النقد الذي لا يحبه الآخر !
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
بعض من يتولى زمام الأمور في مختلف الأماكن والمستويات، سواء في القطاع العام أو الخاص، لا يعجبه أبدًا أن "يسمع أو يرى" أي انتقاد يوجَّه إليه أو إلى المكان الذي يعمل فيه، حتى وإن كان ذلك وصفًا دقيقًا وتصريحًا صادقًا صحيحًا لما يحدث على أرض الواقع!
هذا الإعراض عن تقبل الحقائق كما يوضحها الواقع، هو جزء من عدم الاعتراف بالنقص البشري، وإعراض عن تقبل فكرة أن الكمال لله وحده، وأيضًا إنكار لما قاله الحكماء وحضّهم الدائم على ضرورة تقبل "الرأي والرأي الآخر".
في حقيقة الأمر، كل ما يود أن يسمعه أو يراه هو عبارة عن كلمات الإشادة وتثمين الجهود التي يقوم بها، والإطراء بكل درجاته، أما الرأي المخالف فلا مكان له عنده أبدًا، ولا يتقبله، بل يعتبره نوعًا من العدوانية الموجهة إليه أو التنمر على ما يقوم به في نظره "عظيم"، ويرى بأن معارضة قراراته مهما شابها الإجحاف أو الخطأ هي نوع من الحقد والحسد!
تعقد الاجتماعات الدورية، لكن كل الأنظار تتجه نحو شخصية واحدة، فلا أحد يجرؤ على مخالفته، رغم أنه يوهم المجتمعين بأنه شخص يعترف بما يقوله الآخر، لكن ضمنيًا هو لا يعترف إلا بوجه نظره الأولى والأخيرة.
من هذا المنطلق أصبح لدى الكثير من الموظفين قناعة تامة بأن لا قيمة لآرائهم، والأفضل الصمت والتصفيق، أما المقترحات التي فكر بعضهم في تقديمها فيراها يجب أن تظل حبيسة الأدراج حتى لا يُوضع في خانة "المغضوب عليهم"!
البعض يتحدث بصوت مرتفع، قائلاً: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، والبعض الآخر يقول: "نحن مع الانتقاد الهادف البناء"، وفي كلا الأمينين لا مكان لمخالفة الرأي!
قد يكون الأمر مضحكًا بعض الشيء، ولكن هذه ليست نظرة تشاؤمية أو سهام تسلط لكل البشر، وإنما الحديث موجه نحو نوعية معينة من الناس الذين يعتقدون بأنهم "لا يخطئون أبدًا"، والتنزيه عن الخطأ يحالفهم دائمًا، وهو جزء من سماتهم التي يتميزون بها دونًا عن بقية الموظفين!
هذا الأسلوب في القيادة في بعض مؤسسات العمل لا يجدي نفعًا، فالأبواب المغلقة والأذهان المحلقة نحو البعيد لا تصنع نجاحًا باهرًا بقدر ما تفرق القوى وتهبط الهمم، فعندما يصبح الرأي المخالف جزءًا من التمرد على العمل، يصبح السكوت أفضل من الحديث!
أحيانًا يحتدم النقاش ما بين الأصدقاء بعيدًا عن بيئة العمل، وتحدث الكثير من المشاحنات والتفرقة، وفي النهاية يتم الاتفاق على بعض النقاط والاختلاف في أخرى، فكيف إذا كان المسؤول شخصًا غير متجاوب مع متطلبات العمل والموظفين، ويستأسد برأيه ويتفرد بقراراته دون وعي أو بصيرة؟ فهو على الدوام يرى بأن كل ما يقوم به هو عين الصواب دائمًا!
إذا كنا نريد تقييمًا حقيقيًا لما نقوم به من أعمال، فمن الواجب أن نستمع بعناية إلى الآراء والاقتراحات، ونتقبل بصدر رحب كل النقد ومناقشته بحيث يكون النقد واقعيًا وليس مجرد حديث فضفاض يتطاير في الهواء.
إن تقييم التجارب العملية، والوقوف على بواطن الضعف، وتقوية أوجه النقص في العمل لا يأتي من شخص واحد، وإنما العملية تشاركية وتكاملية، ولا يضر إذا تم التراجع عن أمر اكتشف لاحقًا بأنه يضر بسير العمل أو الموظفين؛ فالاعتراف بالخطأ ليس عيبًا أو جريمة بقدر ما هو تصحيح لحال كان يجب أن يكون منذ البداية.
الخطأ أن نسير بنفس النهج والوتيرة، ولا ندع لأنفسنا الفرصة من أجل تقييم الأداء بشكل احترافي وممنهج؛ فالأرقام أحيانًا تكون لسانًا صادقًا لمستوى العمل إذا تم رصدها بعناية وواقعية وعرضها بشفافية.
كان أبي -رحمه الله عليه- يوصيني بالحذر من أي شخص لا يعترف بخطئه ولا يعتذر عنه؛ لأن الشخص الذي لا يعترف بأنه يخطئ، لا تشغل نفسك به، فكل الأخطاء يجد لها المبرر ويلقيها على الآخرين.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود