تشهد إيران في الأسابيع الأخيرة تداخلا لافتا بين مسارين متوازيين، تشديد الإجراءات الأمنية والقضائية على شخصيات محسوبة على التيار الإصلاحي أو قريبة من بيئته، وتصعيد لغوي في توصيف الاحتجاجات يصل في بعض التصريحات إلى اعتبارها "شبيهة بانقلاب" أو جزءا من "مخطط خارجي" يستهدف النظام.

وبينما تقول السلطات إن ما يجري يأتي في إطار "حماية الأمن" ومواجهة "الفتنة" و"الشغب" و"التخريب"، يرى خصومها أن هذا الخطاب يهدف إلى إعادة تعريف الاحتجاج من كونه تعبيرا اجتماعيا وسياسيا إلى كونه تهديدا سياديا يبرر توسيع الملاحقات.

اعتقالات إصلاحية

وضمن المشهد الأحدث، برزت اعتقالات شخصيات إصلاحية معروفة مثل آذر منصوري وإبراهيم أصغرزاده ومحسن أمين زاده، وقدمت الرواية الرسمية هذه الخطوات بحقهم باعتبارها مرتبطة بملفات ذات طابع أمني على خلفية الأحداث الأخيرة، مع تداول اتهامات من قبيل "المساس بالأمن" و"زعزعة الاستقرار" واتهامات أخرى ذات صلة بالسياق الذي تصفه السلطات بأنه توتر داخلي على وقع تهديدات خارجية.

وتشير هذه التطورات إلى أن دائرة الضغوط لم تعد مقتصرة على ناشطين ميدانيين أو طلابيين، بل امتدت إلى شخصيات ذات حضور سياسي وإعلامي، وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل المزمن داخل إيران حول حدود العمل السياسي، ومكانة التيار الإصلاحي، والكيفية التي تتعامل بها مؤسسات الدولة مع موجات الاحتجاج.

إلى جانب ذلك، أعلنت وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية عن اعتقال وتنفيد أحكام بالسجن بحق علي شكوري راد وحسين كروبي (ابن مهدي كروبي) وقربان بهزاديان نجاد.

ومن زاوية التصنيف السياسي، يعد شكوري راد من الأسماء المعروفة داخل الطيف الإصلاحي. أما حسين كروبي فليس قياديا حزبيا أو شخصية إصلاحية "تنظيميا" على غرار قيادات الجبهات والأحزاب، لكنه محسوب على البيئة الإصلاحية من حيث الانتماء الفكري والدور العام، فضلا عن ارتباطه باسم والده مهدي كروبي الذي يمثل رمزا إصلاحيا بارزا تاريخيا. وقربان بهزاديان نجاد هو مستشار المرشح الرئاسي لعام 2009 مير حسين موسوي الذي ما زال تحت الإقامة الجبرية منذ ذلك الوقت.

قفزة في الخطاب

المستجد الأكثر دلالة لم يكن في الإجراءات وحدها، بل في اللغة التي تواكبها. فبينما درج الخطاب الرسمي الإيراني في موجات سابقة على استخدام مفردات مثل "الفتنة" و"الشغب" و"الأعمال التخريبية" وربطها بـ"الأعداء" أو "التحريض الخارجي"، ظهرت هذه المرة صيغة أقرب إلى فكرة "محاولة انقلاب".

إعلان

فقد قال المرشد الأعلى علي خامنئي إن "الفتنة الأخيرة كانت تشبه الانقلاب وتم التصدي لها".

ونقلت وكالة ميزان عن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي قوله إن "الفتنة العنيفة الأخيرة" كانت "شبيهة بانقلاب"، في توصيف يرفع مستوى التهديد من احتجاجات واضطرابات إلى مشروع سياسي منظم يستهدف بنية الحكم.

ويحمل هذا النوع من العبارات وظيفة مزدوجة، فهو من جهة يقدم تفسيرا رسميا للأحداث، ومن جهة أخرى يهيئ الأرضية لتغليظ المقاربة القضائية والأمنية، باعتبار أن الدولة لا تواجه احتجاجا محدودا، بل "تهديدا سياديا" يبرر تشديد الإجراءات.

حتى عندما لا تستخدم كلمة "انقلاب" حرفيا، فإن سردية "المخطط الخارجي" التي تتكرر في تصريحات رسمية عديدة تنتج معنى قريبا منها، أي أن الاحتجاجات ليست تعبيرا داخليا تلقائيا، بل مشروع موجه لزعزعة الدولة أو إسقاط النظام.

تقاطع السياسة والقضاء

بالنسبة للتيار الإصلاحي، تكتسب هذه التطورات حساسية إضافية لعدة أسباب، الأول أن الرئيس مسعود بزشكيان إصلاحيا والأسماء المعتقلة الآن كان لها دور كبير في وصول بزشكيان للرئاسة.

والثاني أن بعض الأسماء الموقوفة أو المحالة للسجن تمثل "ذاكرة سياسية" داخل النظام، وتملك قدرة على التأثير الرمزي في النقاش العام حتى مع تراجع وزن الإصلاحيين انتخابيا في السنوات الأخيرة.

والثالث أن توصيف الاحتجاجات بأنها "شبيه بانقلاب" يوسع هامش تكييف الملفات قضائيا وأمنيا، ويجعل أي نشاط سياسي أو إعلامي قابلا للتأويل ضمن إطار "التهديد الأمني".

وفي المقابل، تنظر المؤسسات الرسمية إلى هذه المقاربة باعتبارها استجابة لواقع تعتبره معقدا، احتجاجات متكررة، وتصعيد خارجي، وتنافس إقليمي ودولي على ملفات إيران، مما يستدعي بحسب روايتها منع "اختراق الداخل" أو "استثمار الأزمات الاجتماعية" لأغراض سياسية.

يمكن تلخيص الصورة الراهنة في خطين متوازيين يتقدمان معا، خط إجرائي وخط سردي، وبين الخطين، يظل السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستؤدي إلى تهدئة داخلية عبر الردع، أم أنها ستعمق الاستقطاب وتعيد إنتاج الاحتقان، في بلد لا تزال فيه أسباب الاحتجاج الاجتماعية والسياسية حاضرة بقوة في المجال العام.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

التفاوض تحت النار.. معضلة الاتفاق بين واشنطن وطهران

حذر تحليل حديث نشره منتدى الشرق الأوسط من أن التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي بات يشكل تحدياً متزايداً أمام الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لاتفاق جديد بين الجانبين، مشيراً إلى وجود فجوة واضحة بين الرسائل السياسية الصادرة عن واشنطن والخطاب الذي تتبناه طهران في هذه المرحلة الحساسة.

وأوضح التحليل، الذي أعده الكاتب الصحفي والباحث في الشأن الإيراني ماردو سوغوم، أن المشهد الحالي لم يعد يعكس أجواء وقف إطلاق النار أو التهدئة المؤقتة، بل أصبح أقرب إلى سلسلة من المواجهات المحدودة والمناوشات العسكرية التي قد تمهد لصراع أوسع إذا استمرت وتيرتها الحالية.

وأشار التحليل إلى أنه في الوقت الذي تؤكد فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المفاوضات مع إيران وإمكانية التوصل إلى اتفاق معدل خلال الفترة المقبلة، تشهد المنطقة تطورات ميدانية متسارعة تعكس واقعاً مختلفاً. فقد نفذت القوات الأمريكية ضربات استهدفت منشآت عسكرية إيرانية في جزيرة تقع عند مدخل مضيق هرمز، قالت واشنطن إنها كانت تستخدم في أنشطة تهدد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وبحسب التحليل، بررت القيادة المركزية الأمريكية تلك العمليات بأنها جاءت رداً على ما وصفته بأعمال عدائية إيرانية، شملت إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "MQ-1" كانت تحلق فوق المياه الدولية. وأكدت القيادة الأمريكية أن الضربات التي نفذت يومي 30 و31 مايو كانت "مدروسة ومحدودة" وتهدف إلى حماية القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.

وتعكس التصريحات الإيرانية الرسمية درجة عالية من التشاؤم حيال فرص نجاح المفاوضات الحالية. ونقل التحليل عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قوله إن ما وصفه بـ"الحصار البحري" وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان يمثلان دليلاً على عدم التزام الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، مؤكداً أن "لكل خيار ثمنه" وأن تداعيات الأحداث الحالية ستتضح في المستقبل.

ورأى التحليل أن هذه التصريحات لا تنسجم مع الرسائل الأمريكية التي تتحدث عن وجود فرص حقيقية للتوصل إلى تفاهمات سياسية، بل تعكس استمرار حالة انعدام الثقة بين الطرفين، وهو ما يضعف من فرص تحقيق اختراق دبلوماسي في المدى القريب.

كما لفت إلى تنامي المخاوف من احتمال عودة المواجهة العسكرية بصورة أوسع، مستشهداً بتصريحات لمحللين إيرانيين اعتبروا أن أي حرب لا تحقق أهدافها الكاملة ستتجدد لاحقاً، وهو موقف يتقاطع مع دعوات صادرة عن شخصيات سياسية معارضة للجمهورية الإسلامية وبعض الأصوات الدولية التي تطالب إدارة ترامب بمواصلة الضغط على طهران وعدم الاكتفاء بالعمليات العسكرية المحدودة.

وأشار التحليل إلى تكرار حوادث الانفجارات الغامضة في عدد من المدن الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة. وبينما نسبت وسائل الإعلام الرسمية هذه الحوادث إلى تسربات غاز، فإن تكرار مثل هذه الروايات أعاد إلى الأذهان أحداثاً مشابهة سبقت اندلاع المواجهات الأخيرة، ما أثار حالة من الجدل والتشكيك داخل الأوساط الشعبية والإعلامية الإيرانية.

وتناول الكاتب الصحفي أيضاً حالة الغموض التي تحيط بالوضع السياسي الداخلي في إيران، بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن تقديم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان استقالته احتجاجاً على تنامي نفوذ الحرس الثوري وسيطرته على مؤسسات الدولة. ورغم النفي الرسمي الإيراني لهذه الأنباء، إلا أن التحليل اعتبر أن انتشار مثل هذه التقارير يعكس حجم الارتباك السائد بشأن مراكز صنع القرار داخل النظام الإيراني، خاصة في ظل الجدل المستمر حول طبيعة القيادة الفعلية للبلاد خلال المرحلة الراهنة.

وأضاف أن النقاشات الدائرة داخل التيارات السياسية الإيرانية تكشف عن خلافات حول كيفية التعامل مع إدارة ترامب. فبينما يدعو بعض السياسيين إلى استثمار الضغوط الحالية للوصول إلى اتفاق مؤقت مع واشنطن، يرى آخرون أن البرنامج النووي الإيراني يجب أن يستمر بغض النظر عن طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، مع الرهان على تغير الظروف السياسية مستقبلاً.

وخلص التحليل إلى أن الهوة المتسعة بين التفاؤل الذي تبديه واشنطن تجاه مستقبل المفاوضات والنبرة التصعيدية التي تعتمدها طهران تؤكد أن الطرفين لا يتحركان وفق رؤية مشتركة أو افتراضات متقاربة. ومع استمرار المواجهات العسكرية وتبادل الرسائل الميدانية والسياسية، فإن التساؤل لم يعد يقتصر على إمكانية استمرار المحادثات، بل بات يتعلق بقدرة الدبلوماسية على مواكبة الأحداث ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تطيح بأي فرص للتوصل إلى اتفاق دائم بين الجانبين.

مقالات مشابهة

  • وفاة جندي وإصابة اثنين إثر انقلاب طقم أمني خلال مطاردة وسط تعز
  • إحباط محاولة إخراج 150 ألف دولار عبر مطار النجف
  • جامعة بني سويف تُحبط محاولة بنظارة إلكترونية .. تعرف على أحدث أساليب الغش في الامتحانات
  • التفاوض تحت النار.. معضلة الاتفاق بين واشنطن وطهران
  • شيوخ القبائل في مرمى الاغتيالات.. نجاة شيخ قبلي من تفجير في إب
  • إعلام إيراني: لا رسائل بين واشنطن وطهران منذ أيام
  • قيادي بـ”حماس”: تصاعد اعتقالات العدو الصهيوني في الضفة لن يثني من عزم شعبنا وصموده على أرضه
  • توقيف العشرات.. تركيا تشن حملة اعتقالات واسعة في بوكا
  • الجيش يحبط محاولة تهريب مخدرات بواسطة بالونات موجهة
  • أزمة البنزين.. 7 ملاحظات على رواية وزارة النفط