قام جمال عبد الناصر بانقلاب في 23/7/1952 وأنهى النظام الملكي الذي امتد 150 عاماً تقريباً، كما نقل مصر من القول بالقومية المصرية الفرعونية إلى القول بالقومية العربية، وألغى نظام الحياة البرلمانية، وألغى الأحزاب وأوجد في البداية بديلاً عن الأحزاب هيئة تحرير جامعة للشعب المصري سماها "هيئة التحرير"، ثم أوجد هيئة أخرى في مرحلة لاحقة سماها "الاتحاد القومي" ثم في مرحلة ثالثة "الاتحاد الاشتراكي".



قامت سياسة جمال عبد الناصر منذ بداية حكمه على عدة محاور، وهي:

1 ـ الدعوة إلى الوحدة باعتبار أننا "أمة واحدة"، وننتمي إلى قومية واحدة هي "القومية العربية" ودعا إلى نبذ التجزئة.

2 ـ الدعوة إلى طرد الاستعمار من مصر ومن العالم العربي، وتحرير كل البلاد العربية.

3 ـ الدعوة إلى بناء اقتصاد وطني مستقل ويحقق العدالة الاجتماعية ويقرب بين الطبقات، ويكون اقتصاداً صناعياً، لذلك نقل مصر إلى اقتصاد اشتراكي، وامم جميع الصناعات الأجنبية والخاصة.

4 ـ الدعوة إلى مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين من الصهاينة.

أما بالنسبة للمحور الأول فقد نجح في مرحلة مبكرة منذ عام 1958 أن ينشئ وحدة مع سورية، وسمى دولة مصر بعد أ، اتحدت مع سورية باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ثم انفصلت سورية في عام 1961، ثم عاد فأنشأ اتحاداً ثلاثياً مع سورية والعراق بعد انقلاب البعث في العراق في 8 شباط 1963، وبعد انقلاب البعث في سورية عام 1963.

لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...وبقيت الوحدة شعاراً يحرك الجماهير، ويثير حماسها لأنه تجميع لقوة الشعوب لكي تستطيع التغلب على الصعاب التي تواجهها، لكنه بقي حلماً يلوح في الأفق ولم يتحقق في واقع الحياة.
أما بالنسبة للمحور الثاني وهو محور التحرر، فقد دعا جمال عبد الناصر منذ بداية انقلابه عام 1952، إلى إنهاء الانتداب الإنجليزي، وقد حقق جلاء جميع القوات الإنجليزية في 18 حزيران من 1956 بعد مفاوضات طويلة، وقد أمم قناة السويس في 26/ تموز 1956وكان رداً على سحب تمويل السد العالي من قبل أمريكا، مما استدعى عدواناً ثلاثياً من إسرائيل وانكلترا وفرنسا، وقد احتلت هذه الدول سيناء جميعها، بالإضافة إلى بور سعيد، لكن هذه الدول اضطرت إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة بالتعاون بين أمريكا وروسيا، والذي أجبرها على الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها.

لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...

أما بالنسبة للمحور الثالث وهو المحور الاقتصادي فقد قصد عبد الناصر منه معالجة التفاوت الطبقي في مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليل نسبة الفقر في مصر، فبدأ بإصلاحات زراعية، وقد صدر القانون الأول للإصلاح الزراعي بعد أسابيع من الثورة، وحدد فيه الملكية الزراعية للإقطاعي ب (100) فدان كحد أعلى، ومصادرة ما زاد عن هذا الحد وتوزيعه على الفلاحين بحد أقصى 5 أفدنة للأسرة، وصدرت قوانين زراعية أخرى بعد ذلك خفضت الحد الأعلى للملكية الزراعية.

وكان عبد الناصر بالإضافة إلى انتباهه إلى قضية الفلاحين واجتهاده في إنصافهم عن طريق سحب الأراضي الزراعية من الاقطاعيين الكبار واعطائها للفلاحين، قد اتجه اتجاهاً اشتراكياً من أجل تحقيق العدالة للشعب المصري وكانت أولى هذه الخطوات الاشتراكية هي تأميم قناة السويس في 25/7/1956 وجاءت رداً على سحب أمريكا لتمويل السد العالي، وقد أدى هذا التأميم إلى عدوان ثلاثي على مصر، قامت به إسرائيل وانكلترا وفرنسا.

وبعد أن انسحبت دول العدوان من الأراضي المصرية أمم عبد الناصر عام 1957 أملاك دول العدوان وبالذات إنكلترا وفرنسا، فأمم جميع الشركات التجارية والصناعية وشركات التأمين والبنوك التي تعود إلى أفراد أو هيئات انجليزية أو فرنسية، وكان هدف عبد الناصر من هذه التأميمات كسر النفوذ الاقتصادي الأجنبي.

ثم جاءت التأميمات الكبرى في 25/ تموز (يوليو) 1961 وشملت هذه التأميمات جميع البنوك المصرية وانتهى الدور المصرفي الخاص في مصر، وشملت التأميمات أيضاً كل شركات التأمين المصرية الخاصة، كما أمم جمال عبد الناصر جميع الشركات الصناعية الكبرى وهي شركات الحديد والصلب والأسمنت والغزل والنسيج والكيماويات والنقل البحري، وقد أمم -أيضاً- كل شركة يزيد رأسمالها عن (10000) جنيه.

وبهذه التأميمات التي شملت مختلف القطاعات المالية والصناعية والتجارية والزراعية، أصبح القطاع العام هو المسيطر وانتهى ما يسمى بالقطاع الخاص، أصبحت مصر دولة اشتراكية، وسادت الأفكار الاشتراكية والنظريات الماركسية المناهج الثقافية والتربوية والإعلامية وانتشرت المفاهيم والأفكار التي تتحدث عن الصراع الطبقي، والعزل السياسي، وضرورة تمكين البروليتاريا، واللجوء إلى العنف في حسم انتصار البروليتاريا، وتمكين النقابات العمالية والفلاحين من القيام بدور قيادي، وضرورة الاصطفاف إلى جانب المعسكر الاشتراكي في مواجهة المعسكر الغربي الرأسمالي إلخ..

لذلك نستطيع أن نقول أن النظريات الاشتراكية والماركسية أصبحت هي الثقافة السائدة والمفروضة على عموم الشعب وأجهزة الدولة والإعلام والتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ..، وأصبح البناء النفسي والعقلي والاجتماعي للفرد مستمداً من هو هذه النظريات الاشتراكية الماركسية.

أما المحور الرابع وهو مواجهة إسرائيل، وتحريرها من الصهاينة فقد دعا عبد الناصر في نهاية عام 1964، إلى مؤتمر قمة وانبثقت عنه "منظمة التحرير الفلسطينية"، وكان هذا التشكيل بالتعاون مع الملك حسين في الأردن، وقد أقر مؤتمر القمة تشكيل هذه المنظمة في مرحلة لاحقة، وقد ترأس هذه المنظمة أحمد الشقيري وأصبح مقرها القدس، وأصبحت هذه المنظمة هي التي تمثل الفلسطينيين في مختلف المجالات السياسية المحلية والدولية، وقد أُلحقت بها عدد من الاتحادات التي تمثل الطلاب والعمال والفلاحين والمعلمين إلخ...، كما أُلحق بها جيش خاص بها سمي جيش التحرير الفلسطيني.

وقد أعطت هذه الأعمال التي قام بها جمال عبد الناصر في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية رصيداً كبيراً في مصر وخارجها، لذلك أصبحت "الناصرية" التي تجمع بين القومية والاشتراكية منهجاً تبعه كثيرون في العالم العربي، وتبعه كثير من الرؤساء ومنهم: علي عبد الله صالح في اليمن، وأحمد بن بلّة في الجزائر، وحزب البعث في سورية والعراق ومعمر القذافي في ليبيا، ومحمد زياد بري في الصومال، وجعفر النميري في السودان، وأصبحت زعامته حقيقة قائمة على مستوى العالم العربي، وأصبح المنهج الناصري الذي أقامه في مصر نموذجاً يحتذى في مختلف أنحاء العالم العربي.

لكن وقع زلزال في عام 1967، عندما بدأت الحرب بين بين جمال عبد الناصر وإسرائيل في 5/حزيران/1967، وخسرت مصر الحرب وتدمر جيشها، واحتلت إسرائيل سيناء جميعها، كما احتلت الضفة الغربية من الأردن والجولان من سورية، وكانت هذه الحرب زلزالاً وصدمة هائلة دمرت الثقة بعبد الناصر وتجربته، فلماذا وقعت الهزيمة؟

لمعرفة الأسباب التي أدت إلى الهزيمة سنعود إلى التقارير التي كتبها المسؤولون عن الأجهزة العسكرية إلى جمال عبد الناصر بعد وقوع النكسة.

إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاطفقد قدم اللواء عبد المحسن مرتجى قائد جبهة سيناء تقريراً عن وضع الجيش عشية حرب 1967، قدم أسباباً متعددة للهزيمة تتعلق بالضباط والجيش وأسلحته، وتدريبه، وأخلاقياته، ومناقبيته، وأشار إلى الشللية التي قامت حول وزير الدفاع آنذاك شمس بدران إلخ..، وقد أشار إلى تلك العناصر بالسلبية، والتأثير السيء على سير المعركة.

كما أشار تقرير المخابرات الذي قدمه أحمد فاضل عن المخابرات المصرية إلى أن المخابرات لم تجمع المعلومات الكافية عن العدو، وإلى أنه لم تكن هناك متابعة دقيقة له، وإلى اختراق العدو لأمن مصر من خلال شبكات داخلية وخارجية تواجدت في نوادي مصر التي كان يرتادها كبار الضباط.

من الواضح إلى أن السبب الرئيسي في الهزيمة هو العنصر البشري في الجيش من ضابط وجندي، وإلى عدم انضباط هذا العنصر البشري ومناقبيته وأخلاقه، والسبب في هذا التدني للمناقبية والأخلاق والانضباط هي الأيديولوجيا التي تبناها عبد الناصر في شقتيها: القومي والاشتراكي الماركسي، فالأمة عند عبد الناصر تقوم على اللغة والتاريخ وتنكر دور الدين في تشكيلها، وهو ينقل كل هذا عن ساطع الحصري، أما الاشتراكية الماركسية فتعادي الدين، ليس هذا فحسب، بل حاولت أن تقتلع الدين من كيان الأمة، بحجة أن الدين هو سبب التأخر والتراجع والانحطاط، إن هذا الدين هو الهذيان هو الذي أفقد الجندي فاعليته، وأفقد الضابط تماسكه، وجعل الأمور من فقدان للانضباط والأخلاقية والمناقبية والتراتبية، والقصور في مراقبة العدو، تصبح أسباباً حقيقية للهزيمة، بل كانت أسباباً رئيسية في هذا الانهيار السريع والهزيمة المدوية لم تعرفها أمتنا في أي معركة سابقة، هزيمة ثلاث دول واحتلال أراض واسعة في أقل من ستة أيام.

الخلاصة: قاد عبد الناصر انقلاباً في مصر عام 1952، وقامت سياسته على أربع محاور وهي الدعوة إلى الوحدة، والدعوة إلى طرد الاستعمار، وإقامة العدالة الاجتماعية من خلال تطبيق النظام الاشتراكي، والدعوة إلى مواجهة إسرائيل، والتفت حوله جماهير واسعة متجاوبة معه في تطبيق شعاراته، واتسعت رقعة دعوته فتجاوبت معه دول عربية، مثل: الجزائر واليمن والصومال وسوريا والعراق إلخ..، لكن إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاط فأدى ذلك إلى أن فقد الجندي فاعليته، والضابط تماسكه، وإلى خلخلة البناء الاجتماعي وقد انتقلت هذه الخلخلة والاضطراب إلى كل أفراد المجتمع، المعلم في مدرسته، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والتاجر في سوقه إلخ..، فكانت الهزيمة النكراء التي لم تعرف الأمة مثيلاً لها في تاريخها جميعه، وكانت هذه الهزيمة إيذانا بنهاية "الناصرية" في مصر والعالم العربي.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير جمال عبد الناصر مصر سياسة مصر جمال عبد الناصر سياسة تجربة قراءة المزيد في أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جمال عبد الناصر الیمن الجنوبی العالم العربی عبد الناصر من ـ الدعوة إلى فی مرحلة إلى أن فی مصر من مصر

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • ذكرى النهضة.. ووجع الغياب
  • أبو العينين: العالم يشهد مرحلة جديدة من النهضة والثورة الصناعية
  • مصطفى بكري عن جمال عبد الناصر: حملات التشويه لم تنجح في طمس إرثه
  • مصطفى بكري: ثورة يوليو أعادت الكرامة للمصريين.. وعبد الناصر سيظل حاضرا في ذاكرة الأجيال
  • لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • بعد حديث ترامب عن “الاستسلام”.. بزشكيان يرد برسالة نارية للإيرانيين
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • الاتحاد العربي لكرة السلة يؤجل البطولة العربية المقرر إقامتها في شهر أغسطس إلى موعد لاحق
  • الكشف عن لاعبي كرة القدم الأعلى قيمة عالميا عقب كأس العالم 2026