هل إسرائيل الكبرى حلم صهيوني أم وهم عربي؟
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
فبعد عامين من حرب الإبادة في قطاع غزة والتهام الضفة الغربية واحتلال مزيد من الأرض في سوريا ولبنان، فضلا عن ضرب إيران والتواجد العسكري في إقليم أرض الصومال التابع لجمهورية الصومال، وكذلك جزيرة سفطرى اليمنية، ثمة من يقول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يفعل كل هذا دفاعا عن إسرائيل وأيضا عن جيرانها العرب.
ومن بين هؤلاء الخبير السوري في الشأن الإسرائيلي عصام زيتون، الذي يقول إن إسرائيل الكبرى ليست إلا وهما زرعه الإسلاميون والقوميون في عقول الشعب العربي، في حين أن الإسرائيليين جاؤوا من أوروبا للمنطقة من أجل العيش لا من أجل القتال.
اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3"ما وراء الخبر".. أي مسار يمكن أن يتخذه التوتر بين واشنطن وطهران؟list 2 of 3"أبو شعر منفوش".. ما قصته مع مانشستر يونايتد" وما شروطه للذهاب للحلاق؟list 3 of 3هل تنهي فضائح إبستين وجود ستارمر على رأس الحكومة البريطانية؟end of listفقد كان بإمكان إسرائيل -كما قال زيتون في حلقة 2026/2/9 من برنامج "الاتجاه المعاكس"- احتلال القاهرة في 1967، لكنها لم تفعل وانسحبت من أجل السلام.
وحتى الحرب التي شنتها على إيران العام الماضي، كان هدفها حماية نفسها وجيرانها العرب من الخطر الإيراني، وليس من أجل التوسع، تنفيذا لتعاليم التوراة، كما يقول زيتون.
التصهين العربي
بيد أن بعض الصهاينة لا يمكنهم تبني ما يقوله زيتون، لأن إسرائيل الكبرى هي وعد توراتي لا ينكره القائمون على المشروع الصهيوني، حسب الأستاذ في جامعة السوربون الفرنسية محمد هنيد.
ولا ينكر الصهاينة سعيهم لتأسيس هذا الحلم التوراتي الذي يشمل أجزاء من مصر وسوريا والكويت والسعودية ولبنان، وفق هنيد، الذي يقول إن العالم العربي يعيش هذه الفكرة عمليا حتى قبل أن تصبح واقعا جغرافيا.
فخلال الحرب الأخيرة، أبادت إسرائيل الفلسطينيين في غزة دون تدخل من أحد، بل وبدعم مما وصفها هنيد بالصهيونية العربية، التي ساعدت تل أبيب على تحقيق ما لم تكن تحلم بتحقيقه.
فالمسألة ليست في السلام ولا في خطب الجمعة التي تضعها أجهزة الأمن والمخابرات ولا حتى في النخب التي يقول هنيد إنها أصبحت صهيونية في غالبيتها، ولكنها في أن الدعم الذي قدمته الحكومات والنخب والشعوب العربية لإسرائيل كان أكبر مما توقعته الأخيرة بكثير.
ولا تكمن المشكلة في المشروع الإسرائيلي، لأن الإيرانيين لهم مشروع والأتراك لهم مشروع، في حين أن العرب -بمختلف نخبهم- لا يملكون مشروعا سوى تكريس الاستبداد، كما يقول هنيد.
وحتى حديث زيتون عن عدم احتلال إسرائيل للقاهرة لم يكن نابعا من رغبة في السلام، وإنما لتقليل كلفة الاحتلال عبر سحب القوات من الأرض والحصول على ما تريد من الحكومات الوطنية، وفق تعبير هنيد.
إسرائيل لا تجد شركاء سلام
في المقابل، يقول زيتون "إن سردية هنيد ليست إلا استمرار للسردية القديمة التي تعمق خوف الشعوب من المشروع الصهيوني المزعوم، والذي لا دليل عليه سوى هذه الخرافات".
ولو وجدت إسرائيل شريكا سوريا جادا لما بقيت لحظة في الجنوب السوري، بل إنها مستعدة لتزويد سوريا بالكهرباء وتأهيل القطاع الطبي والعلمي والاقتصادي، وفق زيتون.
ولا يستغرب هنيد هذا الحديث من زيتون، لأنه يؤكد أن غالبية النخب العربية قد "تصهينت"، "لأن إسرائيل مستعدة لتزويد من يركع لها بالكهرباء والتعليم مرحليا حتى تنفض يديها من المقاومة، وبعدها ستبيد حتى الأقليات التي تنادي بها حامية اليوم".
فالمشاريع الاستعمارية -كما يقول هنيد- "لا تقدم دعما ولا مشاريع سلام طويلة الأمد، وإنما تطرح خدمات مؤقتة كسبا للوقت، لأن من جاء لإبادة الغير لا يعطي ما يساعد على الحياة".
والأغرب، -برأي الأستاذ بجامعة السوربون- أن رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير تقول إنها كانت تحمل جواز سفر يحمل اسم دولة فلسطين، في حين يقول زيتون إن "فلسطين لم تكن موجودة، وإنما كانت الدولة العثمانية، متجاهلا حتى المسجد الأقصى".
وبما أن هذا هو حال النخب الذي لا يختلف عن حال الحكومات العربية، فإن الشعوب -يقول هنيد- "هي الأمل الأخير في مواجهة هذا المشروع الاستعماري، رغم تدجين هذه الشعوب لدرجة أن إخوانهم الفلسطينيين ذبحوا خلال شهر رمضان ولم يتحرك أحد".
وعلى هذا، فإن الإبادة التي تريد إسرائيل تنفيذها في المنطقة -برأى هنيد- ليست بالقتل وإنما بجعل مئات الملايين يتفرجون على الفلسطينيين وهم يقتلون دون حراك.
فإسرائيل لا تملك القوة ولا العمق الجغرافي الذي يتيح لها احتلال كافة العواصم العربية، ولو امتلكت هذه الأدوات لما ترددت لحظة في احتلال كل الدول، كما يقول هنيد.
لكن زيتون يرفض هذا الطرح جملة وتفصيلا، ويقول إن إسرائيل تعرضت لمحرقة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الهولوكوست، مؤكدا أن "هذه هي الإبادة الجماعية، في حين أن الجيش الإسرائيلي ينبه الناس قبل القصف، لأنها لا تحارب إلا دفاعا عن نفسها".
Published On 10/2/202610/2/2026|آخر تحديث: 23:31 (توقيت مكة)آخر تحديث: 23:31 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات کما یقول یقول إن فی حین من أجل
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.