مقال: حرب الإبادة غير المرئية على الفضاء المدني الفلسطيني في القدس
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
تقود إسرائيل بكافة أذرعها المدنية والأمنية حربا مفتوحة لإحلال الفضاء المدني الإسرائيلي، بديلا عن الفضاء المدني الفلسطيني في مدينة القدس؛ وهي حرب تتم بأدوات مرئية وأخرى غير مرئية تأثيراتها قوية وصادمة، ولها غاية واحدة وهي تجويف الفضاء المدني الفلسطيني في القدس وأسرلته .
تنبهت أجهزة دولة الاحتلال إلى أنَ الفضاء المدني مكون أساسي في صمود المقدسيين، سواء من حيث الحفاظ على الهوية أو تقديم الخدمات، فكسرت كل القواعد في التعامل معه وتجاوزت في ممارستها القوانين الإسرائيلية السارية، حتى إنَ العاملين في مؤسسات المجتمع المدني المقدسية باتوا ملاحقين في الشوارع.
فأن تسير في الشارع -كمقدسي- فأنت معرّض أنْ يعترض طريقك ضابط مخابرات بلباس مدني ويطلب منك جهاز الحاسوب المحمول الخاص بك دون إذن نيابة أو مذكرة قضائية، وأحيانا يتحايل العاملون في المؤسسات الأهلية من خلال عدم حملهم أجهزة الحواسيب الخاصة بهم معهم، فيطلب الضابط العودة إلى السيارة أو المنزل وإحضاره، وبمجرد وجود صورة لعلم فلسطين يعتبر مشكلة، فما بالك إن وجدت مواد وطنية أخرى.
لم يحدث هذا النوع من الملاحقة في الضفة الغربية ما يشير إلى مستوى عال جدا من التضييق الأمني.
قوانين وقيود وإجراءاتتوجد مشكلة أخرى هامة مرتبطة بذلك وهي حماية أرشيف هذه المؤسسات، سواء من حيث الإرث التاريخي الموثق لعملها ولمدينة القدس، وبعضه يمتد لعشرات السنين وأحيانا لما قبل قيام دولة إسرائيل، إضافة إلى حماية خصوصية البيانات للفئات المستهدفة من هذه المؤسسات ومراسلاتها.
اتخذت الحكومة الإسرائيلية سلسلة إجراءات متعددة المجالات:
على المستوى القانوني أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون يلزم المؤسسات الأهلية المقدسية بدفع ضريبة دخل تصل إلى 80% من قيمة أي منحة خارجية يحصلون عليها، وهذا قرار تعجيزي لا يمكن تصوره، إلا أنَ ضغوط نواب عرب في الكنيست أوقفت القرار فتم تخفيض النسبة إلى 20%، وهي نسبة مرتفعة أيضا وغير مقبولة. يبرز ذلك أنَ لمدينة القدس قوانين عنصرية خاصة تفصَّل لغايات تهجير المقدسيين وضرب مؤسساتهم. يتوازى ذلك مع توجيه ضربات وقيود لمؤسسات الوقف الإسلامي والمسيحي، وهي شريان حيوي للمؤسسات الأهلية والفضاء المدني في القدس، إضافة إلى أنها، خاصة المؤسسات الكنسية المقدسية، مصدر تمويل أساسي لعديد مؤسسات مقدسية مدنية، وبعض هذه المؤسسات تم حظر عملها ضمن أكثر من 50 مؤسسة دولية أوقفت مؤخرا عن العمل في قطاع غزة لعدم امتثالها لشروط التسجيل الإسرائيلية غير المقبولة. يعني ذلك أنَ الضرر الذي برز إعلاميا موجها لقطاع غزة هو أثّر بذات المستوى على مدينة القدس دون أن ينتبه لذلك أحد. 450 مؤسسة أهلية مقدسيةتوجد في محافظة القدس التي تشمل مدينة القدس والضواحي نحو 450 مؤسسة أهلية مقدسية، وهي تمثل عالما نابضا بالحياة والتطوع والخدمات، تعمل في كل المجالات، وتتبع المدارس الرئيسية الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى المستشفيات العريقة مثل مستشفى المقاصد جمعيات أهلية مقدسية، وهي التي تمثل الهوية الفلسطينية في القدس من الناحيتين المؤسساتية والمجتمعية.
إعلانتجدر الإشارة هنا إلى أنَ الحرب على التعليم الفلسطيني في القدس بدأ قبل سنوات ونجحت إسرائيل بالفعل في القضاء على التعليم الفلسطيني في المديمة، وأسرلة التعليم بإجراءات وقيود يصعب مواجهتها، فعلى سبيل المثال؛ لم يتبق اليوم سوى نحو ستة آلاف طالب مقدسي فقط في مدارس الأوقاف بالقدس والباقي ملتحق بالمدارس التابعة للمعارف الإسرائيلية.
يبدو أنَ القرار الإسرائيلي واضح وحاسم فيما يتعلق بدمج كل هذه المؤسسات المقدسية ضمن النظام الإسرائيلي وفرض مفهوم السيادة عليها، فحتى وقت قريب حمل جزء من هذه المؤسسات ترخيصين، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي، وبعضها كان يعمل بترخيص فلسطيني فقط، لكن الآن لا يعترف بأي مؤسسة لا تحمل ترخيصا إسرائيليا ما جعل كثيرا منها بلا تسجيل قانوني معترف به.
تسريب العقارات وإيقاف تصاريحيوجد خطر آخر مرتبط بالإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف المؤسسات المقدسية الأهلية، وهي تسريب (بيعها بالسر) العقارات، فكثير من المؤسسات الأهلية لها أصول وعقارات في القدس، وبحسب القانون الإسرائيلي فإنه وعند إغلاق أي مؤسسة يتم مصادرة ممتلكاتها وتحويلها للدولة، بالتالي توجد مصلحة إسرائيلية بإغلاق وسحب شرعية أكبر عدد من المؤسسات المقدسية، لا سيما التي لها أصول وعقارات للاستيلاء عليها.
عمدت إسرائيل أيضا إلى إيقاف تصاريح الدخول بين الضفة الغربية والقدس، ما أدى لمنع العديد من العاملين في مؤسسات القدس الأهلية من الوصول إليها، وبالتالي حرَم المؤسسات الأهلية المقدسية جزءا من كوادرها.
وزاد الأمر تعقيدا بقرار قطع علاقة البنوك الفلسطينية في الضفة مع القدس، ما يعني إجبار المؤسسات المقدسية على التعامل فقط مع البنوك الإسرائيلية بكل تعقيداتها، وكثيرا ما لا يتاح ذلك فتبقى المؤسسة بدون حساب بنكي فتفقد قدراتها على تجنيد التمويل.
خطة منهجية واضحةتعمل إسرائيل بخطة منهجية واضحة لضرب الرؤوس التمثيلية الفلسطينية والمرجعيات الوطنية في القدس عبر ضرب هذه المؤسسات، حيث تعمل بالتوازي مع ملاحقة المؤسسات الأهلية الفلسطينية فيها إلى تأسيس مؤسسات مدنية أخرى يقوم عليها مقدسيون تابعون لها، وحتى الآن تم تأسيس ما بين 15-20 مؤسسة أهلية جديدة في القدس من خلال أذنابها، لتعمل على الإحلال التدريجي البديل للقيادة الوطنية المقدسية للمؤسسات الأهلية، إضافة إلى إحلال ما يسمى "المراكز الجماهيرية" لتقوم بتقديم الخدمات التي تقدمها المؤسسات الأهلية المقدسية.
تعد حرب الضرائب جزءا من الحرب الموجهة للمؤسسات الأهلية المقدسية، ومن ذلك إعادة تصنيف الأرنونا في القدس (ضريبة المسقفات والأملاك)، حيث تقوم بلدية القدس بإعادة مسح كل الأحياء المقدسية وأخذ مقاسات دقيقية وإعادة تقدير قيمة الضريبة بمبلغ مرتفع بشكل مقصود وواضح لكي ترهق المقدسيين ومؤسساتهم ماليا فيضطرون للتخلي عنها.
يتم في هذا السياق استهداف المؤسسات الأهلية المقدسية بمعاملة قسم كبير منها على أنه نشاط تجاري وليس أهلي تطوعي، فكل مؤسسة أهلية لا تقدم خدمات صحة أو تعليم بشكل مباشر يتم تحويل تصنيفها فيما يتعلق بضريبة الأرنونا إلى تصنيف شركة تجارية، وهذا يرفع قيمة ضريبة الأرنونا من 7 آلاف شيقل بالمتوسط (الدولار يساوي 3.07 شيكلا الخميس) إلى 50 ألف، وهو ما يفوق قدرة المؤسسات الأهلية فتغلق أبوابها.
إنَ ما يجري من حرب إبادة في قطاع غزة لا يجب أن يؤدي للغفلة عما يجري في مدينة القدس
إنَ ما يجري من حرب إبادة في قطاع غزة لا يجب أن يؤدي للغفلة عما يجري في مدينة القدس من إبادة مماثلة بأدوات ناعمة مختلفة، يتطلب ذلك التفكير الجاد والاستباقي وتحديد ميكانزمات الدفاع الحقيقية التي يجب العمل عليها وتطويرها لحماية المؤسسات الأهلية المقدسية.
إعلانلا يعتبر ما يجري في القدس شأنا فلسطينيا داخليا، أو حدثا إجرائيا كما يجري في مدن الضفة الغربية، فهذه المدينة بما تحمله من مكانة ودلالة تتطلب جهدا عربيا وإسلاميا ودوليا واعيا لحماية مكوناتها المقدسية.
ومن الخطيئة وليس الخطأ الاكتفاء بالمراقبة والتضامن اللفظي مع ما يجري فيها، فأحيانا بالإمكان من خلال العمل الذكي والموجه والمثمر تأخير الأزمة وتقليل تداعياتها إنْ لم يكن بالإمكان وقفها، وفي هذه المساحة مجال للكثير من العمل إن توفرت الإرادة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الفضاء المدنی الفلسطینی فی هذه المؤسسات مدینة القدس مؤسسة أهلیة ما یجری فی إضافة إلى فی القدس
إقرأ أيضاً:
«أنا وياسر عرفات».. شهادة صحفية تعيد قراءة سيرة الزعيم الفلسطيني الراحل
صدر في مصر كتاب جديد بعنوان «أنا وياسر عرفات» للكاتب الصحفي المصري أسامة شرشر، يقدم شهادة تجمع بين الذاكرة الصحفية والتوثيق السياسي حول حياة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، المعروف بلقب «أبو عمار»، ومسيرته التي ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ القضية الفلسطينية والنضال العربي.
ويأتي صدور الكتاب في مرحلة حساسة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ فلسطين الحديث، من خلال رواية تعتمد على شهادات وذكريات مباشرة للكاتب مع الزعيم الفلسطيني الراحل.
ويستند الكتاب إلى سلسلة من اللقاءات والحوارات التي أجراها أسامة شرشر مع ياسر عرفات خلال سنوات من التواصل بينهما، ما يمنح القارئ فرصة للتعرف على جوانب مختلفة من شخصية أبو عمار بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي، ومن خلال رؤية صحفي عايش جزءًا من تجربته السياسية والإنسانية.
ولا يكتفي الكتاب بعرض المحطات العامة في حياة ياسر عرفات، بل يتتبع مراحل متعددة من مسيرته، بداية من تشكل وعيه الوطني والسياسي، مرورًا بفترات الكفاح الفلسطيني والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وصولًا إلى المرحلة التي شهدت مفاوضات السلام والتحديات السياسية المعقدة التي أحاطت بدوره.
ويخصص «أنا وياسر عرفات» مساحة واسعة للحديث عن العلاقة بين الزعيم الفلسطيني ومصر، إذ يؤكد مؤلف الكتاب أن القاهرة شكلت محطة محورية في حياة أبو عمار، وأسهمت خلال مراحل مبكرة من حياته في تشكيل رؤيته الوطنية والسياسية وعلاقته بالقضية الفلسطينية.
ويرى أسامة شرشر أن الدور المصري كان حاضرًا بشكل أساسي في مسيرة ياسر عرفات، نظرًا للمكانة التي احتلتها مصر تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، وكونها إحدى أبرز الدول العربية التي لعبت أدوارًا سياسية في مراحل الصراع المختلفة ومسارات التفاوض.
ويقدم الكتاب قراءة تجمع بين السيرة الشخصية والتاريخ السياسي، حيث يتناول جوانب من شخصية أبو عمار، وطريقة تعامله مع الأحداث الكبرى، ورؤيته للتطورات التي أثرت على مسار القضية الفلسطينية والمنطقة العربية.
كما يناقش الكتاب عددًا من القرارات والمنعطفات السياسية المرتبطة بمسيرة ياسر عرفات، محاولًا وضعها في سياقها التاريخي والإقليمي والدولي، بعيدًا عن تقديم تجربة الزعيم الفلسطيني من زاوية واحدة أو اختزالها في رواية منفردة.
ويظهر ياسر عرفات في صفحات الكتاب باعتباره شخصية سياسية تركت أثرًا واسعًا في تاريخ القرن العشرين، إذ ارتبط اسمه بمراحل طويلة من النضال الفلسطيني، وبأحداث سياسية شكلت مسار الصراع العربي الإسرائيلي لعقود.
ويأتي إصدار «أنا وياسر عرفات» ضمن محاولات توثيق الذاكرة السياسية العربية عبر شهادات شخصيات صحفية وإعلامية اقتربت من القادة وصناع القرار، حيث لا يقدم الكتاب مجرد سيرة شخصية لأبو عمار، بل يسعى إلى قراءة مرحلة كاملة من تاريخ فلسطين والمنطقة من خلال علاقة صحفي مصري بأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية.
ويطرح الكتاب تساؤلات حول كيفية قراءة تجربة ياسر عرفات بعد سنوات من رحيله، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية والعالم العربي، مقدمًا شهادات وذكريات تسلط الضوء على شخصية أبو عمار وإرثه السياسي والنضالي.
هذا ويعد ياسر عرفات، الذي توفي عام 2004، من أبرز القادة الفلسطينيين في العصر الحديث، إذ قاد منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات طويلة، وكان حاضرًا في العديد من المحطات السياسية والعسكرية التي شكلت تاريخ القضية الفلسطينية.
كما لعبت مصر دورًا محوريًا في مختلف مراحل القضية الفلسطينية، سواء عبر الدعم السياسي أو المشاركة في مسارات التفاوض والسلام.