تظل أراضى صغار الفلاحين فى نهايات الترع «عطشى»، مشيرًا إلى انتشار التعديات على المجارى المائية وتهالك بوابات التحكم، الأمر الذى يعيق وصول المياه إلى المناطق المستهدفة.
وقال إسماعيل محمد، مزارع، إن الأهالى تقدموا بالعديد من الشكاوى إلى مسؤولى شركة مياه الإسكندرية والمحافظة، مطالبين بإنشاء رافع مياه جديد لتقوية الضغط فى المناطق التى تمثل «نهايات الشبكة»، إلى جانب استبدال المواسير القديمة التى تتعرض للكسر المتكرر بمواسير ذات سعات أكبر.
وطالب بتسيير حملات لضبط التعديات على خطوط مياه الشرب ومنع استخدامها فى رى الأراضى الزراعية، وزيادة عدد سيارات «الفنطاس» المجانية التابعة للشركة لتجوب القرى المحرومة بشكل دورى حتى انتهاء الأزمة.
من جانبه، كشف المهندس محمد عبد الحميد، أن قرى بنجر السكر تقع فى نهاية شبكة مياه الإسكندرية، وهو ما يجعل ضغط المياه الواصل إليها ضعيفًا للغاية ولا يقوى على الوصول إلى المنازل، لافتًا إلى أن الزيادة السكانية الكبيرة بالمنطقة لم يصاحبها توسع موازٍ فى محطات الرفع أو أقطار المواسير الناقلة للمياه، فضلًا عن قيام بعض الأهالى بتركيب «مواتير» سحب مباشرة من الخطوط الرئيسية أو استخدام مياه الشرب فى رى الأراضى الزراعية، ما يحرم القرى الواقعة بعدها من حصتها الطبيعية من المياه.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: ليس مجرد أزمة يوق جعفر الصادق حلول جذریة میاه الشرب بنجر السکر میاه الصرف شرکة میاه إلى أن وصول ا عدد من إلا أن
إقرأ أيضاً:
الأحزاب الليبية: ندعم المبادرة الأمريكية للسلام لحل الأزمة
اختتم المؤتمر الأول للأحزاب السياسية الليبية أعماله في مدينة سرت، بعد يومين من الاجتماعات يومي 22 و23 يوليو 2026، بمشاركة عدد من الأحزاب والقوى السياسية، معلناً مجموعة من التوصيات والقرارات المتعلقة بمسار العملية السياسية ومستقبل المرحلة المقبلة في ليبيا.
وقال تجمع الأحزاب الليبية إن المشاركين أوصوا بتمكين الأحزاب من أداء دورها السياسي الفاعل، وإنهاء المحاصصات الضيقة والترتيبات الجهوية والمناطقية، وصولاً إلى إجراء انتخابات خلال فترة زمنية محددة.
ودعا المؤتمر إلى توفير الضمانات القانونية اللازمة لمشاركة الأحزاب في الانتخابات، واعتماد نظام القوائم الحزبية على أساس البرامج السياسية.
وأكدت التوصيات أنه في حال تعذر التوصل إلى حل للأزمة الليبية، يجري اللجوء إلى مؤتمر تأسيسي يتولى تحديد هوية الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي، تمهيداً لإقرار دستور دائم.
وشدد المشاركون على ضرورة تفعيل التشريعات التي تجرّم تلقي الأحزاب أي دعم مالي أو سياسي من جهات خارجية، بما يعزز استقلال القرار السياسي.
كما دعا المؤتمر إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لاسترداد الأموال المنهوبة، وتجريد المتهمين بالفساد من الأموال، وملاحقتهم قضائياً داخل ليبيا وخارجها.
وأعلن المؤتمر دعمه لأي مبادرة جادة لحل الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المبادرة الأمريكية للسلام، مع التأكيد على أولوية توحيد مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات.
وقرر المشاركون تشكيل كتلة وطنية تضم الأحزاب المشاركة في المؤتمر، مع فتح الباب أمام انضمام الأحزاب التي تؤمن بمخرجاته.
كما أقر المؤتمر تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيذ التوصيات، وإنشاء لجان للتواصل مع الأطراف الليبية والمجتمع الدولي، إضافة إلى لجنة فنية تتولى مراجعة قانون الأحزاب.
وأبدى المؤتمر دعمه لمبادرة عقد مؤتمر “العودة للشعب” في مدينة سرت بمشاركة المكونات الوطنية، باعتباره إطاراً جامعاً لإعادة توحيد القرار الوطني وتعزيز السيادة.
ودعت الأحزاب المشاركة إلى منح مقرات الأحزاب وقياداتها الحصانة القانونية، مع تخصيص ميزانية سنوية للأحزاب وفقاً للتشريعات النافذة.