نشر موقع "نييمان لاب" (Nieman Lab) تقريرا تحليليا يشرح كيف توظف نيويورك تايمز أدوات ذكاء اصطناعي طورتها داخليا لرصد ومتابعة ما يعرف بـ"المانوسفير"، وهو فضاء رقمي يضم مؤثرين وبودكاستات يغلب عليها الخطاب الذكوري المحافظ والمعادي للنسوية، والمتقاطع في كثير من الأحيان مع اليمين الأمريكي وحركة "ماغا".

وأوضح التقرير أن الصحيفة باتت تعتمد على أداة داخلية تعرف باسم "تقرير المانوسفير"، وهي نظام آلي يستخدم نماذج لغوية كبيرة لتفريغ وتلخيص محتوى عشرات البودكاستات المؤثرة، في محاولة لفهم التحولات المبكرة في الخطاب السياسي والثقافي داخل هذه المجتمعات الرقمية.

وأضاف التقرير أن الدافع وراء تطوير هذه الأداة يعود إلى صعوبة متابعة الكم الهائل من المحتوى الصوتي الذي ينشر يوميا، إذ بات من غير الممكن على الصحفيين الاستماع إلى عشرات الساعات من البرامج الصوتية لمجرد رصد تحول في نبرة أو موقف سياسي. وهنا، وفق التقرير، جاء دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة رصد وتحليل لا بديلا عن الصحافة.

وقال التقرير إن الأداة تتابع حاليا نحو 80 بودكاستا، اختارها صحفيو نيويورك تايمز العاملون في مجالات السياسة والصحة العامة وثقافة الإنترنت.

وتشمل هذه القائمة برامج يمينية بارزة، وأخرى ذات طابع ثقافي أو صحي، إضافة إلى بعض البرامج الليبرالية ذات الجمهور الذكوري الواسع، في محاولة لرسم صورة أكثر شمولا للمشهد.

وأشار التقرير إلى أن آلية العمل تقوم على تحميل أي حلقة جديدة فور صدورها، ثم تفريغها صوتيا إلى نص، قبل تلخيصها آليا. وبعد ذلك تجمع الأداة هذه الملخصات خلال 24 ساعة لإنتاج تقرير يومي واحد يبرز النقاط المشتركة، والاتجاهات الصاعدة، وأي تغير ملحوظ في الخطاب. ويرسل هذا التقرير تلقائيا إلى الصحفيين كل صباح.

وأكد التقرير أن "تقرير المانوسفير" لا يستخدم كمصدر للنشر، ولا يعول عليه وحده في صياغة القصص الصحفية، بل يعمل كأداة إنذار مبكر أو "خط ساخن تحريري" ينبه الصحفيين إلى قضايا تستحق التعمق. وبعد رصد الإشارة يعود الصحفيون إلى الاستماع للحلقات الأصلية والتحقق من السياق قبل إعداد أي مادة.

إعلان

وسلط التقرير الضوء على مثال بارز لاستخدام هذه الأداة، تمثل في تغطية ردود الفعل داخل الأوساط اليمينية على قرار وزارة العدل الأمريكية عدم نشر ملفات إضافية عن قضية جيفري إبستين.

إذ أظهرت التقارير الآلية تصاعد غضب غير متوقع بين مؤثرين كانوا داعمين للرئيس الأمريكي، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشرا مبكرا على تحول في المزاج السياسي داخل القاعدة المحافظة.

وأضاف التقرير أن هذا الاستخدام يعكس توجها أوسع داخل نيويورك تايمز في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، يختلف عن نماذج أخرى تركز على كتابة المقالات أو إنشاء روبوتات محادثة للجمهور.

ففلسفة الصحيفة، بحسب التقرير، تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، ومعالجة المواد الضخمة، ودعم التحقيقات الاستقصائية.

وكشف أن "تقرير المانوسفير" هو امتداد لأداة داخلية أخرى تعرف باسم (Cheatsheet)، اُستخدمت سابقا في تحليل قواعد بيانات ضخمة، وتفريغ آلاف الساعات من الفيديو، وتتبع شبكات نفوذ وتدخل سياسي، مما ساعد الصحفيين على إنجاز تحقيقات معمقة بكفاءة أعلى.

وختم التقرير بالتأكيد على أن التجربة لا تهدف إلى منح نيويورك تايمز تفوقا تقنيا بحد ذاته، بل إلى تعزيز قدرتها الصحفية التقليدية.

فالذكاء الاصطناعي، وفق التقرير، يعمل هنا كمضاعف للقوة التحريرية، يوسع مجال الرصد ويمنح الصحفيين رؤية أعمق لتحولات الخطاب قبل أن تتحول إلى أحداث كبرى.

ويقدم نموذج نيويورك تايمز، كما عرضه تقرير مختبر نييمان، تصورا مختلفا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، يتجاوز الجدل الشائع حول "الصحفي الآلي" أو المقالات المولدة آليا.

فالقيمة الحقيقية هنا لا تكمن في الإنتاج، بل في الرصد المبكر والفهم العميق لتحولات الخطاب داخل مساحات رقمية يصعب على الصحفي متابعتها منفردا.

بيد أن هذا النموذج يطرح في الوقت نفسه أسئلة تحريرية حساسة، فاختيار ما يدرج ضمن "المانوسفير"، وتحديد أي الأصوات تراقب وأيها تستبعد، يظل قرارا بشريا يحمل بالضرورة تحيزاته التحريرية والثقافية. كما أن الاعتماد على التلخيص الآلي قد يغري بتبسيط نقاشات معقدة أو تضخيم اتجاهات لا تزال هامشية.

مع ذلك تكشف التجربة عن مسار ناضج لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة استخبارات تحريرية لا مرجعا نهائيا. فالصحفي يبقى في قلب العملية، مسؤولا عن التحقق والسياق والتفسير.

وفي زمن تتسارع فيه الدورات الخبرية، وتنتقل فيه الأفكار من الهامش إلى المركز خلال أيام، قد تصبح مثل هذه الأدوات ضرورة مهنية لا ترفا تقنيا، شريطة أن تدار ضمن ضوابط تحريرية واضحة وشفافة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی نیویورک تایمز التقریر أن

إقرأ أيضاً:

ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي

وجّه الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي، ولي العهد نائب حاكم الشارقة، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة الشارقة، بتسريع تبني التقنيات الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المساعد ودمجها في منظومة العمل الحكومي، بما يعزز من كفاءة العمل الحكومي وجودة الخدمات والانتقال إلى حكومة مدعومة بالذكاء الاصطناعي المساعد.

يمثل توجيه ولي عهد الشارقة امتداداً لنهج الإمارة في التكامل الرقمي المتمحور حول الإنسان، وتجسيداً لحرصها على توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز كفاءة العمل الحكومي، والارتقاء بجودة الخدمات، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز السيادة الرقمية للإمارة.

ووجّه الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي، دائرة الشارقة الرقمية بقيادة تطوير برنامج الشارقة للذكاء الاصطناعي المساعد، بالتنسيق مع الجهات الحكومية، بما يدعم بناء الممكنات اللازمة، وتحديد الأولويات، وتمكين الجهات الحكومية من تسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد على مستوى الإمارة.

كما وجّه بأن تشمل الجهود تعزيز التعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية وفئات وأفراد المجتمع، بما يسهم في دعم الابتكار والاستدامة، وتنمية القدرات الوطنية، والاستفادة من الخبرات المتخصصة. 

مقالات مشابهة

  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • نيويورك تايمز: طائرات حزب الله المسيّرة تُربك الجيش الإسرائيلي
  • “نيويورك تايمز”: زيلينسكي يتعرض لضغوط هائلة بسبب تحقيقات حول فضيحة فساد كبرى لمقربيه ومساعديه
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • "نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات
  • «يوتيوب» تضيف أدوات وميزات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي