إذا سألت الكثيرين عن الإضاءة المثالية للمدن بعد الغروب، ستكون الإجابة المتأثرة بإرث الماضي هي أن تكون كاشفة للطريق حتى تسير السيارات بسلام، وتعطي في الوقت نفسه إحساسا بالأمان، لكن دراسة قطرية نشرتها دورية "سيتي آند إنفايرونمنت إنتراكشنز"، تعيد تعريف إضاءة المدن، لتمنح الضوء لغة تجعل منه أداة نفسية واجتماعية تشكل علاقتنا بالمكان.

وانطلقت تلك الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة قطر من فرضية سعى الباحثون لاختبارها، وهي أن طريقة إضاءة الأماكن العامة ليلا لا تؤثر فقط على الرؤية، بل على مشاعر الناس وإحساسهم بالأمان، بل ورغبتهم في الجلوس والتفاعل مع الآخرين، واختير ممشى الواجهة البحرية في منطقة المارينا بمدينة لوسيل في قطر، لاختبار تلك الفرضية.

ويضم هذا المكان مطاعم وأبراجا ومقاعد ومساحات مفتوحة، ويُستخدم بكثافة في المساء، وهو ما يجعله بيئة مثالية لإجراء الدراسة.

مشاة يمرون بجوار نافورة مياه مضاءة في المنطقة 2 من ممشى الواجهة البحرية (نازال نازار)ثلاث مناطق لتبسيط التحليل

بدأ الباحثون دراستهم بتقسيم الممشى عمدا إلى ثلاث مناطق لتبسيط التحليل وتمكين إجراء مقارنة ذات مغزى ضمن مساحة عامة طويلة ومتنوعة مكانيا.

ويقول الباحث الرئيسي بالدراسة الدكتور نازال نازار، ويعمل باحثا في قسم الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني بكلية الهندسة بجامعة قطر للجزيرة نت: "التقسيم تم استنادا إلى اختلافات ملحوظة في التكوين المكانى، وكثافة استخدام الأراضي، وأنماط الإضاءة، وخصائص المناظر الطبيعية بين المناطق الثلاث، حيث كانت المنطقة الأولى ذات بيئة نشطة للغاية وديناميكية بصريا، مع طبقات إضاءة كثيفة، وعناصر مائية تفاعلية، وعناصر ترفيهية"

ويضيف: "أما المنطقة الثانية، فكانت ذات طابع معماري مميز، حيث تهيمن العناصر المعمارية والإضاءة المميزة على التجربة المكانية، وفي المقابل، تحتوي المنطقة الثالثة على نسبة أعلى من المساحات الخضراء، ومقاعد متدرجة، وإضاءة أكثر نعومة مدمجة مع المناظر الطبيعية، مما يخلق بيئة أكثر هدوءا وتأملا".

إعلان

ويوضح أن هذا الإطار ثلاثي المناطق ساعد على تسهيل الدراسة من خلال تقليل التعقيد المكاني مع الحفاظ على التنوع الوظيفي والبيئي، وأتاح ذلك دراسة خصائص الإضاءة وسلوك المستخدمين وإدراكهم بشكل مقارن عبر مناطق ذات خصائص اجتماعية وبيئية وتجريبية متباينة، مما عزز من قابلية تفسير النتائج.

عائلة تجلس في منطقة ذات إضاءة خافتة داخل المنطقة 3 التي حددتها الدراسة (نازال نازار)كيف تمت الدراسة؟

استخدم الباحثون ثلاث طرق معا لدراسة هذه المناطق الثلاث، هي "حصر الإضاءة"، وفيها يتم قياس شدة الضوء وحرارة اللون إن كان دافئا أو باردا، وأنواع المصابيح (أرضية، وأعمدة، ومقاعد، ونافورات)، و"مراقبة السلوك"، لرصد من يمشي؟ ومن يجلس؟ وأين يتجمع الناس؟ وأين يفضلون الهدوء؟ وتمت المراقبة ليلا بين 6 و10 مساء، لمدة أسبوعين.

كما تم "استطلاع آراء المستخدمين"، حيث أجاب 40 شخصا على أسئلة حول الإحساس بالأمان، الراحة النفسية، تفضيل الألوان، دور الإضاءة في ربطهم نفسيا بالمكان.
ويقول نازار إن "استخدام الطرق الثلاث معا، كان هدفه تعزيز موثوقية النتائج، فبينما رصدت الاستبيانات التجارب الذاتية، قدمت آلية مراقبة السلوك أدلة موضوعية حول كيفية استخدام المستخدمين للمكان وتنقلهم فيه فعليا في ظل ظروف إضاءة مختلفة".

منظر جوي ليلي لممشى الواجهة البحرية في منطقة المارينا (المنطقة الأولى) (نازال نازار)إعادة التفكير في أهداف الإضاءة

ويضيف الباحث أن "توافق نتائج الاستبيانات مع السلوك الملحوظ ساعد في الحد من التحيز الفردي وتعزيز موثوقية النتائج".

ورصدت الدراسة مجموعة من النتائج المميزة التي تعيد التفكير في أهداف الإضاءة، فوفقا لـ"حصر الإضاءة"، كانت أفضل شدة للإضاءة من 10 إلى 15 لوكس (وحدة قياس شدة الإضاءة)، وهذه الدرجة ليست مظلمة فلا تثير الخوف، وليست ساطعة بشكل يسبب إزعاجا، والنتيجة أن الإضاءة المتوسطة تعني الراحة والأمان والرغبة في البقاء.

وبالنسبة لـ"لون الإضاءة"، فإن الألوان الدافئة (3000–3500 كلفن)، تمنح إحساسا بالراحة وتشجع الجلوس والتفاعل، أما الألوان الباردة، فهي مفيدة للممرات والحركة، والألوان القوية مثل الأحمر والأزرق، مفضلة للمناسبات، لكن لا يفضلها الناس يوميا، حيث يميل أكثر من 80 في المئة إلى تفضيل الضوء الأبيض الدافئ.

وعن "مراقبة الناس"، كشفت الدراسة أن 40 إلى 45 في المئة جلسوا في مناطق مضاءة بشكل متوازن، وفضل من 25 إلى 30 في المئة مناطق أهدأ وأقل إضاءة.

وساعدت المناطق القريبة من الماء مع إضاءة خافتة على التوقف والتأمل، والإضاءة الملونة قرب الأشجار والنافورات، شجعت التصوير والتجمع، وكانت الخلاصة في هذا المحور أن الناس لا يريدون نوعا واحدا من الضوء، بل تنوعا ذكيا.

وانطلاقا من كل ذلك، خلصت الدراسة إلى أن الإضاءة التي ترفع الإحساس بالانتماء للمكان، هي تلك التي تتيح "إمكانية الوصول"، أي يكون التنقل في الطريق بوضوح مع شعور بالأمان، و"الراحة"، أي أن الضوء مريح للعين ويشجع على البقاء فترة أطول، و"الاجتماع"، أي تشجع اللقاء والجلوس مع الآخرين، وإذا تحقق كل ذلك، يمكن الوصول للانتماء، أي أتذكر المكان وأحبه، وأعود إليه، وهو ما عبر عنه 74 في المئة من المشاركين عندما قالوا إن الإضاءة جعلتهم يشعرون بالارتباط بالمكان.

إعلان

وعلى الرغم من أن الدراسة لم تهدف إلى التمييز إحصائيا بين الاستجابات حسب العمر أو الفئة الاجتماعية نظرا لصغر حجم العينة الاستكشافية، إلا أن نازال يشير إلى أنه قد لوحظت أنماط نوعية، حيث كان المستخدمون الأصغر سنا، هم الأكثر انجذابا إلى مناطق الإضاءة الديناميكية والملونة، وغالبا ما كانوا ينخرطون في التفاعل الاجتماعي والتصوير، أما العائلات وكبار السن، فقد أبدوا تفضيلا للمناطق ذات الإضاءة المتساوية والسطوع المعتدل والوهج المنخفض، مما يعزز الراحة والرؤية والشعور بالأمان، وبشكل عام، ارتبطت درجات حرارة الألوان الدافئة ومستويات الإضاءة المعتدلة باستمرار باستجابات إيجابية لدى مختلف الفئات الديموغرافية.

إضاءة ذكية ومتكيفة

وتقترح الدراسة وفق ما توصلت له من نتائج استخدام إضاءة ذكية ومتكيفة، والتي تعني اختلاف طريقة الإضاءة بين المناطق بدلا من تطبيقها كحل موحد على مستوى المدينة بأكملها.

ويشرح نازال هذا المفهوم، قائلا إنه "يبدأ عمليا بتحديد المناطق الوظيفية، مثل ممرات الحركة، ومناطق التجمع الاجتماعي، وأماكن الجلوس، والواجهات البحرية، وتحديد معايير الإضاءة الأساسية لكل منها بناء على كثافة الاستخدام والتجربة العاطفية المرجوة".

ويضيف: "يمكن بعد ذلك تطبيق استراتيجيات تكيفية تسمح للسطوع ودرجة حرارة اللون بالاستجابة لوقت الليل وكثافة المشاة، على سبيل المثال، خلال ساعات المساء الأولى أو فترات النشاط المكثف، يمكن لممرات الحركة الحفاظ على إضاءة معتدلة ومتساوية التوزيع لدعم السلامة والتوجيه، بينما تستخدم مناطق التجمع الاجتماعي وأماكن الجلوس ألوانا دافئة لتعزيز الراحة والتواصل الاجتماعي، ومع انخفاض حركة المشاة في وقت لاحق من الليل، يمكن تقليل شدة الإضاءة تدريجيا لتوفير الطاقة مع الحفاظ على وضوح الرؤية والشعور بالأمان".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی المئة

إقرأ أيضاً:

الكونغو تعيد فتح مطار بونيا وسط تفشي إيبولا وتحذيرات من اتساع نطاق الإصابات

أعلنت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية إعادة فتح مطار بونيا، المطار الرئيسي في إقليم إيتوري الأكثر تضرراً من تفشي فيروس إيبولا، متراجعة عن قرار تعليق رحلات الركاب الصادر الشهر الماضي.

وكان الإجراء قد أثار انتقادات واسعة من السكان المحليين لتسببه في قطع الإمدادات الأساسية، علماً بأن الرحلات الإنسانية والطبية كانت قد استمرت طوال تلك الفترة بموجب موافقات خاصة.

وأكدت وزارة النقل، في بيان أصدرته، أن الظروف باتت مواتية "للسماح باستئناف أنشطة النقل الجوي بشكل تدريجي وآمن" فوراً، مشددة على تطبيق بروتوكول صحي صارم يلزم جميع الركاب بالخضوع لقياس درجة الحرارة قبل الصعود وعند الوصول، وغسل الأيدي، مع حظر سفر أي راكب تظهر عليه أعراض الحمى.

وجاء هذا القرار اللوجستي بالتزامن مع زيارة ميدانية للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الذي رصد "علامات مشجعة" في جهود الاستجابة، من بينها تعافي خمس حالات مؤكدة، مؤكداً في الوقت ذاته الحاجة الملحة لتعزيز قدرات الفحص والعلاج وبناء الثقة مع الأطقم الطبية.

وفي سياق متصل، أعلنت منظمة الصحة العالمية على لسان متحدثها الرسمي في جنيف، كريستيان ليندماير، عن تسجيل 321 حالة إصابة مؤكدة بسلالة "بونديبوجيو" لفيروس إيبولا، إلى جانب 116 حالة غير مؤكدة.

تفاؤل حذر في الكونغو.. تعافي 5 مصابين بـ "إيبولا" وسط مخاوف عالمية - موقع 24قالت منظمة الصحة العالمية، الأحد، إن 4 ممرضات كن يتلقين العلاج من الإصابة بسلالة "بونديبوجيو" من فيروس "إيبولا"، غادرن المستشفى في بونيا بجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد شفائهن من المرض.

في حين تباينت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة ومنظمة الصحة العالمية بشأن حصيلة الوفيات وحالات التعافي؛ حيث تشير البيانات الحكومية إلى 48 وفاة مرتبطة بالفيروس بينما وثقت المنظمة 41 وفاة وست حالات تعاف، في وقت سجلت فيه أوغندا المجاورة تسع إصابات مؤكدة ووفاة واحدة.

وتشير الخريطة الوبائية إلى تمدد الفيروس ليصل إلى 15 منطقة صحية من أصل 36 في إقليم إيتوري، مع رصد إصابات أخرى في إقليمي كيفو الشمالي وكيفو الجنوبي. 

وتأتي هذه التطورات وسط تحذيرات شديدة أطلقتها لجنة الإنقاذ الدولية، مؤكدة أن الحجم الحقيقي للتفشي قد يكون أكبر بكثير وأكثر تقدماً مما توضحه الأرقام الرسمية، مرجحة احتمال انتشار الفيروس بصمت لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر قبل اكتشاف أولى الحالات رسمياً في منتصف مايو (أيار) الماضي. 

يُذكر أن المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها كان قد أعلن عن هذا التفشي، الذي يحمل الرقم 17 في تاريخ الكونغو، في 15 مايو (أيار) المنصرم، لتعقبه منظمة الصحة العالمية سريعاً بإعلان المرض حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً.

60 مليون دولار لتسريع تطوير لقاحات ضد سلالة إيبولا القاتلة - موقع 24أعلنت منظمة التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI) تخصيص نحو 60 مليون دولار لدعم وتسريع تطوير لقاحات ضد سلالة "إيبولا بونديبوجيو" القاتلة، في خطوة تستهدف احتواء تفشٍّ متزايد للفيروس في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وخارج أفريقيا، حيث لا تتوفر حتى الآن أي لقاحات أو علاجات معتمدة ...

مقالات مشابهة

  • باحثون يحددون حمية غذائية تقلل خطر الوفاة بسرطان الرئة
  • برلمانية: إحياء قلب القاهرة نقلة حضارية تعيد لمصر مكانتها السياحية والتاريخية
  • دراسة : ساعة ونصف من هذه التمارين يوميًا ضرورية لحماية القلب
  • الكونغو الديمقراطية تعيد فتح مطار بونيا بعد إغلاق احترازي بسبب تفشي إيبولا
  • دراسة تبحث في كيفية إعادة إنتاج المجتمع تحت النار في غزة
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • دراسة برلمانية تدعو إلى تعبئة الموارد لترجمة وثائق مجلس النواب تفعيلا للطابع الرسمي للأمازيغية
  • الكونغو تعيد فتح مطار بونيا وسط تفشي إيبولا وتحذيرات من اتساع نطاق الإصابات
  • مواقع الإنترنت تعتمد أسلوبًا جديدًا للتجسس على المستخدمين
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي