إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
في لحظات ما بعد الحرب، لا يعود سؤال إعادة الإعمار مقتصرًا على المباني والجسور والطرق ، بل يمتد إلى ما هو أعمق: الوعي، الذاكرة، والقدرة على العيش المشترك والقبول بالأخر . هنا، ينهض المسرح بوصفه أحد أكثر الفضاءات حساسية لقياس عافية المجتمع، لأنه المرآة التي لا تجامل، والمنصة التي تُعيد صياغة الأسئلة الكبرى.
ومن هذا المنظور، يكتسب الحوار الذي أجرته بالأمس الزميلة بصحيفة التيار : سماح طه مع الدكتور يوسف عيدابي قيمة تتجاوز الإطار الثقافي، ليغدو وثيقة سياسية مهمة حول معنى الدولة، والهوية، ودور الفن في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي في السودان.
عيدابي، المولود في 1944 بعطبرة، درس الحقوق ثم السينما ، وأنتج أفلامً حازت جوائز، وحصل على دكتوراه في المسرح من وقت مبكر أسس تيار مدرسة الغابة والصحراء، ومسرح عموم أهل السودان، وأشرف على تطوير المناهج المسرحية والسينمائية، وأدار برامج متخصصة في الثقافة ، مستثمرًا خبرته الأكاديمية في إرساء مسرح تفاعلي يرتبط مباشرة بالقضايا الاجتماعية والسياسية ويعتبر من القامات الوطنية في المجال .
عيدابي لا يتحدث عن المسرح بوصفه ترفًا جماليًا، بل باعتباره أداة اجتماعية وسياسية، قادرة على الاشتباك مع الواقع، ومساءلة السلطة، وترميم ما تهدّم في الوجدان الجمعي. فحين يصف أي مسرح لا ينحاز لقضايا الناس بأنه “بذخ غير مقبول” ، فإنه يضع حدًا فاصلًا بين فن يُراكم الرمزية الجمالية ، وفن يُعيد إنتاج العزلة، في بلد ما زال ينزف.
هذا الموقف أصيل في مسيرة عيدابي، بل امتداد لرؤيته المؤسسة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين صاغ مشروع “مسرح لعموم أهل السودان” ، في تماهٍ فكري مع تيار” الغابة والصحراء” الذي سعى إلى مصالحة الوجدان السوداني مع تعدديته الثقافية والفكرية ، وفضّ ثنائية الإقصاء بين العروبة والأفريقانية. في هذا السياق، يصبح المسرح لغة جامعة ، قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والعرقية، وصياغة سردية وطنية جديدة ناهضة ، تتأسس على التعدد لا الإلغاء او التهميش .
غير أن هذه الرؤية، كما يقرّ عيدابي من خلال الحوار ، اصطدمت بحدود الدولة ومؤسساتها. فمحاولات الدمج بين الأكاديمي والمهني، بين النظري والحرفي، تعثرت بفعل بيروقراطية لا تعترف بالقيمة الرمزية لصنّاع الثقافة الشعبية. وهنا يتبدّى البعد السياسي للأزمة: فالمسرح لم يفشل لقصور فني او مهني ، بل لأن الدولة لم تُدرجه بما يتناسب وتأثيره ضمن أولوياتها التنموية، وظل خارج سياسات الاعتراف والتخطيط والدعم .
الآن الحرب أعادت هذا السؤال إلى الواجهة. فالمسرحيون، كما يشير عيدابي، لم ينتظروا مؤسسات الدولة، بل ذهبوا إلى الناس: إلى معسكرات النزوح، إلى الأطفال والنساء، إلى هوامش المدن. ظهر “مسرح المشاركة” و”مسرح المقهورين” ، كأشكال مقاومة ناعمة، تُعيد للإنسان صوته، وتفتح فضاءً آمنًا للحوار في زمن الخوف. هذا التحول يعكس وعيًا جديدًا بوظيفة الفن، بوصفه وسيطًا للعدالة الإجتماعية ، لا مجرد عرض على خشبة.
من هنا، تكتسب عودة المسرح القومي في أم درمان دلالتها السياسية. فهي ليست حدثًا ثقافيًا فحسب، بل إعلانًا مهمآ عن عودة الدولة إلى فضاء التأثير
حين تتعهد الدولة بدعم المسرح بحضور عضو مجلس السيادة الفريق أول إبراهيم جابر، ومشاركة والي الخرطوم ووزير الثقافة والإعلام والسياحة، وتعيد بهذا الاحتفاء افتتاح المسرح القومي، فإنها تؤكد على حقيقة لا جدال فيها: المعركة بعد الحرب ليست أمنية فحسب، بل صراع على الوعي والذاكرة الوطنية واعادة كتابة سردية الحرب .
فالمسرح لا يقتصر على كونه فضاءً للعرض، بل يتحول إلى سلاح ثقافي يعيد صياغة الهوية، ويصون قيم الوحدة والمصالحة المجتمعية. ولكي يتحقق دوره على الصعيد الوطني، يجب تفعيل دور حكومات الولايات في تعزيز دور المسرح الولائي ، ليخرج من العاصمة ويصل إلى كل أرجاء السودان، ويصبح قوة فاعلة حقيقية تواجه الصراع اليومي على السرديات والهوية والذاكرة الوطنية بانتباه وروية مؤاثرة .
لكن هذا الاعتراف يظل هشًا ما لم يتحول إلى سياسة ثقافية واضحة تتبناها الدولة ، تُدرج المسرح ضمن مشاريع إعادة الإعمار، بوصفه أداة لترميم النسيج الاجتماعي، ومجالًا لعقد المصالحات المجتمعية. فالمسرح، كما يرى عيدابي، ليس فضاءً للفرجة، بل مختبرًا للوعي، يُعيد تدريب المجتمع على الاختلاف، ويكسر دوائر الكراهية.
في هذا المعنى، يصبح “نبذ خطاب الكراهية” الذي رافق افتتاح المسرح القومي، ليس شعارًا أخلاقيًا فحسب ، بل ضرورة سياسية. فالدولة التي لا تستثمر في الثقافة، تترك فراغًا تملؤه سرديات العنف. أما الدولة التي ترى في الفن شريكًا، فهي تؤسس لسلام مستدام، لأن السلام، في جوهره، فعل تخييل جماعي لمستقبل مشترك بجانب مشروع وطني يجتمع حوله الناس.
عيدابي يؤكد أن المسرحيين والمثقفين اليوم أمام واجب مزدوج: الإبداع والتفاعل المباشر مع المجتمعات المحلية، تحويل التحديات إلى فرص، وإطلاق خطاب مسرحي يعالج القضايا البيئية والاجتماعية والسياسية، ويغرس قيم التسامح والسلام، ويعيد الناس إلى فضاء الحياة الطبيعية.
يوسف عيدابي، بتجربته الممتدة بين الخرطوم والشارقة، بين التنظير والممارسة، يقدّم نموذجًا للمثقف المؤسسة ، الذي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يقترح أفقًا للخروج منها. رسالته للمسرحيين – ” واصلوا الإبداع، لأن الإبداع هو القارب إلى النور” – ليست دعوة رومانسية، بل بيان سياسي ناعم، يُذكّر بأن الثقافة ليست هامشًا، بل قلب المعركة على معنى الوطن.
في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة، يمكن أن تصبح خشبة المسرح والثقافة والفنون وسيلة أساسية للحد من النزاعات، وتجاوز الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، وخلق مساحة آمنة للحوار والمصالحات الإجتماعية ، بعيدًا عن الصراعات . المسرح هنا ليس مجرد خشبة عرض، بل مشروع دولة، ومنبر لإعادة الأمل، وصياغة مستقبل السودان بعد الخراب، حيث يلتقي الجمال المؤجَّل بالحاجة الملحة لإعادة الحياة والمجتمع.
وهكذا، بحسب#وجه_الحقيقة في مسرح ما بعد الحرب، لا تُعاد كتابة النصوص فحسب، بل يُعاد تخيّل السودان نفسه: وطنًا يتسع لتعدده، ويصالح ذاكرته، ويمنح أبناءه خشبة يقفون عليها معًا، لا متقابلين في ساحات القتال، بل متحاورين في فضاء الإنسانية والقيم التي تحكم البلاد.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية
الخميس 12 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/02/12 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة حول استئناف الدراسة في جامعة الخرطوم2026/02/12 بوست توضيحي مهم جدًا حول تكلفة إصلاح كبري الحلفايا2026/02/12 الهروب من الحقيقة بمحو الغزو من سردية الحرب السودانية2026/02/12 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والحرب الآن هي)2026/02/12 عدوان مدني علي العقل لتبرير عدوان الجنجويد2026/02/12 ماساة قحت جنا النديهة2026/02/12شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات هل أنت مبستن؟ 2026/02/12الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: بعد الحرب
إقرأ أيضاً:
وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
لأول مرة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول الخط الساخن بين واشنطن وتل أبيب إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصلت لحد الشتائم.
بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، انفجر ترامب غاضبًا في وجه بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.
ووصل الأمر إلى الشتائم وتبادل عبارات غير مسبوقة بين رجلين لطالما قُدِّما باعتبارهما أقرب حليفين سياسيين في العالم الغربي.
الوغد المجنون
وفق ما هو منشور فقد قال ترامب لنتنياهو: لولا وجودي لكنتَ في السجن الآن، أيها الوغد ناكر الجميل".
ترامب قال لنتنياهو أيضا: "أنا من ينقذك..الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".
كما وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون".
قد تكون بعض تفاصيل المكالمة محل جدل، لكن الأهم من الألفاظ نفسها هو ما تكشفه الواقعة:
التحالف الذي بدا لسنوات صلبًا بين ترامب ونتنياهو لم يعد كما كان.
فكيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟
تحالف المصالح
لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرد علاقة بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي.
فترامب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة السياسية نفسها تقريبًا:
مدرسة الزعيم الشعبوي الذي يبني شرعيته على الخوف، ويقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للأمة، ويحول السياسة إلى معركة دائمة بين "نحن" و"هم".
كلاهما استخدم القومية كسلاح انتخابي.
وكلاهما قدم نفسه باعتباره ضحية لمؤامرات النخب والقضاء والإعلام.
وكلاهما وجد في الحروب والأزمات وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.
لهذا لم يكن تحالفهما يومًا قائمًا على القيم المشتركة بقدر ما كان قائمًا على المصالح المشتركة.
خلال ولاية ترامب الأولى، حصل نتنياهو على ما لم يحصل عليه أي زعيم إسرائيلي من قبل.
اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونُقلت السفارة الأمريكية إليها، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، كما رعت الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها نتنياهو إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق.
في المقابل، وفر نتنياهو لترامب صورة الزعيم الأمريكي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط ويقف بلا تردد إلى جانب إسرائيل.
كان كل منهما بحاجة إلى الآخر.
الصهيونية المسيحية.. الرابط الأعمق
العلاقة لم تكن شخصية فقط.
وراء ترامب تقف واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الولايات المتحدة:
الإنجيليون المحافظون أو ما يعرف بالصهيونية المسيحية.
هذه الحركة لا تدعم إسرائيل لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب دينية وعقائدية أيضًا.
يعتقد كثير من أتباعها أن قيام إسرائيل وسيطرتها على القدس جزء من نبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح ونهاية الزمان.
لهذا السبب أصبحت إسرائيل قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي قضية خارجية.
وبالنسبة لترامب، فإن دعم إسرائيل كان وسيلة للحفاظ على ولاء ملايين الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون إحدى أهم قواعده الانتخابية.
أما بالنسبة لنتنياهو، فقد أدرك مبكرًا أن الطريق إلى واشنطن لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل أيضًا عبر الكنائس الإنجيلية المحافظة وقواعد الحزب الجمهوري.
هكذا نشأ تحالف بين اليمين الإسرائيلي والقومية المسيحية الأمريكية، تحالف تجاوز المصالح الاستراتيجية إلى مستوى الرؤية الأيديولوجية المشتركة.
لماذا يتشاجران الآن؟
الإجابة تكمن في حقيقة مجردة:
المصالح لم تعد متطابقة كما كانت.
ترامب يريد تسجيل إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران وإنهاء واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط.
أما نتنياهو، فيرى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا ومساحة لإعادة بناء قوتها.
لذلك ينظر الطرفان إلى الملف نفسه من زاويتين مختلفتين.
بالنسبة لترامب، التصعيد الإسرائيلي في لبنان أو أي مواجهة إقليمية واسعة قد يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران بالكامل.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي.
لهذا السبب لم يكن غضب ترامب من لبنان وحده، بل من احتمال أن يؤدي السلوك الإسرائيلي إلى إفشال مشروعه السياسي الأكبر في المنطقة.
الانتخابات تصنع السياسة
هناك عامل آخر لا يقل أهمية.
كلا الرجلين يتحرك وهو ينظر إلى صندوق الاقتراع.
ترامب يدرك أن الناخب الأمريكي سئم الحروب الخارجية الطويلة، وأن أي انزلاق أمريكي إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط قد يضر بشعبيته.
لذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يوقف الحروب لا الذي يبدأها.
في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.
المعارضة تتهمه بالفشل الأمني، وخصومه يتهمونه بالتبعية لواشنطن، بينما يضغط عليه اليمين المتشدد لإظهار مزيد من الحزم العسكري.
ومن هنا تبدو المفارقة واضحة:
ترامب يريد التهدئة ليكسب الانتخابات.
ونتنياهو يحتاج إلى التصعيد كي لا يخسرها.
نهاية شهر العسل
ربما تكون “مكالمة الأوغاد” مجرد لحظة غضب عابرة، أو خلاف مفاجئ بين حليفين تاريخيين.
وقطعا ما حدث ليس نهاية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل تصادم بين مرحلتين.
عندما كانت أهداف ترامب ونتنياهو متطابقة، بدا الرجلان وكأنهما يتحدثان بصوت واحد.
وعندما بدأت الحسابات الانتخابية والاستراتيجية تتباعد، ظهرت الخلافات ومعاها الشتائم.
حاليا، ترامب يريد شرق أوسط أكثر هدوءًا يسمح له بلعب دور "رجل الصفقات صانع سلام"، من أجل أولوياته الداخلية ومعاركه الانتخابية.
أما نتنياهو فيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا.
فكلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الضغوط الداخلية، ازدادت حاجته إلى خطاب التهديدات والمعارك المفتوحة واستدعاء المخاطر الوجودية التي أتقن توظيفها طوال عقود.
هنا بدأ التصادم.. وكلمة السر "تضارب المصالح"
في واشنطن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر التهدئة، بينما الطريق إلى البقاء السياسي في تل أبيب ما زال يمر عبر التصعيد.
لهذا فإن ما جرى كان مواجهة بين مشروعين شعبويين خرجا من المدرسة نفسها، ثم اكتشفا أن مصالحهما لم تعد تسير في نفس الاتجاه.
وحين تتعارض المصالح، تصبح الشتائم.. أسرع من المجاملات.