عربي21:
2026-06-02@20:03:30 GMT

نحو رؤية مختلفة لإشكالية الإسلام السياسي

تاريخ النشر: 13th, February 2026 GMT

خلال "الفاصلة الديمقراطية" التي أعقبت ما سُمّي بـ"الربيع العربي" أو "الثورات العربية"، ظهرت الحركات الإسلامية بمختلف مرجعياتها فاعلا أساسيا في الحقل السياسي سواء منه الحقل القانوني (الحركات ذوات المرجعية الإخوانية وبعض الفصائل المنتمية للسلفية العلمية) أو الحقل اللا قانوني (الحركات "الجهادية" ذوات المرجعية الوهابية بما فيها بعض التيارات المدخلية المعادية لهم).

وقد كان وصف "الإسلام السياسي" هو الوصف الجامع لكل تلك الأطياف بصرف النظر عن علاقتها بـ"الفلسفة السياسية الحديثة" أو بالدولة-الأمة أو بالمرجعية الإسلامية التراثية، أي بصرف النظر عن أي مراجعات نقلت بعضها من مرحلة البديل الكلي للنخب الحداثية إلى مرحلة الشريك لها في بناء "الكلمة السواء"/ المشترك المواطني.

ليس يعنينا في هذا المقال تفكيك مقالات المجاميع الإسلامية السنية ولا بيان تهافت جمعها في وصف لا يرتقي إلى مستوى المصطلح العلمي الجامع المانع؛ بقدر ما يهمنا أن نطرح القضية من منظور مختلف ينطلق من طرح الأسئلة التالية: ما هي القيمة التفسيرية لهذا التعبير بعيدا عن التوظيفات السياسوية العلمانية له سواء في السرديات السلطوية وفي كل السرديات "الحداثية" التي تتعرف بالتقابل الفكري مع "الإسلام السياسي"؟ هل يوجد "إسلام غير سياسي" وما هي تعبيراته، بل هل توجد يهودية أو حتى مسيحية معلمنة إلى درجة لا تحتاج فيها إلى تسييس الدين بصورة أو بأخرى؟ ما هو مقابل الإسلام السياسي؟ وهل يمكن اعتبار "الإسلام الثقافي" و"الأنثروبولوجي" و"الإسلام المعتدل" الذي تتغنى به أغلب الأنظمة/النخب العربية إسلاما غير سياسي في جوهره، حتى عندما تؤسس النخب "الحداثوية" مقالاتها على رفض تسييس الإسلام وعلى ضرورة الفصل بين الدين والدولة؟

يعلم أي مشتغل بالفكر السياسي أن تعبير "الإسلام السياسي" ليس تعبيرا تراثيا ولا تعبيرا ذا أصول إسلامية، فهو منتج استشراقي لا يمكن فصله عن استراتيجيات الهيمنة الغربية، بل هو منتج "يهودي" بالأساس بحكم ظهوره على يدي المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس (1916-2018)، اليهودي الأشكينازي المولود في بريطانيا والمتوفى في الولايات المتحدة والمعروف بـ"بطريرك الاستشراق"، ثم شيوع استعماله من بعده في كتابات المستشرق الإسرائيلي مارتن كرامر وغيره منذ ثمانينات القرن الماضي. ولا شك في أن "الشبهة" في التعبير لا تعود إلى أصوله اليهودية أو "الإسرائيلية" -فالكثير من اليهود منصفون، بمن فيهم بعض "الإسرائيليين" المعروفين بـ"المؤرخين الجدد"- بل إن علة الشبهة تعود إلى تاريخ "بطريرك الاستشراق" وعلاقاته المعروفة بالمخابرات البريطانية وبالمشروع الإحلالي الصهيوني في فلسطين، وكذلك علاقات غيره من المروّجين لهذا التعبير بمراكز القرار الصهيو-إمبريالي أو بوكلائهم المحليين في الفضاء العربي-الإسلامي، خاصةً في هذه المرحلة التي يمكن تسميتها بالمرحلة المتصهينة للإمبريالية العالمية.

إننا نستعمل كلمة "تعبير" للإشارة إلى "الإسلام السياسي" لأنه استعمال لا يرقى إلى مستوى المصطلح التفسيري في أي مقاربة علمية جادة. وآية ذلك أنّ من يستعمله يضعه في علاقات استبدالية مع "تعبيرات" أخرى مثل الأصولية والإسلاموية والإسلام الاحتجاجي أو الجهادي والحركات الإرهابية.. الخ. ونحن إن كنا لا ننفي وجود فرق بين "الإسلامي" و"المسلم" خاصة عندما يمارسان العمل السياسي، فالإسلامي هو من يعتبر الإسلام مشروعا جماعيا يتجاوز الفرد أو الحياة الشخصية ويجب أن يكون أساس التشريع، بينما المسلم لا يقول بذلك بالضرورة ولا يرى أن إسلامه مشروط بتحويل الدين إلى أساس للتشريع أو لإدارة الفضاء العمومي، فإننا رغم قولنا بذلك الفارق الأساسي لا نقول بوجود إسلام غير سياسي. فالإسلامي يسيّس الإسلام بطريقة ما على أساس الجدل مع تراثه المذهبي ومع واقعه، أما غير الإسلامي فإنه أيضا يسيس الإسلام حتى إن أسس مقالاته على مرجعية غير إسلامية؛ هي في الغالب المرجعية اللائكية الفرنسية التي تتحول عنده إلى "فلسفة دينية" أو حتى إلى ديانة وضعية وإن بصورة لا واعية.

انطلاقا من الملاحظة الواردة أعلاه، فإنّ القول بوجود إسلام غير سياسي -أو إمكانية وجود أطروحة سياسية/أيديولوجية لا تسيّس الإسلام بشكل من الأشكال- هو قول متهافت نظريا وواقعيا. ورغم محاولة لويس وغيره تخصيص الإسلام بـ"أزمة" العجز عن علمنة الدين أو جعله متأقلما مع الفلسفة السياسية الحديثة، فإن الواقع يقول إن "إسرائيل" ليست إلا علمنة كاذبة للمشروع اليهودي عبر الصهيونية، كما أن الواقع ينبئنا -خاصة بعد طوفان الأقصى- أن علمنة المسيحية ليست إخراجا للدين من الفضاء العام ولا من سياسات الدول، بل هي في جوهرها -خاصة خارج المجال الغربي- مجرد إعادة تسييس/توظيف مختلف لها في المشاريع الاستعمارية/الاستيطانية وعبر استراتيجيات الهيمنة ما بعد الاستعمارية.

ولن نتوسع هنا كثيرا في "البنية الدينية العميقة" للعلمانية ولا في بقاء الدين محددا أساسيا للبنى الثقافية داخل ما يسمى بـ"الحضارة اليهو-مسيحية"، ولكننا سنكتفي بالتذكير بأن من ينتقدون الإسلام السياسي لا يُعرف لأغلبهم نقدا مماثلا لليهودية السياسية (في الكيان الصهيوني وفي مراكز القرار الغربي) أو للمسيحية السياسية (في اليمين المتطرف الأوروبي أو الأمريكي)، وهو ما يجعل مقالاتهم -في أفضل أحوالها- اختزالا وتسطيحا لظاهرة تتجاوز الإسلام حتى من داخل أنساقهم الحجاجية.

رغم أن الإسلام غير السياسي مجرد "وهم" أو تزييف معرفي وسياسي يروّج له منتجو المعرفة الاستشراقية ومن بعدهم مستهلكو تلك المعرفة من "النخب الحداثية" العربية، فإن ذلك لا يمنعنا من البحث عن "المقابل" الفكري والموضوعي الذي يضعه هؤلاء إزاء ما يسمونه "إسلاما سياسيا". بعيدا عن التفصيل الذي لا يسمح به هذا المقام، فإن ما يقابل "الإسلام السياسي" عند أغلب النخب العلمانية هو "الإسلام الثقافي" أو "الإسلام الأنثروبولوجي"، أي ذلك الإسلام الجماعي -الإسلام الشعبي لا الإسلام العالم- السابق على الوجود الفردي والمرتبط بالتقاليد والأعراف والمناسبات؛ أكثر مما هو مرتبط باختيار "إيماني حر". وهو إسلام تتم مطابقته أحيانا بـ"الإسلام المعتدل" أو "الإسلام الرسمي" المرتبط بالمؤسسات الأيديولوجية للدولة. وهذا "الإسلام" عند المنتقدين للإسلام السياسي هو إسلام مقبول، سواء في شكله الشعبي القائم على الفولكلور وعدم التدخل في الشأن العام بمنطق الإلزام والإكراه، أو في شكله السلطوي؛ القائم على احتكار الدولة الحديث باسم الإسلام "الصحيح" وبناء شرعيتها السياسية على أساس غير ديني بالأساس مثل التحرير أو التحديث.

ولكنّ تلك "المقبولية" لا تنفي الحاجة إلى انتقادهما من موقع "تقدمي" أو "تنويري" (أي يساري أو ليبرالي)، ولكنه انتقاد لا يمكن فهمه إلا في إطار التناقض الثانوي، بينما يكون التناقض مع "الإسلام السياسي" تناقضا رئيسا؛ سواء أكانت مكوناته في السلطة أو في المعارضة أو حتى في السجون والمنافي.

بناء على ما تقدم، فإن علينا زحزحة الإشكالية من موقعها التقليدي إلى موقع جديد أساسه الإقرار بعدم وجود أي سردية سياسية/أيديولوجية لا تُسيّس الإسلام، وهو ما يعني أننا أمام مشاريع متناقضة لتسييس الإسلام؛ سواء من داخل المرجعية الدينية (وهي مذهبية بالأساس وإن كانت تدعي أنها "إسلامية" مجازا بينما لا تتوجه إلا للمنتمين للتراث المذهبي السني ولا تتوجه إلى من هم خارجها)، أو من داخل مرجعيات غير إسلامية (وهي لائكية بالأساس ومعادية في الأغلب للمرجعية الدينية ولأي دور لها في بناء المشترك المواطني، وإن كانت تدعي معاداة "الإسلاميين" لا الإسلام في ذاته). ولذلك فإننا نعتبر أن النقد الجذري للحركات الإسلامية هو أنها حركات طائفية لم ترتفع إلى مستوى مخاطبة كل المسلمين سواء أولئك الذين لا يجدون ما يمثلهم في التراث السياسي السني وفي مشاريع "إعادة تشغيله"، أو أولئك المنتمين إلى تراثات مذهبية مختلفة. أما النقد الجذري الموجه للنخب اللائكية فهو إنكارهم أن أطروحاتهم ليست إلا شكلا من أشكال تسييس الإسلام من موقع تفكير غير إسلامي، بل من موقع تفكير يتقاطع موضوعيا مع الأطروحات الاستشراقية الأكثر تصيهنا.

إن أي "التقاء" بين الإسلاميين واللائكيين لا يمكن أن يتم دون مغادرتهما لموقعيهما التقليديين ومراجعتهما لفرضياتهما السردية؛ التي تحول دون بناء أي مشترك مواطني لا يقصي الدين من الفضاء العام ومن التشريع، ولكنه لا يعيد إنتاج تعبيراته التراثية المتناقضة مع مفهوم "المواطنة" الذي يحمي حقوق الأقليات الأيديولوجية والدينية؛ دون إهدار حقوق الأغلبية أو جعلها نهبا لاستراتيجيات الاستعمار الجديد في تسويد الأقليات وقمع الأغلبية لتأبيد حالة التبعية والتخلف والصراعات الداخلية في منظومة سايكس-بيكو، وبالتالي جعلها جميعا كيانات وظيفية في خدمة المصالح المادية والرمزية للغرب ولحصنه المتقدم في المنطقة: الكيان الصهيوني.

x.com/adel_arabi21

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء العلمانية الدين علمانية سياسة الدين اسلامي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الإسلام السیاسی إسلام غیر غیر سیاسی س الإسلام من موقع

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • في حصاد أمني واسع لـ الداخلية.. ضبط 1736 جريمة وإسقاط أكثر من 2000 متهم بالمحافظات المحررة خلال مايو (الأرقام والمحافظات
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • بمليون و916 ألف جنيه.. «الكلام على إيه» يحتفظ بالمركز الثاني بإيرادات أفلام عيد الأضحى 2026
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش