ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: الإمام الأريب.. منارة الاعتدال في عالم تتقاذفه أمواج الفتن والجور
تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT
في ظل منعطف تاريخي حاد يمر به العالم المعاصر، حيث تلاطمت أمواج الفتن، وتصارعت فيه التيارات المتطرفة التي لا تقبل الآخر، مع تلك الصيحات التغريبية المنفلتة التي تسعى لفرض مفاهيم "شاذة" وتشويه الفطرة البشرية السوية، يبرز اسم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب كجبل شامخ وصمام أمان، يتجاوز بفكره الرصين حدود الجغرافيا الضيقة، ليمثل ضميراً حياً للأمة الإسلامية وللإنسانية جمعاء.
إن التكريم الأخير الذي ناله فضيلته من دولة تايلاند، بتتويجه "أفضل شخصية إسلامية في العالم"، لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي أو جائزة عابرة؛ بل هو اعتراف كوني بمنهجية "الأزهر الشريف" التي يقودها الإمام بحكمة واقتدار في مواجهة حالة "البلطجة الدولية" والفوضى الأخلاقية والسياسية التي تسعى بعض القوى لفرضها كواقع جديد على الشعوب الضعيفة والمستضعفة.
محطات في "هندسة السلم" ووأد الفتن المذهبية
لقد خاض الإمام الأكبر معارك فكرية ودبلوماسية هادئة، تميزت بالثبات والرزانة، لنزع فتيل الأزمات المشتعلة بين المذاهب الإسلامية، انطلاقاً من إيمانه العميق بأن وحدة الأمة هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها أطماع الدول الكبرى، والدرع الواقي للفقراء من الجور والظلم. ومن أبرز تلك المحطات التي تستحق التأمل:
• مبادرة الحوار "الإسلامي-الإسلامي": لطالما كانت دعوات الإمام صادقة ومجلجلة في المطالبة بضرورة جلوس علماء السنة والشيعة على طاولة حوار واحدة؛ ليس من أجل تذويب الفوارق الفقهية التاريخية، بل من أجل "تحصين الدماء" وقطع الطريق على القوى الخارجية التي تستغل هذا الانقسام كوقود لنشر الاحتراب الداخلي والنزاعات المسلحة التي لا يستفيد منها إلا أعداء الأمة.
• تفكيك وتفنيد خطاب الكراهية: بذل فضيلته جهوداً مضنية في تنقية المناهج الأزهرية والخطاب الدعوي العام من أي شوائب قد تكرس لإقصاء الآخر أو تكفيره، مرسخاً لمفهوم "المواطنة" و"العيش المشترك". إن "الوسطية" في منهج الطيب ليست مجرد موقف مهادن، بل هي "ملاذ أمان" وحائط صد يحمي النسيج المجتمعي من التمزق والانهيار أمام دعوات الغلو والتشدد.
• الوقوف في وجه "الانفلات القيمي" العالمي: في الوقت الذي يرضخ فيه الكثيرون لضغوط العولمة الأخلاقية، وقف الإمام الأريب كحارس أمين على قيم الفطرة، متصدياً لمحاولات تقنين الشذوذ وفرضه كحق من حقوق الإنسان. لقد أوضح للعالم أن السلم العالمي الحقيقي لا يمكن أن يقوم على أنقاض الأخلاق، بل على احترام الخصوصيات الدينية والشرائع السماوية التي تحفظ للإنسان كرامته وطهارته.
من الفكر إلى الضمير الإنساني وجرح العروبة النازف
إن هذا الفكر المعتدل الذي يرسخه شيخ الأزهر ليس تنظيراً حبيس الغرف المغلقة، بل هو القوة الدافعة والمظلة الأخلاقية التي نحتاجها اليوم لتضميد جراح العروبة النازفة، وعلى رأسها قضية العرب الأولى في فلسطين. فبينما يصمت العالم أمام قتل الأبرياء، وتشريد الأسر، بل وحتى الجرائم البشعة المتمثلة في سرقة أعضاء وجلود المغدورين، يظل صوت الإمام هو الأعلى في المطالبة بالعدل وكبح جماح الطغيان الدولي.
إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى هذا "الفكر الأريب" ليكون النواة التي تنطلق منها كل الجهود الإنسانية المخلصة لإعادة تأهيل ضحايا هذه الحروب العبثية، وحمايتهم من الانزلاق في بئر الضياع أو التطرف نتيجة الظلم الواقع عليهم. إن إيواء هؤلاء المكلومين هو الترجمة الفعلية لمشروع الإمام في حماية الإنسان وصون كرامته.
إن مسيرة الإمام الطيب تمثل بحق "محراباً للدعوة" يوازن فيه بين التمسك بالأصالة والثوابت، وبين الانفتاح الواعي على مقتضيات العصر، ليبقى الأزهر الشريف منارة مضيئة ترشد التائهين وسط ظلمات الفتن، وتثبت للعالم أن الإسلام هو دين السلام والعدل والجمال.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: العالم المعاصر التيارات المتطرفة الدكتور أحمد الطيب الأزهر الشريف
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026