في زمنٍ تعيش فيه الأمة الإسلامية واحدة من أعقد مراحلها التاريخية، حيث تتشابك التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وتختلط المفاهيم بين الدين والسلطة وإدارة الحياة، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة المنطلقات القرآنية التي تأسس عليها مفهوم القيادة في الإسلام، وضمن هذا السياق، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قراءة تأسيسية لقوله تعالى:{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، لم تكن مجرد شرح لغوي أو تأمل وعظي، بل كانت تفكيكًا جذريًا لاختلالات تراكمت في فهم “ولاية الأمر”، وإعادة ترتيب لأولويات المشروع الإسلامي بين الهداية والعدل.

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

لقد أعاد شهيد القرآن الاعتبار للهداية بوصفها الأساس البنيوي لأي مشروع عدل، مؤكدًا أن إقامة القسط ليست إجراءً إداريًا، ولا وظيفة تنفيذية تُختزل في تعيين وعزل، أو جمع وجباية، بل هي ثمرة طبيعية لمسار تربوي قرآني يصنع إنسانًا مهديًا بالحق قبل أن يكون حاكمًا به، ومن خلال نقده للتقديم المنقوص لمفهوم الولاية في عدد من التجارب الفقهية والتاريخية، وضع معادلة واضحة، إذا انفصلت الهداية عن السلطة فسدتا معًا، وإذا لم يُقدَّم البناء القرآني للإنسان فلن يستقيم عدل، مهما تعددت الشعارات، ولم تبقَ هذه الرؤية في مسارها اللاحق حبيسة التنظير، بل طُرحت باعتبارها إطارًا يُفترض أن ينعكس في الواقع العملي، حيث يُقاس صدق القيادة بمدى جمعها بين الهداية وبناء الوعي، وبين إقامة القسط في حياة الناس، في وحدة لا تقبل الانفصال بين الكتاب والقرار، وهنا تأتي أبعاد هذه الرؤية القرآنية في مفهوم القيادة، ودلالات الترتيب بين “يهدون” و“يعدلون”، والنقد الذي وجّهه الشهيد القائد للاختزال التاريخي لولاية الأمر، وتجليات هذا الفهم في الواقع بوصفه محاولة عملية لتجسيد المعادلة القرآنية، هداية تؤسس، وعدل يثمر، وقيادة يرتبط مشروعها بكتاب الله ارتباطًا وجوديًا لا شكليًا.

 

سنة إلهية
ينطلق الشهيد القائد من سنة ثابتة، أن الله لا يترك عباده هملاً، بل يجعل في كل مرحلة من يهدي بالحق ويقيم العدل على أساسه، فوجود (أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، هو تعبير عن سنة إلهية مستمرة، لا تنقطع بانقطاع النبوة، بل تتجدد بأشكال تتناسب مع مقتضيات المرحلة، وبذلك تصبح القيادة امتدادًا للمنهج الإلهي في حفظ الأمة وصيانتها من الضياع والانحراف.

 

الترتيب القرآني ودلالته المنهجية
توقف الشهيد القائد عند التقديم في الآية:{يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، فقد قُدِّمت الهداية على العدل، في دلالة واضحة على أن العدل ثمرة، لا أصلًا مستقلاً، فلا يمكن إقامة قسط حقيقي دون بناء وعي، ودون تربية إيمانية، ودون إعادة تشكيل الإنسان وفق المنهج القرآني، ومن هنا يؤكد أن أي مشروع لإقامة العدل يتجاوز مرحلة الهداية محكوم عليه بالاختلال، لأن العدل بلا وعي يتحول إلى إجراءات شكلية قد تفقد روحها وغايتها.

 

مفهوم ولاية الأمر
يشير الشهيد القائد إلى أن مفهوم (ولاية الأمر)، قد قُدِّم في تجارب متعددة بصورة منقوصة، حيث تم اختزاله في الوظائف التنفيذية من، تجييش جيوش، وجمع أموال، وتعيين وعزل إداري، بينما أهملت الوظيفة الأعمق، الهداية بالحق بوصفها جوهر الولاية وروحها، فالقيادة ليست ’’رئاسة عامة’’ فحسب، بل هي مسؤولية تربوية حضارية تصنع إنسانًا صالحًا يحمل مشروع العدل في وعيه وسلوكه.

 

الفصل بين الهداية والعدل .. بوابة الضياع
يحذر الشهيد القائد من النتائج المدمرة لفصل الوظيفتين، إذ إن الوعي إذا انفصل عن إدارة الحياة يصبح عاجزًا، والسياسة إذا انفصلت عن القرآن تصبح فاقدة للبوصلة، وحين ينفصل البناء التربوي عن القرار السياسي، لا تستقيم هداية، ولا يتحقق عدل، وتضيع الأمة بين خطاب بلا أثر وسلطة بلا قيم.

 

المرجعية القرآنية 
يؤكد الشهيد القائد أن الهداة لا يخرجون عن إطار آيات الله، فلا يمكن تصور وجود قيادة حقيقية منفصلة عن الكتاب، فالقرآن ليس نصًا يُستشهد به عند الحاجة، بل هو المنهج الحاكم، والمعيار الضابط، والمرجعية العليا في الرؤية والموقف، وكما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتبطًا بالكتاب، فإن كل قيادة إنما تستمد مشروعيتها من هذا الارتباط بالوحي.

 

السيد القائد .. شاهد من الواقع على تجسيد المعنى القرآني
إذا كانت الرؤية القرآنية التي قدّمها الشهيد القائد قد وضعت الأساس النظري لمعادلة  الهداية قبل العدل، فإن الواقع قد شهد في مساره اللاحق لتوجهات عملية لتجسيد هذا الفهم في القيادة والممارسة، ففي شخصية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، فهو نموذجًا يسعى إلى تجسيد المعنى القرآني، في قوله تعالى : {يهدون بالحق وبه يعدلون}، عبر الجمع بين المنهج القرآني  وإدارة شؤون الأمة على أساس تلك المرجعية، فجعل الهداية هي عملية البناء من خلال توجيه قرآني مستمر يعالج قضايا الواقع من منطلق إيماني، وتصحيح المفاهيم المرتبطة بالهوية والسيادة والاستقلال، وتعزيز الثقافة القرآنية كأساس للوعي الجمعي، بهذا المعنى، أصبحت الهداية مشروع متكامل لبناء إنسان واعٍ يحمل رؤية واضحة تجاه قضايا أمته، وانطلاقًا من ذلك البناء، تم التأكيد على تعزيز العدالة الاجتماعية، وتفعيل منظومات التكافل، وترسيخ مبدأ المسؤولية الأخلاقية في إدارة شؤون الأمة، فالعدل ليس قرارًا إداريًا فحسب، بل انعكاس لمنظومة قيمية سبق تأسيسها بالهداية.
ومن أبرز ملامح هذا التجسيد ، مرجعية القرآن كمصدر رئيسي في تحديد المواقف، بما يعكس وحدة النص والواقع، والهداية والحكم.

 

ختاماً 
تقدم رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي قراءة قرآنية تعيد تعريف القيادة في الإسلام بوصفها مشروع هداية قبل أن تكون مشروع سلطة، وتجعل إقامة القسط ثمرة طبيعية لبناء الإنسان وفق منهج الله، وفي امتداد هذه الرؤية، يُطرح نموذج يجسد في الواقع تلك المعادلة، حيث تتكامل الهداية مع القرار، ويصبح القرآن إطارًا مرجعيًا للحياة العامة، وهكذا تعود الآية الكريمة لتكون معيارًا حيًا لقياس نجاح أي تجربة قيادية، لا عدل بلا هداية، ولا هداية بلا ارتباط صادق بكتاب الله، ولا نهوض لأمة تفصل بين التربية والسلطة، وبين القرآن وإدارة شؤونها.

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الشهید القائد

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • تشكيل مجلس شباب النيابة العامة بالشارقة
  • القيادة توجه برقية شكر جوابية لوزير الداخلية بمناسبة تهنئته بعيد الأضحى المبارك ونجاح موسم الحج  
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • وزير العدل يستقبل قيادات الوزارة ومنسوبيها للتهنئة بعيد الأضحى
  • وجبات خفيفة ومشروبات.. تخصيص المساجد والمدارس القرآنية لمترشحي البكالوريا
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • كيف أعادت الفنادق تشكيل عيد الأضحى في المغرب؟