بين ثبات النص وتحول القارئ.. جدل المعنى واحتمالات التأويل
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
آخر تحديث: 12 فبراير 2026 - 1:50 م أحمد الشطري لم يعد النص الأدبي، في الفكر النقدي المعاصر، بنية مغلقة تحمل معنى واحداً مكتملاً، بقدر ما يُنظر إليه بوصفه فضاءً دلالياً مفتوحاً، قابلاً للتوليد والتجدّد. فالمعنى لا يُعطى جاهزاً داخل النص، ولا يُستخرج كما تُستخرج حقيقة ثابتة، بل يتشكّل في منطقة وسطى، في مسافة برزخية تفصل وتصل بين نص ثابت وقارئ متحوّل.
هذا التصور يجد أحد أسسه النظرية لدى أمبرتو إيكو، حين يتحدث عن النص المفتوح. فالنص، في نظره، لا يقدّم معنى واحداً مغلقاً، بل يضع أمام القارئ شبكة من الإمكانات الدلالية الموجَّهة. وفي الوقت ذاته يرفض إيكو الفوضى التأويلية بقدر ما يرفض الانغلاق، ويؤكد أن النص يتيح قراءات متعددة، لكن داخل حدود تفرضها بنيته الداخلية ولغته وسياقه. فالنص مفتوح، نعم، لكنه ليس سائلاً بلا شكل. من هنا تتضح المفارقة الدقيقة: فالانفتاح لا يعني أن كل قراءة صحيحة لمجرد أنها ممكنة، بل يعني أن النص يسمح بأكثر من معنى مُحتمل، لا بأكثر من معنى مُختلق. القراءة المشروعة هي تلك التي تستطيع أن تُقيم حجتها من داخل النص، لا أن تستخدم النص ذريعة لقول ما تريد قوله هي. أما هانس روبرت ياوس، فينقل مركز الثقل خطوة أخرى نحو القارئ، من خلال مفهوم أفق التلقي. فالنص لا يُقرأ في فراغ، بل يُستقبل ضمن أفق ثقافي وتاريخي محدد، يتغير بتغيّر الأزمنة والجماعات القرائية. والمعنى، وفق هذا التصور، ليس شيئاً ثابتاً يُكتشف، بل تجربة جمالية تتشكل في لحظة اللقاء بين النص وقارئه. غير أن هذا التحول لا يجعل النص بلا سلطة، بل يجعل سلطته من نوع آخر. فالنص لا يفرض معنى بعينه، لكنه يقاوم بعض القراءات، ويُربك بعضها الآخر، ويكافئ قراءات بعينها بقدر أكبر من الإقناع. وهنا تتجلى المسافة البرزخية التي لا يمكن اختزالها في طرف واحد. فالنص، من حيث بنيته اللغوية، يظل ثابتاً: كلماته، تراكيبه، إيقاعه الداخلي. غير أن هذا الثبات لا يعني الجمود، بل يعني القابلية. فالنص يشبه نواة دلالية كامنة، لا تتحقق إلا حين تدخل في علاقة مع قارئ. هنا لا يكون النص مكتفياً بذاته، ولا القارئ متسلطاً عليه، بل تنشأ بينهما علاقة شدٍّ خلاق، هي الشرط الأول لتكوّن المعنى. في هذا السياق، يغدو القارئ عنصراً متحوّلاً على الدوام. فهو لا يعود إلى النص كما كان، بل يعود محمّلاً بزمن جديد، وتجربة مختلفة، وأسئلة لم تكن مطروحة من قبل. لذلك لا يتغيّر المعنى لأن النص تبدّل، بل لأن زاوية النظر إليه تبدّلت. فالمعنى وفق هذه الرؤية لا يُستبدل، بل يُكشف، ويُعاد تشكيله داخل تلك المسافة البرزخية التي لا يمكن اختزالها في أحد طرفيها. ووفق ذلك يمكن القول إن النص يظل ثابتاً في بنيته، لكن دلالته لا تتحقق إلا عبر قارئ متحوّل. ويأتي بول ريكور ليمنح هذه العلاقة عمقاً تأويلياً إضافياً، حين يميّز بين نية المؤلف ومعنى النص. فالنص، بمجرد أن يُكتب، ينفصل عن صاحبه، ويدخل في فضاء تأويلي مستقل. وبهذا فإن المعنى لم يعد مرهوناً بقصد الكاتب، بل بما يفتحه النص من إمكانات للفهم. وهكذا يصبح التأويل فعلاً زمنياً، لا يبحث عن حقيقة نهائية، بل عن فهم متجدد. وفي ضوء النظرية الاحتمالية في الأدب، يغدو غياب المعنى المطلق شرطاً من شروط حياة النص، لا علامة على نقصه. فالنص الذي يُستنفد معناه سريعاً نصٌّ قصير العمر، مهما بلغت حرفيّته. أما النص القادر على توليد الدلالات، فهو نص يمتلك ديمومة خاصة، يعيش بتجدّد قرّائه، لا بثبات تفسيره. ومن هنا تتبدّل فكرة (المعنى الصحيح) لصالح مفهوم أكثر مرونة، متمثلاً بالقراءة الأقدر على الإقناع. فنحن لا نبحث عن تأويل نهائي، بل عن قراءة تستطيع أن تبرّر نفسها من داخل النص، وأن تُقيم علاقة حقيقية مع لغته وسياقه وصوره. والمعنى، في هذا الإطار، ليس حقيقة مطلقة، بل هو احتمال راجح، مؤقت، وقابل للمراجعة. وفي ضوء هذا كله، تتضح مركزية النظرية الاحتمالية في فهم الأدب. إذ يكون غياب المعنى المطلق ليس دلالة نقص أو فقر كما أشرنا، بل هي شرط حياة. حيث اختزال النص في تفسير واحد، سيفضي إلى موته، مهما بلغت دقته الفنية. ومن هنا فإننا ننظر إلى النص ككائن حي قادر على توليد الدلالات، وفقا لما ينطوي عليه من خزين معرفي ودلالي وجمالي، وهذا ما يجعله يمتلك ديمومة خاصة، تجعل منه قادرا على العيش بتعدد قرائه وقراءاته لا بثبات معناه. ويمكنني أن أمثل هنا بكانون الحطب المشتعل، فهو رغم ثابتية جوهره المادي، إلا أن نظر الذين يتحلقون حوله متغير باختلاف غاياتهم واحتياجاتهم وأحاسيسهم والزمن الذي يقفون فيه عليه، إن هذا التعدد الغائي هو ما يمنح هذا الكانون أو “الأثر” وفقا لبعض ترجمات مصطلح إيكو قابلية الانفتاح على أكثر من احتمال لزوايا النظر أو المعطيات الدلالية والجمالية التي لا تقف عند حد إلا باندثار “الأثر”. فالمعنى في النص، إذن، وفق رؤيتنا ليس نهاية تُبلَغ، بل مسار يُسلك. وكل قراءة له لا تمثل خاتمة ولا تجميعاً لتراكم قراءات سابقة، بل هي إضافة وتوليد لمعانٍ جديدة تنبني من مرجعيات القارئ وتغير وجهات النظر وتبدل المفاهيم.ومن ثم فإن النص العظيم ليس ما يُفهم مرة واحدة، بل ما يعود إلينا مختلفاً في كل مرة، لأننا نحن الذين تغيّرنا.ووفقا لذلك فإن المسافة البرزخية بين النص والقارئ التي نفترضها، هي التي ترسم العلاقة بينهما، حيث النص لا يتكلم وحده، والقارئ لا يفرض صوته الكامل والمطلق، وبهذا نتمكن من أن ننظر إلى الأدب بوصفه تجربة إنسانية مفتوحة، قابلة للحياة، وقادرة على مقاومة النسيان.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
إقرأ أيضاً:
توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.
وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.
وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.
وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.
وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.
وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.