اختارت الحكومة البريطانية نهجًا أقل صدامية في التعامل مع هيمنة متاجر التطبيقات التابعة لكل من Apple وGoogle، مفضلة ما وصفته بـ«التنظيم العملي» بدل فرض قواعد صارمة على غرار ما فعل الاتحاد الأوروبي. القرار يعكس توجهًا سياسيًا وتنظيميًا يسعى إلى موازنة المنافسة العادلة مع الحفاظ على مناخ جاذب للاستثمار في قطاع التكنولوجيا.

العام الماضي، صنفت Competition and Markets Authority الشركتين باعتبارهما ثنائي احتكار يتمتع بـ«وضع سوقي استراتيجي» في مجال منصات الهواتف المحمولة، وهو توصيف يفتح الباب أمام رقابة وتنظيم خاصين. ورغم ذلك، أعلنت الهيئة أنها لن تتعامل مع متجري التطبيقات بنفس الحدة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي، بل ستكتفي بالحصول على تعهدات والتزامات طوعية من الشركتين لتحسين طريقة تشغيل متاجرهما في السوق البريطانية.

وبموجب هذا النهج، وافقت آبل وجوجل على التعاون مع الهيئة لمعالجة مجموعة من القضايا التي طالما أثارت شكاوى المطورين، من بينها آليات مراجعة التطبيقات، وطريقة ترتيبها داخل المتاجر، واستخدام بيانات المطورين، فضلًا عن قضايا قابلية التشغيل البيني. الفكرة الأساسية، بحسب الهيئة، هي ضمان معاملة عادلة للمطورين، خصوصًا في الحالات التي تتنافس فيها تطبيقاتهم مع خدمات مملوكة مباشرة لآبل أو جوجل.

لكن هذا الإطار التنظيمي يختلف جذريًا عن النموذج الأوروبي. ففي الاتحاد الأوروبي، أدى تطبيق Digital Markets Act إلى فرض تغييرات إلزامية على آبل، شملت فتح بعض خصائص نظام iOS أمام المنافسين، والسماح بتحميل التطبيقات من خارج متجر App Store، إلى جانب تقليص نسب العمولات المفروضة على عمليات الشراء داخل التطبيقات. أما في بريطانيا، فالتعهدات التي قدمتها الشركتان لا تحمل صفة الإلزام القانوني الصريح، وهو ما دفع بعض الخبراء لوصفها بأنها أقرب إلى توصيات منها إلى قوانين واجبة النفاذ.

مع ذلك، لم تغلق هيئة المنافسة البريطانية الباب أمام التصعيد مستقبلًا. إذ أوضحت أنها ستراقب مؤشرات محددة، مثل عدد التطبيقات التي تتم الموافقة عليها أو رفضها، ومتوسط زمن مراجعة التطبيقات، وحجم الشكاوى المقدمة من المطورين. وفي حال رصدت الهيئة أن التعهدات لا تُطبق بشكل جاد، يمكنها حينها الانتقال إلى فرض متطلبات أكثر تحديدًا، خاصة في ملفات حساسة مثل قابلية التشغيل البيني. كما حذرت من أن عدم الالتزام قد يدفعها إلى التخلي عن هذا الأسلوب المرن في المستقبل.

من جانبها، رحبت جوجل بهذا التوجه، معتبرة أن العمل التعاوني مع الجهات التنظيمية يتيح معالجة المخاوف دون الإضرار بوتيرة الابتكار. آبل أبدت موقفًا مشابهًا، مشيرة إلى أن التفاهمات الجديدة تسمح لها بمواصلة تطوير معايير الخصوصية والأمان، مع توفير فرص أفضل للمطورين داخل منظومتها.

ويرى مراقبون أن هذا الخيار البريطاني قد لا يكون تقنيًا بحتًا، بل تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية أوسع. فبريطانيا، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تسعى إلى رسم مسار تنظيمي مستقل لا يضعها في مواجهة مباشرة مع الشركات الأمريكية الكبرى، خاصة في ظل حساسية العلاقات مع الولايات المتحدة. ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه التوترات بين واشنطن وبروكسل بشأن تنظيم قطاع التكنولوجيا، حيث حذر الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron مؤخرًا من أن الولايات المتحدة قد تشن هجومًا سياسيًا واقتصاديًا على أوروبا بسبب سياساتها الرقمية، سواء المتعلقة بحماية البيانات أو الضرائب الرقمية أو تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي.

 يعكس الموقف البريطاني محاولة للسير على حبل مشدود بين حماية المنافسة ومنح الشركات الكبرى مساحة للحركة. هذا النهج قد يرضي آبل وجوجل على المدى القصير، لكنه يضع هيئة المنافسة أمام اختبار حقيقي: هل تكفي التعهدات الطوعية لضبط سوق يسيطر عليه لاعبان عملاقان، أم أن الواقع سيفرض في النهاية تبني قواعد أكثر صرامة؟ الإجابة ستتضح مع الوقت، ومع قدرة هذا النموذج «الخفيف» على تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار والعدالة في سوق التطبيقات.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبی

إقرأ أيضاً:

«إيتيدا» تختار 229 مشروع تخرج

أعلنت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» عن اجتياز 229 مشروع تخرج للتقييم الفنى ضمن الدورة الحادية والعشرين من برنامج دعم مشروعات تخرج طلاب الجامعات، الذى يُنفذ فى إطار مبادرة التعاون بين الشركات والجهات البحثية بهدف تعزيز الابتكار وربط البحث العلمى باحتياجات سوق العمل.
وشهدت الدورة الحالية إقبالًا كبيرًا، حيث استقبل البرنامج 483 مشروعًا من 72 جامعة مصرية. وبعد الانتهاء من عمليات الفرز والتقييم، تم اختيار 229 مشروعًا لاستكمال إجراءات مراجعة الميزانية والاعتماد النهائى، تمهيدًا للحصول على دعم مالى يصل إلى 30 ألف جنيه للمشروع.
وتنوعت المشروعات المقبولة بين مجالات الرعاية الصحية، والتكنولوجيا المساعدة لذوى الإعاقة، والمدن الذكية، وإنترنت الأشياء، وأنظمة السيارات الذكية، والتكنولوجيا الزراعية والبيئية، والطاقة المتجددة، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعى والروبوتات والتصنيع المتقدم.
وعلى مستوى الجامعات، تصدرت جامعة القاهرة القائمة بـ30 مشروعًا، تلتها الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى بـ28 مشروعًا، ثم جامعة بنها بـ15 مشروعًا.
كما شاركت جامعة عين شمس بعشرة مشروعات، فيما سجلت جامعة أسيوط وأكاديمية الشروق وجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب تسعة مشروعات لكل منها.
وتعكس نتائج البرنامج تنامى دور الجامعات المصرية فى دعم الابتكار وإعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل التكنولوجى، فضلًا عن اتساع قاعدة المشروعات التطبيقية فى مختلف المحافظات، بما يسهم فى تعزيز الاقتصاد الرقمى ودعم التحول التكنولوجى فى مصر.

مقالات مشابهة

  • الاتحاد الأوروبي يطلق أكبر خطة في تاريخه لمواجهة حرائق الغابات
  • الاتحاد الأوروبي يخطط لأكبر استجابة لحرائق الغابات في صيف 2026
  • «إيتيدا» تختار 229 مشروع تخرج
  • الاتحاد الأوروبي يقترب من تصويت حاسم لفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين
  • جوارديولا يغلق الباب أمام الدوري السعودي ويتمسك بمواصلة مشواره الأوروبي
  • الحرب والضائقة الاقتصادية تضربان استعدادات إيران لمونديال 2026
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • يورونيوز : الاتحاد الأوروبي يشترط وقف إطلاق النار لتعزيز دوره في المحادثات الأوكرانية الروسية
  • اتفاق مؤقت بين البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي يمهد لإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل
  • جدل في الهند بعد إزالة تمثال ميسي العملاق.. قرار أمني يثير تساؤلات حول التنظيم والسلامة