قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن الناصرية في العالم العربي (5)
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
قام جمال عبد الناصر بانقلاب في 23/7/1952 وأنهى النظام الملكي الذي امتد 150 عاماً تقريباً، كما نقل مصر من القول بالقومية المصرية الفرعونية إلى القول بالقومية العربية، وألغى نظام الحياة البرلمانية، وألغى الأحزاب وأوجد في البداية بديلاً عن الأحزاب هيئة تحرير جامعة للشعب المصري سماها "هيئة التحرير"، ثم أوجد هيئة أخرى في مرحلة لاحقة سماها "الاتحاد القومي" ثم في مرحلة ثالثة "الاتحاد الاشتراكي".
قامت سياسة جمال عبد الناصر منذ بداية حكمه على عدة محاور، وهي:
1 ـ الدعوة إلى الوحدة باعتبار أننا "أمة واحدة"، وننتمي إلى قومية واحدة هي "القومية العربية" ودعا إلى نبذ التجزئة.
2 ـ الدعوة إلى طرد الاستعمار من مصر ومن العالم العربي، وتحرير كل البلاد العربية.
3 ـ الدعوة إلى بناء اقتصاد وطني مستقل ويحقق العدالة الاجتماعية ويقرب بين الطبقات، ويكون اقتصاداً صناعياً، لذلك نقل مصر إلى اقتصاد اشتراكي، وامم جميع الصناعات الأجنبية والخاصة.
4 ـ الدعوة إلى مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين من الصهاينة.
أما بالنسبة للمحور الأول فقد نجح في مرحلة مبكرة منذ عام 1958 أن ينشئ وحدة مع سورية، وسمى دولة مصر بعد أ، اتحدت مع سورية باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ثم انفصلت سورية في عام 1961، ثم عاد فأنشأ اتحاداً ثلاثياً مع سورية والعراق بعد انقلاب البعث في العراق في 8 شباط 1963، وبعد انقلاب البعث في سورية عام 1963.
لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...وبقيت الوحدة شعاراً يحرك الجماهير، ويثير حماسها لأنه تجميع لقوة الشعوب لكي تستطيع التغلب على الصعاب التي تواجهها، لكنه بقي حلماً يلوح في الأفق ولم يتحقق في واقع الحياة.
أما بالنسبة للمحور الثاني وهو محور التحرر، فقد دعا جمال عبد الناصر منذ بداية انقلابه عام 1952، إلى إنهاء الانتداب الإنجليزي، وقد حقق جلاء جميع القوات الإنجليزية في 18 حزيران من 1956 بعد مفاوضات طويلة، وقد أمم قناة السويس في 26/ تموز 1956وكان رداً على سحب تمويل السد العالي من قبل أمريكا، مما استدعى عدواناً ثلاثياً من إسرائيل وانكلترا وفرنسا، وقد احتلت هذه الدول سيناء جميعها، بالإضافة إلى بور سعيد، لكن هذه الدول اضطرت إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها بعد القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة بالتعاون بين أمريكا وروسيا، والذي أجبرها على الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها.
لعب جمال عبد الناصر دوراً في تحرير عدد من الدول التي كانت مستعمرة من انجلترا وفرنسا، فاحتضن ثورة الجزائر منذ نشأتها عام 1954، وأمدّها بالسلاح والمال، وساندها سياسياً وإعلاميا حتى استقلت عام 1962، وكذلك ساند شعب اليمن الجنوبي في قتاله ضد الانجليز حتى استقل اليمن الجنوبي، وكذلك دعم كثيراً من الشعوب الأفريقية في ثورتها على الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والبلجيكي والإيطالي في ليبيا والصومال والكونغو إلخ...
أما بالنسبة للمحور الثالث وهو المحور الاقتصادي فقد قصد عبد الناصر منه معالجة التفاوت الطبقي في مصر وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليل نسبة الفقر في مصر، فبدأ بإصلاحات زراعية، وقد صدر القانون الأول للإصلاح الزراعي بعد أسابيع من الثورة، وحدد فيه الملكية الزراعية للإقطاعي ب (100) فدان كحد أعلى، ومصادرة ما زاد عن هذا الحد وتوزيعه على الفلاحين بحد أقصى 5 أفدنة للأسرة، وصدرت قوانين زراعية أخرى بعد ذلك خفضت الحد الأعلى للملكية الزراعية.
وكان عبد الناصر بالإضافة إلى انتباهه إلى قضية الفلاحين واجتهاده في إنصافهم عن طريق سحب الأراضي الزراعية من الاقطاعيين الكبار واعطائها للفلاحين، قد اتجه اتجاهاً اشتراكياً من أجل تحقيق العدالة للشعب المصري وكانت أولى هذه الخطوات الاشتراكية هي تأميم قناة السويس في 25/7/1956 وجاءت رداً على سحب أمريكا لتمويل السد العالي، وقد أدى هذا التأميم إلى عدوان ثلاثي على مصر، قامت به إسرائيل وانكلترا وفرنسا.
وبعد أن انسحبت دول العدوان من الأراضي المصرية أمم عبد الناصر عام 1957 أملاك دول العدوان وبالذات إنكلترا وفرنسا، فأمم جميع الشركات التجارية والصناعية وشركات التأمين والبنوك التي تعود إلى أفراد أو هيئات انجليزية أو فرنسية، وكان هدف عبد الناصر من هذه التأميمات كسر النفوذ الاقتصادي الأجنبي.
ثم جاءت التأميمات الكبرى في 25/ تموز (يوليو) 1961 وشملت هذه التأميمات جميع البنوك المصرية وانتهى الدور المصرفي الخاص في مصر، وشملت التأميمات أيضاً كل شركات التأمين المصرية الخاصة، كما أمم جمال عبد الناصر جميع الشركات الصناعية الكبرى وهي شركات الحديد والصلب والأسمنت والغزل والنسيج والكيماويات والنقل البحري، وقد أمم -أيضاً- كل شركة يزيد رأسمالها عن (10000) جنيه.
وبهذه التأميمات التي شملت مختلف القطاعات المالية والصناعية والتجارية والزراعية، أصبح القطاع العام هو المسيطر وانتهى ما يسمى بالقطاع الخاص، أصبحت مصر دولة اشتراكية، وسادت الأفكار الاشتراكية والنظريات الماركسية المناهج الثقافية والتربوية والإعلامية وانتشرت المفاهيم والأفكار التي تتحدث عن الصراع الطبقي، والعزل السياسي، وضرورة تمكين البروليتاريا، واللجوء إلى العنف في حسم انتصار البروليتاريا، وتمكين النقابات العمالية والفلاحين من القيام بدور قيادي، وضرورة الاصطفاف إلى جانب المعسكر الاشتراكي في مواجهة المعسكر الغربي الرأسمالي إلخ..
لذلك نستطيع أن نقول أن النظريات الاشتراكية والماركسية أصبحت هي الثقافة السائدة والمفروضة على عموم الشعب وأجهزة الدولة والإعلام والتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة إلخ..، وأصبح البناء النفسي والعقلي والاجتماعي للفرد مستمداً من هو هذه النظريات الاشتراكية الماركسية.
أما المحور الرابع وهو مواجهة إسرائيل، وتحريرها من الصهاينة فقد دعا عبد الناصر في نهاية عام 1964، إلى مؤتمر قمة وانبثقت عنه "منظمة التحرير الفلسطينية"، وكان هذا التشكيل بالتعاون مع الملك حسين في الأردن، وقد أقر مؤتمر القمة تشكيل هذه المنظمة في مرحلة لاحقة، وقد ترأس هذه المنظمة أحمد الشقيري وأصبح مقرها القدس، وأصبحت هذه المنظمة هي التي تمثل الفلسطينيين في مختلف المجالات السياسية المحلية والدولية، وقد أُلحقت بها عدد من الاتحادات التي تمثل الطلاب والعمال والفلاحين والمعلمين إلخ...، كما أُلحق بها جيش خاص بها سمي جيش التحرير الفلسطيني.
وقد أعطت هذه الأعمال التي قام بها جمال عبد الناصر في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية رصيداً كبيراً في مصر وخارجها، لذلك أصبحت "الناصرية" التي تجمع بين القومية والاشتراكية منهجاً تبعه كثيرون في العالم العربي، وتبعه كثير من الرؤساء ومنهم: علي عبد الله صالح في اليمن، وأحمد بن بلّة في الجزائر، وحزب البعث في سورية والعراق ومعمر القذافي في ليبيا، ومحمد زياد بري في الصومال، وجعفر النميري في السودان، وأصبحت زعامته حقيقة قائمة على مستوى العالم العربي، وأصبح المنهج الناصري الذي أقامه في مصر نموذجاً يحتذى في مختلف أنحاء العالم العربي.
لكن وقع زلزال في عام 1967، عندما بدأت الحرب بين بين جمال عبد الناصر وإسرائيل في 5/حزيران/1967، وخسرت مصر الحرب وتدمر جيشها، واحتلت إسرائيل سيناء جميعها، كما احتلت الضفة الغربية من الأردن والجولان من سورية، وكانت هذه الحرب زلزالاً وصدمة هائلة دمرت الثقة بعبد الناصر وتجربته، فلماذا وقعت الهزيمة؟
لمعرفة الأسباب التي أدت إلى الهزيمة سنعود إلى التقارير التي كتبها المسؤولون عن الأجهزة العسكرية إلى جمال عبد الناصر بعد وقوع النكسة.
إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاطفقد قدم اللواء عبد المحسن مرتجى قائد جبهة سيناء تقريراً عن وضع الجيش عشية حرب 1967، قدم أسباباً متعددة للهزيمة تتعلق بالضباط والجيش وأسلحته، وتدريبه، وأخلاقياته، ومناقبيته، وأشار إلى الشللية التي قامت حول وزير الدفاع آنذاك شمس بدران إلخ..، وقد أشار إلى تلك العناصر بالسلبية، والتأثير السيء على سير المعركة.
كما أشار تقرير المخابرات الذي قدمه أحمد فاضل عن المخابرات المصرية إلى أن المخابرات لم تجمع المعلومات الكافية عن العدو، وإلى أنه لم تكن هناك متابعة دقيقة له، وإلى اختراق العدو لأمن مصر من خلال شبكات داخلية وخارجية تواجدت في نوادي مصر التي كان يرتادها كبار الضباط.
من الواضح إلى أن السبب الرئيسي في الهزيمة هو العنصر البشري في الجيش من ضابط وجندي، وإلى عدم انضباط هذا العنصر البشري ومناقبيته وأخلاقه، والسبب في هذا التدني للمناقبية والأخلاق والانضباط هي الأيديولوجيا التي تبناها عبد الناصر في شقتيها: القومي والاشتراكي الماركسي، فالأمة عند عبد الناصر تقوم على اللغة والتاريخ وتنكر دور الدين في تشكيلها، وهو ينقل كل هذا عن ساطع الحصري، أما الاشتراكية الماركسية فتعادي الدين، ليس هذا فحسب، بل حاولت أن تقتلع الدين من كيان الأمة، بحجة أن الدين هو سبب التأخر والتراجع والانحطاط، إن هذا الدين هو الهذيان هو الذي أفقد الجندي فاعليته، وأفقد الضابط تماسكه، وجعل الأمور من فقدان للانضباط والأخلاقية والمناقبية والتراتبية، والقصور في مراقبة العدو، تصبح أسباباً حقيقية للهزيمة، بل كانت أسباباً رئيسية في هذا الانهيار السريع والهزيمة المدوية لم تعرفها أمتنا في أي معركة سابقة، هزيمة ثلاث دول واحتلال أراض واسعة في أقل من ستة أيام.
الخلاصة: قاد عبد الناصر انقلاباً في مصر عام 1952، وقامت سياسته على أربع محاور وهي الدعوة إلى الوحدة، والدعوة إلى طرد الاستعمار، وإقامة العدالة الاجتماعية من خلال تطبيق النظام الاشتراكي، والدعوة إلى مواجهة إسرائيل، والتفت حوله جماهير واسعة متجاوبة معه في تطبيق شعاراته، واتسعت رقعة دعوته فتجاوبت معه دول عربية، مثل: الجزائر واليمن والصومال وسوريا والعراق إلخ..، لكن إسرائيل أوقعت هزيمة نكراء بالجيش المصري، والجيش السوري والأردني عام 1967 واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، والجولان من سوريا، وشكلت هذه الهزيمة زلزالاً دمرت تجربته عند العرب جميعاً، وكان السبب في ذلك هو الأيديولوجيا القومية الاشتراكية الماركسية التي جاء بها جمال عبد الناصر والتي أبعدت الدين، واعتبرته عامل تأخر وانحطاط فأدى ذلك إلى أن فقد الجندي فاعليته، والضابط تماسكه، وإلى خلخلة البناء الاجتماعي وقد انتقلت هذه الخلخلة والاضطراب إلى كل أفراد المجتمع، المعلم في مدرسته، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والتاجر في سوقه إلخ..، فكانت الهزيمة النكراء التي لم تعرف الأمة مثيلاً لها في تاريخها جميعه، وكانت هذه الهزيمة إيذانا بنهاية "الناصرية" في مصر والعالم العربي.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير جمال عبد الناصر مصر سياسة مصر جمال عبد الناصر سياسة تجربة قراءة المزيد في أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة جمال عبد الناصر الیمن الجنوبی العالم العربی عبد الناصر من ـ الدعوة إلى فی مرحلة إلى أن فی مصر من مصر
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.