الجزيرة وإعادة تشكيل المشهد السياسي
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
الجزيرة وإعادة تشكيل المشهد السياسي
حسب الرسول العوض إبراهيم
تشهد ولاية الجزيرة هذه الأيام حراكاً سياسياً متسارعاً وتفاعلات محتدمة تعكس ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع وإعادة تشكيل التحالفات. فالمشهد لم يعد ساكناً بل بات مفتوحاً على احتمالات متعددة قد تمتد آثارها إلى مجمل الخارطة السياسية في السودان.
جاء لقاء (سرحان) الذي نظمته الإدارة الأهلية تضامناً مع الأمير الطيب الإمام جودة ليؤكد هذا التحول، فالرجل أصبح محل التقاء الجميع، إذ شهد هذا اللقاء تسابقاً لافتاً من جهات سياسية وعسكرية مختلفة، في محاولة لقراءة اتجاه الرياح الجديدة أو ربما التأثير عليها. وقد أظهر اللقاء حجم الحضور الذي بات يتمتع به الأمير الطيب جودة، الذي أصبح بالنسبة لكثيرين أحد أبرز الخيارات القادرة على توحيد إنسان الجزيرة والوسط عموماً.
يعود هذا القبول الواسع إلى ما يُنظر إليه بوصفه شرعية غير مؤدلجة ولا حزبية، الأمر الذي جعله نقطة التقاء لقطاعات أنهكتها الصراعات ذات الطابع السياسي. فالعديد من الأزمات التي شهدها الوسط كان للسياسة دور محوري في تأجيجها، ما دفع المواطنين إلى البحث عن قيادة أقرب إلى همومهم اليومية وأبعد عن الاستقطاب.
كما تعززت شعبية الرجل في ظل حالة الغضب التي يعيشها إنسان الجزيرة تجاه أطراف الحرب كافة. فهناك شعور متنامٍ بأن الولاية تُركت لمصيرها عندما اجتاحتها قوات الدعم السريع وسط اتهامات صريحة للجيش بالتقصير بل وبالتواطؤ وفقاً لكثير من الروايات بهدف تخفيف الضغط عن الخرطوم ومنع تمدد المعارك نحو ولايات الشمال. وقد شكل سقوط الفرقة الأولى في ود مدني صدمةً كبرى أثارت الدهشة والحيرة لدى الجميع.
حاولت القيادة العسكرية لاحقاً امتصاص هذا الغضب عبر تشكيل لجنة تحقيق انتهت إلى الحكم بسجن قائد الفرقة غير أن نتائج التحقيق بدت لكثير من أبناء الجزيرة مخيبة ودون مستوى الانتهاكات التي وقعت، ما أبقى جرح الثقة مفتوحاً.
في المقابل يروج أنصار محليون لرواية مفادها أن تحرير الجزيرة كان ثمرة جهود أبنائها وقياداتها وفي مقدمتهم الأمير الطيب جودة وأن السلاح الذي دافعوا به عن أرضهم جرى توفيره من مواردهم الخاصة دون دعم يذكر من أي جهة بما في ذلك الجيش. هذه الرواية أسهمت في ترسيخ صورة الاعتماد على الذات وتعزيز الالتفاف الشعبي.
أما الفصائل الأخرى التي أعلنت قتالها إلى جانب الجيش وعلى رأسها بعض حركات دارفور فيؤخذ عليها بحسب منتقدين أنها لم تحضر في لحظة الدفاع لكنها سارعت للحضور بعد التحرير بحثاً عن موطئ نفوذ لها، وقد زاد التوتر مع إعلان الأمير الطيب جودة موقفاً رافضاً وصريحاً لتلك الحركات مستصحباً انطباع أهل الجزيرة أن هذه الحركات أصبحت انتهازية وتشكٌل خطراً على إنسانها وسط اتهامات لها بالوقوف خلف العقوبات الأوروبية المفروضة على الطيب جودة وكيكل.
وفي خلفية هذا المشهد تبرز ملامح صراع من نوع آخر أقل ظهوراً للعلن وهو بين التيار الإسلامي (الكيزان) وتشكيلات درع السودان. وقد تجلّى ذلك في واقعة رفض المصباح مصافحة كيكل ملوحاً بعدم نسيان اجتياح الجزيرة عندما كان الأخير ضمن صفوف الدعم السريع. كما أثارت زيارات المصباح قائد كتائب البراء المصنفة إرهابياً جدلًا واسعاً بعد تصريحات حملت نبرة تهديد لأهالي الجزيرة في حال أبدوا تعاطفا مع قوى محلية أخرى أو مع أبناء الجزيرة الآخرين.
تعكس هذه التوترات أيضاً جانباً من التنافس مع قيادة الجيش نفسها ممثلة في البرهان، حيث يُنظر إلى القوى المسلحة في الجزيرة باعتبارها رصيداً استراتيجياً له في معادلة النفوذ لا سيما في مواجهة تشكيلات الكيزان العسكرية.
مجمل هذه التطورات يشير إلى أن ما يجري في الجزيرة ليس مجرد تفاعلات محلية بل هو مخاض لمشهد سياسي جديد قد يتشكل على مستوى البلاد. فالتحالفات القديمة تتصدع والقوى الجديدة تبحث عن موطئ قدم بينما يقف المواطن مترقباً لما ستؤول إليه موازين القوة.
إن الجزيرة اليوم تبدو وكأنها مختبر للتحولات القادمة في السودان، فما يحدث فيها قد يكون مقدمة لإعادة رسم المشهد الوطني بأكمله، حيث لم يعد السؤال من يملك القوة فحسب بل من يستطيع كسب ثقة الناس في زمنٍ تتبدل فيه الولاءات بسرعة.
* كاتب ومحلل سياسي
[email protected]
الوسومأبو عاقلة كيكل الأمير الطيب الإمام جودة الإدارة الأهلية البرهان التيار الإسلامي الجيش الخرطوم المصباح أبو زيد طلحة حسب الرسول العوض إبراهيم سقوط الفرقة الأولى قوات الدعم السريع كتائب البراء لقاء سرحان ولايات الشمال
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: أبو عاقلة كيكل الأمير الطيب الإمام جودة الإدارة الأهلية البرهان التيار الإسلامي الجيش الخرطوم المصباح أبو زيد طلحة سقوط الفرقة الأولى قوات الدعم السريع كتائب البراء ولايات الشمال الأمیر الطیب الطیب جودة
إقرأ أيضاً:
الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
صراحة نيوز – زار سمو الأمير الحسن بن طلال اليوم الثلاثاء، جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية، حيث اطّلع على واقع القطاع الصناعي الوطني وأبرز التحديات والفرص التي تواجهه، في إطار اهتمام سموه المتواصل بدور الصناعة في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الاعتماد على الذات.
واستهل سموه الزيارة بجولة في شركة الشروق للطباعة والتغليف، اطّلع خلالها على أحدث التقنيات المستخدمة في خطوط الإنتاج، واستمع إلى إيجاز حول خطط التطوير والتوسع التي تنفذها الشركة لتعزيز تنافسيتها ورفع جودة منتجاتها وتوسيع حضورها في الأسواق المحلية والخارجية، مثمناً جهود القطاع الصناعي الأردني في مواكبة التطورات التكنولوجية وتعزيز القيمة المضافة للإنتاج الوطني.
كما التقى سموه عدداً من المستثمرين ورجال الأعمال الأردنيين والعرب، حيث دار نقاش موسّع حول واقع الاستثمار والصناعة في الأردن، والفرص المتاحة لتعزيز الشراكات الاقتصادية الإقليمية، وأهمية توفير بيئة داعمة للابتكار والإنتاج والتشغيل.
وأكد سمو الأمير الحسن، خلال اللقاء، أن معايير القوة الوطنية والاستقرار في القرن الحادي والعشرين أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على التكيف والابتكار وصناعة الفرص، مشدداً على أهمية تحويل الموقع الجغرافي للأردن إلى قوة تنموية فاعلة تجعل من الإنسان الأردني محور التنمية وغايتها.
وأشار سموه إلى أن الأردن قادر على بناء الجسور الاقتصادية والمعرفية في المنطقة، مؤكداً أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية تكمن في التشبيك والتكامل وتوحيد المصالح المشتركة.
ولفت سموه إلى أن اختيار جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية لاستضافة اللقاء يحمل دلالات مهمة، باعتبار شرق عمّان نموذجاً للإنتاج وريادة الأعمال والاعتماد على الذات، ومصدراً رئيساً لفرص العمل والصادرات الوطنية، مشيداً بقدرة الصناعي الأردني على الصمود والتكيف والمنافسة رغم التحديات المختلفة.
ودعا سموه إلى الانتقال من مفهوم الصناعة القائم على الإنتاج فقط إلى صناعة القيمة والمعرفة، من خلال الاستثمار في المهارات والتكنولوجيا وتوطين المعرفة وتعزيز تنافسية المنتج الأردني عالمياً.
كما شدد سموه على أهمية الربط بين التنمية الصناعية وأمن الموارد الأساسية، وعلى رأسها المياه والطاقة والغذاء، باعتبارها ركائز مترابطة للأمن الوطني والاستقرار، داعياً إلى الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر بوصفه ضرورة اقتصادية وتنموية تعزز قدرة الأردن التنافسية في الأسواق العالمية.
وخلال النقاش التفاعلي الذي دار مع المستثمرين، ركّز سموه على أهمية مأسسة العمل الاقتصادي والتنموي، وبناء أطر مستدامة للحوار والتنسيق بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المعرفة والمجتمعات المحلية، بما يضمن استمرارية المبادرات وتحويلها إلى برامج عمل قابلة للقياس والتطوير، بعيداً عن الجهود الفردية أو الموسمية.
من جانبه، استعرض رئيس جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية الدكتور إياد أبو حلتم أبرز مؤشرات أداء القطاع الصناعي الأردني، مشيراً إلى أن صادرات الصناعة الوطنية قاربت 10 مليارات دينار، ووصلت منتجاتها إلى أكثر من 150 دولة حول العالم، فيما يوفر القطاع أكثر من 268 ألف فرصة عمل ويسهم بما يزيد على ربع الاقتصاد الوطني.
وأكد أبو حلتم أن الصناعة الأردنية نجحت في مواجهة تحديات سلاسل التزويد وارتفاع كلف التمويل والتشغيل، وحافظت على حضورها في الأسواق العالمية من خلال رفع القيمة المضافة لمنتجاتها وتعزيز المكون التكنولوجي والالتزام بأعلى المواصفات والمعايير الدولية.
كما طرح أبو حلتم مبادرة لتعزيز التشبيك والتعاون بين القطاع الخاص الأردني ونظرائه في عدد من الدول العربية، بما في ذلك سوريا والعراق ولبنان، بهدف إقامة شراكات ومشروعات مشتركة تدعم التكامل الاقتصادي وتوسع فرص الاستثمار والإنتاج.