بعد تلويحها بعملية عسكرية في سنجار.. قراءة في خارطة الوجود التركي شمال العراق
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
لوّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في تصريحات على قناة "سي إن إن" التركية الثلاثاء، بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة في قضاء سنجار شمال العراق، تستهدف ما تبقى من وجود حزب العمال الكردستاني.
ووصف فيدان، مسلحي الحزب بأنهم "مشكلة عراقية بامتياز"، متسائلا عن كيفية سماح دولة ذات سيادة باحتلال أراضيها من قبل جماعة محظورة، مشيرا إلى احتمال تنفيذ عملية وصفها بـ"البسيطة" تتضمن تقدما بريا لقوات الحشد الشعبي بإسناد جوي تركي، قد تستمر يومين أو ثلاثة أيام فقط.
وربط الملف الكردي في سوريا بالعراق، معربا عن أمله في أن يستخلص العراق الدروس من اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري.
وتوقع تغييرات قريبة في مناطق سنجار ومخمور وقنديل، مؤكدا أن وضع سنجار يمثل إشكالية مباشرة تتعلق بسيادة الدولة العراقية، وأن الحكومة العراقية في موقف يسمح باحتلال أراضيها من قبل عناصر مسلحة دون اعتبار ذلك تهديدا لأمنها القومي. وشدد على أن التنظيم لا يمكنه البقاء في سنجار، وأن العراق يجب أن يظهر إرادة حقيقية في مواجهة التنظيم.
وكان قد أعلن حزب العمال الكردستاني حل نفسه وتسليم أسلحته استجابة لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان، في 27 شباط/فبراير 2025، منهيا بذلك تمردا استمر أربعة عقود.
وجاءت التصريحات في سياق تصعيد تركي أعقب إنهاء المرحلة السورية، وأثارت ردود فعل عراقية، إذ حذر النائب علاء الحيدري، من كتلة الصادقون، فيدان قائلا: "احترم وزنك وإلا سنؤدبك"، معتبرا أن ما صدر عنه يمثل تهديدا صريحا للعراق.
النائب علاء الحيدري موجها تحذيرا لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان : " احترم وزنك والا راح نأدبك".#العراق #تركيا #هاكان_فيدان #سنجار #Pkk #علاء_الحيدري pic.twitter.com/RBjy9XEE0B — jamal aldori (@AldoriJamal) February 11, 2026
وبدوره، ذكر النائب عن كتلة الصادقون عادل الركابي، في تدوينة نشرها عبر حسابه على منصة "إكس"، أن "وزارة الخارجية معنية بالرد فورا على تصريح وزير الخارجية التركي بشأن العراق"، معتبرا أن التصريح يمثل "تدخلا سافرا في الشأن العراقي"، لأنه يخاطب العراق "وكأنه دولة تابعة تتلقى الإملاءات من السلطان".
وزارة الخارجية معنيّة بالرد فورًا على تصريح وزير الخارجية التركي بشأن العراق، والذي يُعدّ تدخّلًا سافرًا في الشأن العراقي، إذ يخاطب العراق وكأنه دولة تابعة تتلقى الإملاءات من “السلطان”.
ماهكذا تُدار العلاقات بين دولتين تربطهما الكثير من الروابط والمصالح المشتركة.
نقول: تصرّفوا… — عادل الركابي - Adil Alrikaby (@AdilAlrikaby) February 10, 2026
وأعادت التصريحات تسليط الضوء على الوجود العسكري التركي في شمال العراق، حيث تقدر أعداد القواعد العسكرية التركية في المناطق المحاذية للحدود بنحو 50 قاعدة، تتنوع بين معسكرات كبيرة وصغيرة ونقاط تفتيش حدودية، موزعة في محافظات أربيل ودهوك ونينوى، وتضم نحو 5 آلاف جندي تركي مزودين بمدفعية ومدرعات وأسلحة ثقيلة ومتوسطة، على امتداد الحدود العراقية التركية البالغ طولها بين 350 و370 كيلومترا.
محافظة دهوك
تعد قاعدة كاني ماسي في منطقة أميدي، التي تبعد 4 كيلومترات عن الحدود التركية، أكبر قاعدة عسكرية تركية في العراق من حيث عدد الجنود، تضم جدرانا خرسانية مضادة للانفجارات، وأبراج مراقبة واتصالات، ومساحات واسعة للمركبات المدرعة، وتستخدم مركزا رئيسيا للعمليات ضد حزب العمال الكردستاني.
وتعود إلى تسعينيات القرن الماضي مع تعزيزات حديثة، ويقدر عدد القوات فيها بجزء من إجمالي يصل إلى 3000 جندي تركي في محافظة دهوك، من دون رقم محدد للقاعدة نفسها.
تُستخدم قاعدة بامرني، التي تبعد 25 كيلومترا عن الحدود، مركزا للعمليات العسكرية التركية. ويعود إنشاؤها إلى تسعينيات القرن الماضي خلال فترة حكم صدام حسين، إذ شيدت كمطار وموقع عسكري، وتضم مدرجات للطائرات ومرافق للقوات البرية، وتحتوي على نحو 60 دبابة ومركبات مدرعة وكتيبة كوماندوز كاملة.
وفي منطقة سركلي، التي تبعد 16 كيلومترا عن الحدود، تقع قرية كردية محاطة بسبع قواعد عسكرية تركية على الأقل بنيت خلال العامين الأخيرين، موزعة على التلال المحيطة، ولا تتوافر تقديرات دقيقة لأعداد القوات في كل قاعدة، لكنها جزء من شبكة أوسع تضم 136 قاعدة في شمال العراق، مع سيطرة على أكثر من ألفين كيلومتر مربع بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن".
وتتواجد أيضا القوات التركية في قاعدة متينا شمال شرق قضاء العمادية، على بعد يتراوح بين 20 و40 كيلومترا من الحدود ضمن المنطقة المحظورة.
وتشير التقارير المحلية إلى أن عدد القواعد التركية في شمال العراق "إقليم كردستان" يتجاوز 136 قاعدة، معظمها في محافظة دهوك، بينها 36 قاعدة موزعة بواقع 9 في قضاء العمادية، و24 في قضاء زاخو والمنطقة الجبلية هافتانين، و3 في كاني ماسي.
محافظة أربيل
يتمثل الوجود التركي في جبال قنديل، الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من المحافظة قرب الحدود مع إيران وتركيا، في مواقع عسكرية مؤقتة ونقاط مراقبة وقوات خاصة تنفذ عمليات جوية وأرضية، وشهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة ضربات جوية منتظمة وغارات برية، من بينها عمليات "مخلب القفل" التي تهدف إلى إغلاق الحدود على الحزب.
كما تتواجد القوات التركية في منطقة حاكورك، الواقعة في الشمال الشرقي ضمن منطقة سوران قرب الحدود التركية، في قواعد مؤقتة ونقاط انطلاق للعمليات الخاصة تضم قوات كوماندوز مع دعم جوي ومدفعي. ونفذت تركيا في المنطقة عمليات واسعة، من بينها غارات جوية وبرية عام 2019 استهدفت مواقع حزب العمال الكردستاني.
محافظة نينوى
تعتبر قاعدة بعشيقة "زيلكان" في منطقة جبل مقلوب شمال مدينة الموصل، التي تبعد بين 100 و140 كيلومترا عن الحدود التركية، قاعدة رئيسية قائمة منذ عام 2016.
وتستخدم لتدريب قوات البيشمركة ومقاتلين من العرب السنة "حرس نينوى" المنضوي تحت قيادة الحشد الشعبي إداريا، وتضم مرافق للأسلحة الثقيلة، وكانت موضوع اتفاق أمني بين بغداد وأنقرة عام 2024 لتسليمها للجيش العراقي، إلا أن الوجود التركي لا يزال قائما، ويقدر عدد القوات فيها بين 900 و2000 جندي، إلى جانب دبابات ومركبات مدرعة ومدفعية ثقيلة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية فيدان العراق الحشد الشعبي سوريا العراق سوريا الحشد الشعبي فيدان المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة حزب العمال الکردستانی الخارجیة الترکی شمال العراق الترکیة فی التی تبعد عن الحدود فی منطقة
إقرأ أيضاً:
من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
أتاح لي مهرجان بغداد الدولي للمسرح في دورته السادسة، ومهرجان الدّن الدولي في دورته الخامسة 2025م فرصة مشاهدة العرض الهندي (نيثي- رقصة النسيج)، الذي يُعدُّ حسب مخرجة العمل ومصممة رقصاته وممثلته Rima Kallaingal (ريما كلينغال) مشروعًا يتصل بقضية تمكين المرأة اجتماعيا واقتصاديا في المجتمع المحلي في ولاية كيرالا، حيث يقف وراء العمل حادثة الفيضانات التي أغرقت الولاية في عام 2018م، ما أدّى إلى تضرر الحرفيين والنسيج والأدوات اليدوية التي تدخل في صناعته.
منذ اللحظات الأولى لمشاهدتي العرض، لم أخفِ إعجابي به، وظللت منشغلة بالتفكير في فكرته وبنيته الجمالية، ورشاقة أجساد الراقصين، وتساءلت هل هناك مشروع ثقافيّ يقف وراء هذا الجهد؟ ما الرسالة التي يود العمل قولها؟ وما القضية التي يريد لفت أنظار المتفرجين في العالم كله إليها؟
حتما كان هناك فريق من الفنانين الذين تعاونوا في إنجاز هذا العرض، وعلى رأسهم المخرجة نفسها، فهي إلى جانب احتراف التمثيل، تعمل منتجة أفلام، ومسؤولة أكاديمية (مامانغام) لتعليم الرقص المعاصر، وهي نقطة تؤشر على قدرة امتلاك الجسد المسرحي عناصر استمراره، ودلالة على أهميّة أن يمتلك الفنان والمؤدي مشروعًا فنيًا جماليًا يعمل على تنميته واستدامته.
ما الذي شدّني إلى رقصة النسيج؟
استقى العرض عناصره من منظور الرقص المعاصر أو الكوريغرافيا (فن تصميم الحركة والرقص) أدى هذا إلى تغييب اللغة واستخدام الحوار بنسب ضئيلة واضحة. إن الدرامية في المسرح الراقص المعاصر تتشكّل تعبيريًا بالأداء الجسدي، والإيماء، والموسيقى، تضافرت العناصر جميعها مع أصوات النول الطبيعية والمطر (الماء) وإيقاع أقدام المؤدين، فنجح العرض في أن يجمع من حوله الجمهور دون أي عناء.
كما لا أخفي إعجابي الشخصي بالعروض المسرحية التي تستند إلى المجاميع الكبيرة، فالعرض يعدّ فرصة جيدة لتعميق الأفكار المسرحية حول هذا الاشتغال؛ حيث الطقوس والرموز العميقة التي تقترن بالمسرح في حضارة الشرق (الصين والهند)، فلا يقدم العرض طقسا هنديا تقليديا يقوم على الرقص والإنشاد والإيماء أو تناول تصورات دينية وفلسفية معينة كما هو الحال في الدراما الهندية الكلاسيكية، لكنّه يوسع دائرة الانشقاق عن تقاليد المسرح الغربي ويمنح فضاء الكوريغرافيا- كما يذكر المعجم المسرحي- "كفن تصميم الرقص في العرض الفني والعرض المسرحي مجالا إبداعيا هامًا مع تداخل الفنون [...] يتشكّل البعد الكوريغرافي للعرض المسرحي عبر العلامات الحركية التي تنتج عن تنوعات شكل الأداء وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحي، وعن التجانس أو التعارض بين الكلام والحركة"، وقد تجلّت هذه السمات بوضوح في رقصة النسيج؛ إذ مزج العرض بين الكوريغرافيا والفيلم الوثائقي والموسيقى الحية، مستعيضًا عن البناء الحكائي التقليدي بسلسلة من اللوحات الأدائية المستمدة من مراحل صناعة النسيج اليدوي.
قدم لنا العرض رقصا يستند إلى الرقص الحديث، فغاب كما يذكر ضياء الشرقاوي (المسرح الهندي المعاصر) الأداء التقليدي المعروف من إظهار تفاصيل تركز على "الملابس والمناظر إلى حركات الرقبة والحواجب، ومختلف أوضاع الجسم في الرقصات المختلفة".
السؤال الذي يطرح نفسه بحسب باتريس بافيس: كيف انتقل النقاش بعد مشاهدة رقصة النسيج من مساءلة الحكاية والتخييل والشخصيات والطابع المحاكاتي للعرض، إلى الكيفية التي خُلق، ورُكب، ورُتب فيها العرض؟
لا يبدو هذا التحول بعيدًا عن جماليات مسرح ما بعد الدراما؛ فالعرض لا يقدّم شخصيات فردية تخوض صراعًا دراميًا متدرجًا، ولا يعتمد حبكة تنمو وفق منطق السبب والنتيجة، بل يبني معناه من تتابع اللوحات الحركية والإيقاعات الجسدية والصور البصرية. لذلك ينصرف انتباه المتفرج من سؤال: ماذا سيحدث لاحقًا؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا ببنية العرض: كيف يُنتج الجسد المعنى؟ وكيف تتجاور الحركة والموسيقى والصورة الوثائقية لتشكيل التجربة المسرحية؟
إن إجابة السؤال السابق تكمن في موضعين، الأول ينبغي لفت الانتباه إلى أن التطور في العروض المسرحية المعاصرة نقلا عن (محمد سيف: قراءات في المشهد المسرحي المغربي) تحت ما يسمى بمسرح ما بعد الدراما، تستأنس إجمالاً بإدخال جماليات أخرى كالسينما، والرقص، والسيرك، والفنون التشكيلية، والتقنيات الجديدة [...] من خلال دمج التصورات السينمائية الخاصة، لتغذية أشكال جديدة بواسطة الوسائل المسرحية التقليدية مثل تأثير المونتاج وتأطير الحدث والتركيز على مقاطع معينة أو توسيع مجال الرؤية واعتماد اللقطات القريبة والمتوسطة والبعيدة البانورامية". والموضع الثاني يتمثّل في انطلاق فكرة العرض من حادثة واقعية جرت أحداثها في قرية "شيندامنغالام" في ولاية كيرالا، ولا مجال فيها للتخييل.
تنهض خلفية العرض على كارثة الفيضان الذي دمر البيوت وأغرق الحياة بالماء، وعمال النسيج اليدوي الذين فقدوا حرفتهم. أما في العمق هناك هيمنة الآلة والمصانع الجاهزة وتعطيل حياة الأسر المنتجة، ينقلنا هذا إلى مساحة أكبر لتوسيع دائرة الحدث المسرحي، فيما تناوله الباحث أرسلان درويش في ورقته المعنونة بـ(مسرحية رقصة النسيج- الهوية الهندية والجسد المعاصر في نول الهُجنة) ضمن إشارات ثقافيّة ناقدة يطرحها حول اشتغال الجسد في فضاءات مختلفة للتعبير عن التاريخ، والثقافة، والهوية، وكأداة للتفاوض مع السلطة، كذلك إشارته بسؤال الاستفهام الاستنكاري الذي طرحته الناقدة الهندية غاياتري سبيفاك: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟
تبدأ رحلة القماش بمرحلة تشافيتو Chavittu) بمعنى الوطء، أو الدُوس، وهي أقدم مراحل إعداد النسيج اليدوي وأكثرها التصاقًا بالحسّ الجسدي، حيث يطأ الحرفيون حزم الخيوط المبللة بأقدامهم الحافيّة في حركة إيقاعية تساعد على توزيع المادة وتقوية الألياف وتليينها بالتساوي. يتبع التشافيتو مرحلة صباغة القماش واكتسابه ألوانًا جديدة فيما يعرف بالتحوّل، يليها مرحلة الغسل فالتجفيف والصبر في انتظار أن تجف الخيوط التي جرى توزيعها في الولاية عبر الساحات متلألئة تحت الشمس، فالمرحلة الخامسة الخاصة بمدّ الخيوط في الشوارع، بعدها يبدأ عمل عجلة الشّركا أو اللف، للوصول إلى المرحلة الأخيرة ممثلة في النسج حيث تحاكي الكوريغرافيا بنية النول في أداء منضبط دقيق.
الناظر إلى تقاليد الثقافة الهندية الكلاسيكية في رقصة النسيج، يشاهدها حاضرة بوضوح في إيقاعات المؤدين، والأزياء التقليدية التي تشير إلى سمات الشخصيات وأوضاعها الاجتماعية، ولا ننسى هنا، صوت الماء المتداخل مع آلة اللف، فجميعها خلقت سينوغرافيا رمزية وجمالية آسرة لفضاء الخشبة، إضافة إلى الدمج بين الرقص والسينما الوثائقية، عندما افتتح العرض بلقطات حقيقية للفيضانات التي دمرت الولاية، وأقدام الحرفيين وحركة الخشب مع إيقاعات الموسيقى الهندية التقليدية، لكن بأسلوب معاصر.
إن الفعل الدرامي الحاصل في رقصة النسيج، شكّل من التغذية المتداخلة للفنون (مسرح، وسينما وثائقية، وموسيقى، وكوريغرافيا) تعمل مجتمعة على التعبير الجسدي لتقديم رؤية بصرية فوق الخشبة للتعبير عن وحدة في الزمان والمكان، فاللوحات السبع نسجت حكاية المسرحية، في خط تتابعي لم يقصِ التراتبية لكنه طورها في أداءات رشيقة وأنيقة.
إذا كنا لا نستطيع الفصل بين اللوحات، فبإمكاننا على سبيل التمثيل الإشارة إلى اللوحة الرابعة، حينما تُترك الخيوط لتجف فيكون وضعها على الحبل أشكال عدة للنساء العاملات، خاصة وهي في بيتها أو في ساحات مدّ الخيوط فنشاهد وضعيات لعُقد المرأة أو ما يشبه طوق الورد الذي يرتديه الرجال والنساء حول الرقبة في الثقافة الهندية العريقة (الجارلاند) (Garland) أو "المالا" (Mala)، ويحمل دلالات عميقة اجتماعية وروحانية ذات أبعاد رمزية غائرة في المعتقد الهندوسي. أما اللوحة السابعة، حيث يلتقي السدى واللحمة؛ الخيوط الطولية والعرضية متشابكة لتصنع النمط والشكل الذي ينتهي إلى وَحدة القماش كله ثوب الساري (Saree / Sari) الهندي التقليدي، نشاهده يملأ فضاء خشبة المسرح. وبهذه النهاية يكتمل العرض، الذي ابتدأ بالممثلات يرتدين الثوب التقليدي ليبدأن في رقصة النسيج، يتخففن من الساري وينطلقن في العمل ثم يعدن إلى ارتدائه ليحققن جمالية استثنائية للخشبة، في عرض أوصل رسالته بالأداء الراقص في سهولة ويسر.
لعل ما يمنح "رقصة النسيج" فرادتها أنها لا تكتفي بتحويل حرفة يدوية إلى موضوع مسرحي، بل تجعل من الجسد نفسه نولًا حيًا تنسج عبره الذاكرة والهوية والعمل الجماعي. وهكذا يغادر المتفرج العرض وهو لا يتذكر حكاية الفيضان فحسب، بل يتأمل أيضًا قدرة الفن على إعادة ترميم ما تهدمه الكوارث، وتحويل الألم الإنساني إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود والثقافات.