أحمد مسلم سوحلي جعبوب

 

في أعماق ظفار وعلى امتداد سلاسلها الجبلية، بين الصخور والهضاب، تنبت شجيرة صغيرة معمّرة، تحمل في أوراقها وسيقانها عبق الأرض وروح الطبيعة، إنها Lavandula dhofarensis، التي يعرفها السكان المحليون باسم "هريان أكولون"، أي "شجيرة العريس". الاسم يعكس رونقها وفرادتها، كما يحمل ذاكرة تقليدية عميقة، فقد استخدمت أوراقها كنكهة تضيفها الأسر للشاي، وكان قبل توفر العطور يُعتمد عليها كعطر طبيعي للعرسان، كما استُخدمت كمعطر منعش بديل للصابون، تنقله الأيدي فتشعر بالرائحة العطرية الطازجة.

هذا النوع من الخزامى لا يقتصر دوره على الجمال أو الرائحة العطرية، بل يمثل نموذجًا حيًا على التكيف الطبيعي للنباتات في بيئة شبه جافة تتأثر بمواسم مطرية متقطعة ومتأثرة بالأمطار الموسمية، ويعد شاهدًا حيًا على صمود الطبيعة في مواجهة الظروف المناخية الصعبة، وهو جزء لا يتجزأ من التراث النباتي الفريد في سلطنة عمان.

تتميز هذه الشجيرة الصغيرة إلى المتوسطة الحجم بأنها تتبع الفصيلة النعناعية، ويصل ارتفاعها عادة إلى نصف متر وحتى متر واحد. تتفرع سيقانها شبه الخشبية من القاعدة، قائمة أو مائلة، وتغطي الأجزاء الفتية شعيرات دقيقة تمنحها ملمسًا ناعمًا قليلًا. الأوراق متقابلة، خطية إلى خطية ضيقة جدًا، كاملة الحافة، قصيرة العنق أو عديمة العنق، ويتدرج لونها من الأخضر الرمادي إلى الفضي الخفيف، وتحتوي على غدد زيتية واضحة مسؤولة عن الرائحة العطرية المميزة التي تجعلها فريدة في عالم النباتات العطرية.

النورات عبارة عن سنابل طرفية تحمل أزهارًا صغيرة أنبوبية، تتدرج ألوانها من البنفسجي الفاتح إلى الأرجواني، مرتبة على محور زهري واضح مع براكتات ضيقة. الكأس أنبوبي ذو أسنان قصيرة والتويج ثنائي الشفة، وهي خصائص مميزة لجنس الخزامى، بينما تنقسم الثمار إلى أربع فصيصات صغيرة، بما يعكس الدقة النباتية لهذا النوع.

يتفرد الخزامي الظفاري بتركيب كيميائي خاص للزيوت الطيارة، يختلف عن معظم أنواع الخزامى الأخرى. فقد أظهرت دراسة علمية أُجريت عام 2013 في مجلة جامعة السلطان قابوس للعلوم أن الزيوت العطرية لهذا النبات تختلف تمامًا عن الزيوت المعروفة في اللافندر التقليدي، حيث تفتقر إلى المركبات العطرية الأساسية الشائعة وتحتوي على مركبات أخرى تمنحها هوية عطرية فريدة، مما يجعلها نوعًا مستوطنًا لا يمكن مقارنته بأي نوع آخر في العالم. يرتبط هذا الاختلاف بكونها نباتًا أصيلًا في جنوب سلطنة عمان ومتكيّفًا مع الظروف البيئية الخاصة بمحافظة ظفار، حيث تنمو طبيعيًا على المنحدرات الصخرية والأراضي الجافة إلى شبه الجافة ضمن نطاق مناخي موسمي مطير، وهو ما يعكس مرونة الطبيعة في مواجهة التغيرات المناخية.

يحمل النبات اسمًا محليًا يعكس تقدير السكان لجماله ورائحته المميزة، ويجعل منه رمزًا للتراث النباتي العماني، مرتبطًا بالبيئة والثقافة المحلية، ويجمع بين الأهمية العلمية والجمالية في آن واحد. إن حمايته والحفاظ عليه يمثل واجبًا علميًا وطبيعيًا على حد سواء، فهو ليس مجرد مصدرا للعطور الطبيعية، بل عنصر أساسي في النظام البيئي المحلي، يساهم في دعم الحياة الفطرية، ويظل شاهدًا حيًا على التنوع النباتي الفريد في محافظة ظفار.

يقف الخزامي الظفاري شامخًا، عطرًا، وصامدًا، حاملاً إرثًا طبيعيًا وعلميًا لا يعوض، ليؤكد أن حماية النباتات المستوطنة ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على الجمال البيئي والهويّة النباتية التي تميز هذه الأرض، وتستمر قصته حية، عطرية ومتألقة، عبر الأجيال القادمة.

والاسم المحلي في ظفار هو "هريان أكولون"؛ أي نبات العريس، ويسمى في شمال عُمان "الحيرق".




 

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

بعد نفي الحكومة تطبيقها على المنازل.. مشروع قانون يفرض 20 جنيها ضريبة لكل 20 ألف قدم غاز طبيعي على الشركات

أثار مشروع القانون المقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة الصادر بالقانون رقم 67 لسنة 2016، حالة من الجدل خلال الساعات الماضية، بعد تداول معلومات بشأن فرض ضريبة جديدة على الغاز الطبيعي، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه الضريبة ستنعكس على فواتير استهلاك المواطنين للمنازل.

وجاء الجدل عقب إدراج بند جديد ضمن جدول السلع والخدمات المرافق لقانون الضريبة على القيمة المضافة، يقضي بفرض ضريبة جدول على الغاز الطبيعي بواقع 20 جنيهًا لكل ألف قدم مكعب، وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم توضيحات رسمية تحت قبة مجلس النواب بشأن نطاق تطبيق الضريبة والجهات المخاطبة بها.

ضريبة الغاز الطبيعي

وخلال الجلسة العامة لمجلس النواب، أكد وزير المالية أن الضريبة الجديدة لا تستهدف المواطنين ولا تُفرض على استهلاك الغاز الطبيعي بالمنازل، مشددًا على أن المخاطب بأحكام الضريبة هو الشركة المختصة بشراء الغاز الطبيعي، وليس المستهلك النهائي.

وقال وزير المالية إن الحكومة تدرك حساسية ملف الطاقة بالنسبة للمواطنين، ولذلك فإنها ملتزمة بشكل كامل بعدم تحميل الأسر المصرية أي أعباء إضافية، مؤكداً أن أسعار استهلاك الغاز الطبيعي للمنازل لن تتأثر بالتعديل المقترح، وأن الحديث عن فرض ضريبة جديدة على المواطنين غير صحيح.

وفي السياق ذاته، أكد رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب أن مشروع القانون لا يتضمن أي نص يسمح بتحميل المستهلك المنزلي هذه الضريبة، موضحًا أن الضريبة لا تخاطب المواطن من الأساس، وإنما تستهدف الجهات المتعاملة في شراء الغاز الطبيعي وفقاً للمنظومة الضريبية المعمول بها.

وتكشف قراءة مشروع القانون أن التعديلات لا تقتصر على بند الغاز الطبيعي فقط، وإنما تشمل حزمة واسعة من الإجراءات التي تستهدف إعادة تنظيم بعض الأحكام الضريبية، وتقديم مزيد من التيسيرات للقطاع الصناعي، ومعالجة عدد من الإشكاليات التطبيقية التي ظهرت خلال السنوات الماضية.

السعر العام لضريبة القيمة المضافة

وفي مقدمة هذه التعديلات، أبقى المشروع على السعر العام لضريبة القيمة المضافة كما هو دون تعديل، حيث يستمر العمل بالسعر العام البالغ 14% المطبق حالياً، وهو ما يعني عدم وجود زيادة عامة على ضريبة القيمة المضافة كما تردد في بعض التقديرات.

كما تضمن المشروع تعديلاً مهماً يتعلق بالآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي، حيث نص على تعليق أداء الضريبة المستحقة على هذه الآلات والمعدات سواء الواردة من الخارج أو المشتراة من السوق المحلية لمدة عام كامل من تاريخ الإفراج عنها أو شرائها.

ويسمح المشروع بمد فترة التعليق لأسباب مبررة تقبلها مصلحة الضرائب لمدة أو لمدد أخرى لا يتجاوز مجموعها ثلاث سنوات كحد أقصى، وفي حال ثبوت استخدام هذه المعدات فعلياً في العملية الإنتاجية خلال المدة المحددة يتم إعفاؤها نهائياً من الضريبة.

وزير المالية: لا ضريبة على الغاز بالمنازل.. ومشروع القانون يخاطب الشركة المختصة بالشراء

ويهدف هذا التعديل إلى تخفيف الأعباء المالية عن المستثمرين والمصنعين وتشجيع التوسع في الإنتاج المحلي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد.

وفي المقابل، شدد المشروع على منع التصرف في هذه الآلات والمعدات بعد إعفائها في غير الغرض الذي أعفيت من أجله لمدة خمس سنوات، إلا بعد إخطار مصلحة الضرائب وسداد الضريبة المستحقة وفقاً لحالتها وقيمتها وقت السداد.

أما إذا لم يتم استخدام المعدات في النشاط الصناعي خلال المدة المقررة، فإن الضريبة تصبح واجبة الأداء مع الضريبة الإضافية اعتباراً من تاريخ الإفراج الجمركي أو تاريخ الشراء من السوق المحلية وحتى تاريخ السداد.

وشملت التعديلات أيضاً تسهيلات للمشروعات الصغيرة، حيث جرى تعديل قواعد استرداد الرصيد الدائن للممولين، بحيث يتم الاكتفاء بمرور ثلاثة أشهر فقط بالنسبة للمشروعات الخاضعة لقانون الحوافز والتيسيرات الضريبية للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، بدلاً من مدد أطول كانت مطبقة سابقاً.

وعلى صعيد السلع والخدمات المعفاة من الضريبة، حافظ المشروع على إعفاء غاز البوتين "البوتاجاز" من الضريبة، وهو ما يعكس حرص الحكومة على عدم المساس بالسلع المرتبطة مباشرة بمعيشة المواطنين.

في المقابل، نص المشروع على استثناء البترول الخام والغاز الطبيعي من بند إعفاء المواد الطبيعية، وهو ما يتسق مع فرض ضريبة الجدول الجديدة الخاصة بالغاز الطبيعي.

كما تضمن المشروع إعادة تنظيم الإعفاءات الخاصة بالقطاع العقاري، حيث يستمر إعفاء بيع وتأجير الأراضي الفضاء والأراضي الزراعية والمباني والوحدات السكنية من الضريبة، بينما تخضع للضريبة المباني والوحدات غير السكنية التي تُستخدم مقاراً لإدارة الأنشطة المختلفة.

واستثنى المشروع من ذلك المقار المستخدمة في الأنشطة الدينية والخيرية والاجتماعية والتعليمية والصحية، فضلاً عن الأنشطة الأخرى التي قد يصدر بشأنها قرار من وزير المالية بناءً على توصية الوزير المختص.

وحافظت التعديلات كذلك على إعفاء عدد كبير من السلع والخدمات ذات الطابع الاجتماعي والإنساني، ومنها الكراسي المتحركة لذوي الإعاقة وأجزاؤها، والأطراف الصناعية، وأجهزة السمع للصم، وأجهزة الغسيل الكلوي ومستلزماتها، وحضانات الأطفال، والأمصال واللقاحات والدم ومشتقاته، وأكياس جمع الدم ووسائل تنظيم الأسرة.

كما أبقت التعديلات على إعفاء الخدمات المالية غير المصرفية الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، والخدمات المالية المقدمة من الهيئة القومية للبريد، في إطار الحفاظ على استقرار الخدمات المالية المقدمة للمواطنين.

طباعة شارك الغاز الطبيعي ضريبة الغاز الطبيعي القيمة المضافة ضريبة القيمة المضافة مجلس النواب وزارة المالية

مقالات مشابهة

  • شمع العسل الأبيض.. كنز طبيعي قد يدعم صحة القلب ويحمي الأوعية الدموية
  • علماء يحددون مكمل غذائي طبيعي يحمي من السمنة وتراكم الدهون في الكبد
  • مكمل غذائي طبيعي يحمينا من السمنة وتراكم الدهون في الكبد
  • إطلاق برنامج بالبحر الأحمر للتوعية بحماية المانجروف والحلول القائمة على الطبيعة
  • هل فقد نادي ظفار هويته؟!
  • "ظفار الإسلامي" يطرح برنامج صكوك بـ250 مليون ريال عُماني
  • "أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان
  • بعد نفي الحكومة تطبيقها على المنازل.. مشروع قانون يفرض 20 جنيها ضريبة لكل 20 ألف قدم غاز طبيعي على الشركات
  • باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية